سيدتي حكايات اسما

رفضت موظفة استقبال إدخال أمي المسنة إلى المطعم لأنها ظنت أننا لا نملك ثمن العشاء… وبعد عشر دقائق خرج مالك المطعم من المطبخ باكيًا وركع أمامها

 

الفصل الأول

 

كان عيد ميلاد أمي الثامن والسبعين.

 

ولم تطلب شيئًا كبيرًا.

 

لا رحلة.

 

ولا هدية باهظة.

 

ولا احتفالًا ضخمًا.

 

كل ما أرادته هو زيارة مطعم إيطالي صغير في القاهرة كانت صديقاتها في الكنيسة يتحدثن عنه باستمرار.

 

قالت وهي ترتب حجابها البسيط أمام المرآة:

 

“نفسي أجرب المكان ده.”

 

ثم ابتسمت وأضافت:

 

“بيقولوا الأكل فيه بيفكرهم بإيطاليا القديمة.”

 

كانت أمي، أمينة مرزوق، قد جاءت إلى مصر منذ عشرات السنين بعد زواجها من أبي.

 

وعلى الرغم من أنها بنت حياة كاملة هنا…

 

إلا أن جزءًا من قلبها ظل متعلقًا بذكريات طفولتها.

 

لذلك أمسكت يدها.

 

وأخذتها إلى المطعم.

 

دخلنا معًا.

 

يدها في يدي.

 

وعصاها الخشبية تساعدها على المشي.

 

كان المكان جميلًا.

 

إضاءة دافئة.

 

وموسيقى هادئة.

 

ورائحة خبز طازج تملأ الجو.

 

لكن قبل أن نصل حتى إلى الطاولة…

 

اعترضتنا موظفة الاستقبال.

 

كانت شابة في أوائل العشرينيات.

 

تنظر إلى الناس بالطريقة التي تجعلهم يشعرون أنهم أقل منها.

 

نظرت إلى أمي.

 

ببطء.

 

من الحذاء الطبي الذي ترتديه.

 

إلى العصا.

 

إلى الحقيبة القديمة المعلقة على كتفها.

 

ثم ابتسمت.

 

لكنها لم تكن ابتسامة لطيفة.

 

قالت:

 

“آسفة جدًا يا فندم… المطعم كامل النهارده.”

 

نظرت خلفها.

 

فرأيت أكثر من نصف الطاولات فارغة.

 

قلت:

 

“بس في طاولات كتير فاضية.”

 

ابتسمت مرة أخرى.

 

ثم خفضت صوتها وكأنها تقدم نصيحة.

 

وقالت:

 

“بصي يا مدام…”

 

“المطعم هنا متوسط الفاتورة فيه عالي شوية.”

 

“ومش حاسة إنه مناسب ليكم.”

 

تجمدت.

 

“يعني إيه؟”

 

هزت كتفيها.

 

وقالت بلا خجل:

 

“يعني المكان ده مش لكل الناس.”

 

ثم نظرت إلى ملابس أمي وأضافت:

 

“واضح إنكم جايين على قد حالكم.”

 

شعرت بأصابع أمي ترتخي داخل يدي.

 

وقالت بصوت خافت:

 

“خلاص يا بنتي… نمشي.”

 

نظرت إليها.

 

كانت تحاول الابتسام.

 

لكن يديها كانتا ترتجفان.

 

وهذا ما كسر قلبي.

 

هذه المرأة ربّت ثلاثة أبناء وحدها بعد وفاة أبي.

 

عملت ليلًا ونهارًا.

 

ضحّت بكل شيء.

 

والآن ترتجف لأن فتاة صغيرة قررت أنها لا تبدو غنية بما يكفي لتتناول العشاء.

 

قلت للموظفة:

 

“تخيلي لو حد عمل كده مع جدتك.”

 

ضحكت.

 

ضحكة قصيرة مستفزة.

 

وقالت:

 

“جدتي عمرها ما هتبقى في موقف زي ده.”

 

ثم أضافت:

 

“هي مش شحاتة.”

 

ساد الصمت.

 

شعرت بالدم يغلي في عروقي.

 

لكن أمي ضغطت على يدي.

 

وقالت:

 

“يلا نمشي.”

 

كنت على وشك الاستدارة معها.

 

عندما دوى صوت تحطم زجاج داخل المطبخ.

 

التفت الجميع.

 

كانت نافذة تقديم الطعام الصغيرة خلف موظفة الاستقبال مفتوحة.

 

ووقف خلفها رجل مسن يرتدي زي الطهاة.

 

حدق نحو أمي.

 

وكأنه رأى شبحًا.

 

ثم اختفى فجأة.

 

بعد ثانيتين فقط…

 

انفتحت أبواب المطبخ بعنف.

 

وخرج الرجل مسرعًا إلى صالة المطعم.

 

كان في أواخر السبعينيات.

 

شعره أبيض بالكامل.

 

ويرتدي مئزرًا قديمًا.

 

وعيناه ممتلئتان بالدموع.

 

توقف أمام أمي مباشرة.

 

على بعد خطوات قليلة.

 

ثم حدث شيء لم يتوقعه أحد.

 

ركع على ركبتيه.

 

أمامها.

 

وأمسك يدها بكلتا يديه.

 

ساد الصمت في المطعم بالكامل.

 

توقفت الموسيقى.

 

وتجمد النادل في مكانه.

 

وسقطت الملعقة من يد إحدى الزبونات.

 

أما أمي…

 

فحدقت فيه بارتباك.

 

وقالت:

 

“حضرتك تعرفني؟”

 

رفع الرجل رأسه.

 

وكان يبكي بالفعل.

 

ثم نطق بكلمات جعلت عصا أمي تسقط من يدها فورًا.

 

وقال:

 

“أمينة؟”

 

تجمدت.

 

واتسعت عيناها.

 

أما موظفة الاستقبال…

 

فتحول وجهها إلى اللون الأبيض.

 

أكمل الرجل بصوت مرتعش:

 

“أنا ماركو…”

 

“ماركو روسّي.”

 

وضعت أمي يدها على فمها.

 

وتراجعت خطوة.

 

وكأنها نسيت كيف تتنفس.

 

همست:

 

“مستحيل…”

 

“ماركو؟”

 

هز رأسه.

 

والدموع تنهمر على وجهه.

 

ثم قال:

 

“فضلت أدور عليكي أكتر من خمسين سنة.”

 

في تلك اللحظة…

 

لم يعد أحد داخل المطعم يفهم ما يحدث.

 

إلا أمي.

 

لأن الاسم أعادها فجأة إلى زمن بعيد.

 

إلى قرية صغيرة على الساحل الإيطالي.

 

إلى أول حب في حياتها.

 

إلى الشاب الذي اختفى قبل يوم واحد فقط من سفر عائلتها.

 

إلى السر الذي دفنته في قلبها طوال نصف قرن.

 

وإلى الحقيقة التي لم يعرفها أي شخص في العائلة…

 

حتى أنا.

 

الجزء الثاني في التعليقات…

الفصل الثاني

ساد الصمت في المطعم بالكامل.

حتى أن صوت أنفاس الناس أصبح مسموعًا.

كانت أمي ما تزال تحدق في الرجل العجوز الذي يجثو أمامها.

وعيناها ترتجفان بالصدمة.

همست مرة أخرى:

“ماركو؟”

ابتسم وسط دموعه.

وقال:

“نعم يا أمينة… أنا.”

ارتجفت شفتاها.

ثم جلست على أقرب كرسي وكأن قدميها لم تعودا قادرتين على حملها.

أما أنا فكنت أنظر بينهما بعدم فهم.

سألت:

“ماما… مين الراجل ده؟”

لكنها لم تجب.

كانت عيناها معلقتين بوجهه.

وجه الزمن الذي عاد فجأة بعد أكثر من خمسين عامًا.

اقترب ماركو ببطء.

وجلس أمامها.

وقال بصوت مكسور:

“كنت فاكر إني عمري ما هشوفك تاني.”

أغلقت أمي عينيها للحظة.

ثم قالت:

“إنت اختفيت.”

هز رأسه بسرعة.

“لا.”

“أنا ما اختفيتش.”

“أنا اتخدعت.”

رفع الجميع رؤوسهم باهتمام.

حتى الزبائن تركوا طعامهم.

أما موظفة الاستقبال فكانت واقفة كتمثال من الرعب.

قال ماركو:

“في اليوم اللي قبل سفركم… أبويا قالي إنكم سافرتوا فجأة.”

“قالي إنك سيبتِ رسالة.”

“وإنك مش عايزة تشوفيني تاني.”

شهقت أمي.

وقالت:

“إيه؟”

أخرج الرجل صورة قديمة من جيب مئزره.

كانت مهترئة من كثرة الاحتفاظ بها.

ناولها لها.

نظرت أمي إليها.

ثم بدأت دموعها تنزل فورًا.

كانت صورة لها وهي في السابعة عشرة من عمرها.

تقف بجوار شاب وسيم يبتسم للكاميرا.

ماركو.

قال بصوت مرتجف:

“الصورة دي فضلت معايا طول عمري.”

ثم نظر إليها.

وأضاف:

“أنا ما بطلتش أحبك يوم واحد.”

انخفض رأس أمي.

وبكت.

بكت لأول مرة منذ سنوات طويلة.

اقتربت منها.

وضعت يدي على كتفها.

فأمسكت يدي بقوة.

ثم قالت بصوت خافت:

“أنا كمان استنيتك.”

تجمد ماركو.

وكأن الكلمات أصابته في قلبه مباشرة.

همس:

“استنيتيني؟”

أومأت.

“كل يوم.”

“لحد ما سافرنا.”

“ولحد ما أبويا أجبرني أتجوز.”

ساد الصمت مرة أخرى.

ثم قال ماركو:

“يبقى حد كدب علينا إحنا الاتنين.”

أومأت أمي ببطء.

وفي تلك اللحظة فقط فهمت الحقيقة.

كانا حبيبين.

وفرق بينهما شخص ما.

قبل أكثر من نصف قرن.

مسح ماركو دموعه.

ثم نهض فجأة.

واستدار نحو موظفة الاستقبال.

كانت الفتاة ترتجف.

قال بصوت صارم:

“إنتِ قولتلهم إيه؟”

حاولت التلعثم.

“أنا… أنا كنت فاكرة…”

قاطعها:

“فاكرة إنهم فقراء؟”

لم ترد.

فصاح لأول مرة:

“الست دي لو طلبت المطعم كله هكتبه باسمها.”

أشار نحو أمي.

وأضاف:

“الست دي أنقذت حياتي.”

تبادل الجميع النظرات بدهشة.

أما أنا فقلت:

“إزاي؟”

عاد ماركو ينظر إلى أمي.

ثم ابتسم.

وقال:

“لأنها السبب إني عايش لحد النهارده.”

الفصل الثالث

طلب ماركو إغلاق باب المطعم.

وأمر العاملين بإيقاف استقبال الزبائن الجدد.

ثم قادنا بنفسه إلى أفضل طاولة في المكان.

وجلس معنا.

بينما كانت الدهشة ما تزال تسيطر على الجميع.

قال:

“كان عندي سبعتاشر سنة.”

“وكنت راجع من البحر في يوم عاصف.”

“القارب اتقلب.”

“وكنت هغرق.”

نظر إلى أمي.

وأضاف:

“هي اللي نطت ورايا.”

اتسعت عيناي.

أما أمي فابتسمت بخجل.

وقال ماركو:

“كل الناس كانت خايفة.”

“لكن أمينة نزلت الميه.”

“وساعدتني أوصل للشاطئ.”

ضحك بخفة.

“ومن يومها وقعت في حبها.”

احمر وجه أمي.

رغم عمرها.

وكأنها عادت فتاة صغيرة للحظة.

ثم تنهدت.

وقالت:

“كنا أطفال.”

أجاب:

“لا.”

“كنا بنحب بعض.”

ثم ساد الصمت.

نظر إليها طويلًا.

وقال:

“إنتِ سعيدة؟”

فهمت أمي السؤال.

لم يكن يسأل عن المال.

ولا البيت.

ولا الحياة.

كان يسأل:

هل كان زواجك سعيدًا؟

ابتسمت بحزن.

وقالت:

“أبو أولادي كان راجل محترم.”

“حبني جدًا.”

“وربينا أولادنا كويس.”

تنفس ماركو بارتياح.

وكأنه كان يخشى الإجابة.

ثم قال:

“الحمد لله.”

بعد دقائق بدأت الأطباق تصل إلى الطاولة.

واحدة تلو الأخرى.

لكننا لم نطلب شيئًا.

قلت:

“إحنا ما طلبناش ده.”

ابتسم ماركو.

وقال:

“ولا هتدفعوا جنيه.”

احتججت.

فرفع يده.

“لو دفعتوا هزعل.”

ضحكت أمي للمرة الأولى منذ دخول المطعم.

وأخيرًا بدأ التوتر يختفي.

لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن قد جاءت بعد.

بعد انتهاء العشاء…

طلب ماركو من أحد الموظفين إحضار صندوق خشبي صغير.

كان قديمًا جدًا.

ومغلقًا بمفتاح نحاسي.

وضعه أمام أمي.

وقال:

“الصندوق ده مستنيكي من خمسين سنة.”

نظرت إليه بذهول.

وقالت:

“إيه ده؟”

فتح الصندوق ببطء.

فانكشفت عشرات الرسائل القديمة.

مربوطة بشرائط صفراء باهتة.

شهقت أمي.

أما أنا فشعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

قال ماركو:

“كل رسالة كتبتها ليكي.”

“وكل رسالة رجعتلي.”

رفعت أمي إحدى الرسائل بيد مرتجفة.

كان التاريخ المكتوب عليها يعود إلى أكثر من خمسين عامًا.

ثم فتحتها.

وقرأت السطر الأول.

فانفجرت بالبكاء.

لأنها كانت الرسالة التي انتظرتها عمرًا كاملًا…

ولم تصلها أبدًا.

الفصل الرابع

بقينا في المطعم حتى منتصف الليل.

وأمي تقرأ الرسائل واحدة تلو الأخرى.

رسائل حب.

ورسائل اعتذار.

ورسائل انتظار.

ورسائل يأس.

وخلالها اكتشفنا الحقيقة كاملة.

لم يهرب ماركو.

ولم يتخلَّ عنها.

بل إن أحد أقارب العائلتين كان يرفض ارتباطهما.

فتعمد إخفاء الرسائل.

وكذب على الطرفين.

حتى افترقا للأبد.

وعندما انتهت أمي من قراءة آخر رسالة…

كانت عيناها متورمتين من البكاء.

لكنها كانت تبتسم.

ابتسامة مختلفة.

ابتسامة إنسان وجد جزءًا مفقودًا من روحه.

نظر إليها ماركو وقال:

“عارف إن العمر فات.”

“وعارف إن كل واحد فينا عاش حياته.”

“لكن أنا سعيد إن ربنا اداني فرصة أشوفك قبل ما أموت.”

أمسكت أمي يده.

وقالت:

“وأنا كمان.”

في تلك اللحظة اقتربت موظفة الاستقبال.

كانت تبكي.

وعيناها حمراوان.

ثم انحنت أمام أمي وقالت:

“أنا آسفة.”

“غلطت في حقك.”

“وحكمت عليكي من شكلك.”

ابتسمت أمي.

رغم كل ما حدث.

وقالت:

“كلنا بنتعلم.”

ثم أمسكت يد الفتاة.

وأضافت:

“بس أوعي يومًا تكسري قلب حد بالطريقة دي.”

انهارت الفتاة باكية.

وأخذت تعتذر مرة أخرى.

أما ماركو…

فنظر إلى أمي وقال ضاحكًا:

“واضح إنك لسه زي ما إنتِ.”

سألته:

“إزاي؟”

فأجاب:

“لسه قلبها أكبر من أي حد أعرفه.”

وفي تلك الليلة…

خرجنا من المطعم.

لكننا لم نخرج كما دخلنا.

دخلنا ونحن نحمل جرحًا من الإهانة.

وخرجنا ونحن نحمل قصة حب ضائعة عادت للحياة بعد أكثر من خمسين عامًا.

أما أمي…

فاحتفظت بصورة ماركو القديمة داخل حقيبتها.

وبدأ الاثنان يتقابلان كل أسبوع.

يشربان القهوة.

ويتذكران الماضي.

ويضحكان على العمر الذي سرقه منهما الزمن.

وبعد عام واحد…

في عيد ميلادها التاسع والسبعين…

أغلق ماركو المطعم بالكامل.

ودعا العائلة كلها.

ثم وقف أمام الجميع.

وأخرج خاتمًا بسيطًا.

وقال لأمي وهو يبتسم:

“خمسين سنة انتظار كفاية.”

فضحكت أمي وسط دموعها.

وقالت:

“متأخر شوية يا ماركو.”

فأجاب:

“بس وصلت في الآخر.”

وانفجرت القاعة بالتصفيق.

بينما كنت أنظر إليهما وأدرك شيئًا واحدًا فقط:

بعض القصص لا تموت.

قد تتأخر خمسين سنة.

لكنها تجد طريقها إلى النهاية التي تستحقها. ❤️

الفصل الخامس

بعد طلب الزواج الذي فاجأ الجميع…

اعتقدت أن القصة انتهت.

لكن الحقيقة أنها كانت قد بدأت للتو.

لأن أمي، أمينة مرزوق، لم تكن امرأة تتخذ قرارًا بهذه السهولة.

خصوصًا بعد عمر كامل من الذكريات والخسارات والمسؤوليات.

في طريق العودة إلى البيت تلك الليلة، كانت تنظر من نافذة السيارة بصمت.

أما أنا فكنت أراقبها.

وأعرف تلك النظرة جيدًا.

كانت تفكر.

تفكر كثيرًا.

قلت مبتسمًا:

“هتوافقي؟”

ضحكت بخجل نادر لم أره منها منذ سنوات.

وقالت:

“يا ولد… عندي تمنية وسبعين سنة.”

قلت:

“وماله؟”

هزت رأسها.

“الناس هتقول إيه؟”

ضحكت.

“الناس نفسها كانت بتقول إنكم عمركم ما هتشوفوا بعض تاني.”

صمتت.

ثم نظرت إليّ.

وقالت:

“أنا خايفة.”

“خايفة أفرح.”

كانت تلك الجملة كافية لتوجع قلبي.

لأن أمي لم تكن تخاف الحب.

كانت تخاف فقدانه.

مرة أخرى.

في الأسبوع التالي بدأ شيء غريب يحدث.

كل صباح تقريبًا.

كانت باقة ورد تصل إلى باب بيتنا.

مرة زهور بيضاء.

ومرة حمراء.

ومرة صفراء.

ودائمًا معها بطاقة صغيرة.

بخط يد ماركو.

“صباح الخير يا أمينة.”

“كنت أتمنى أقولها من خمسين سنة.”

وفي اليوم التالي:

“لسه فاكر ضحكتك في الميناء.”

ثم:

“لسه فاكر أول مرة مسكتي إيدي.”

ثم:

“لسه فاكر كل حاجة.”

في البداية كانت أمي تخفي البطاقات.

لكنني كنت أراها.

كانت تضعها داخل كتاب قديم قرب سريرها.

وتعود لتقرأها ليلًا.

مثل فتاة مراهقة تخفي رسائل حبها عن العالم.

بعد شهر تقريبًا…

دعانا ماركو إلى المطعم.

لكن هذه المرة كان المكان مغلقًا.

لا زبائن.

لا موسيقى.

لا موظفين.

فقط هو.

وأمي.

وأنا.

جلسنا في القاعة الهادئة.

ثم وقف ماركو.

وقال:

“في حاجة لازم تشوفوها.”

قادنا إلى غرفة صغيرة خلف المطبخ.

كانت أشبه بمتحف.

على الجدران صور قديمة.

وقصاصات صحف.

وشهادات.

وصور مطاعم.

وصور سفر.

لكن شيئًا واحدًا لفت انتباهي.

في زاوية الغرفة.

كانت هناك صورة كبيرة جدًا لأمي.

تعود إلى شبابها.

شهقت.

أما أمي فتجمدت في مكانها.

قال ماركو بهدوء:

“دي أول صورة أخدتها ليكي.”

“وأول صورة علقتها.”

“وآخر صورة شلتها من حياتي.”

كانت الصورة محفوظة بإطار خشبي فاخر.

وكأن الزمن لم يمسها.

همست أمي:

“احتفظت بيها طول السنين دي كلها؟”

ابتسم.

وقال:

“عمري ما عرفت أرميها.”

ثم أضاف:

“كل نجاح عملته كان ناقصه شخص واحد.”

ونظر إليها.

“إنتِ.”

لكن المفاجأة الكبرى جاءت بعد ذلك بأيام.

عندما وصل إلى منزلنا رجل عجوز من إيطاليا.

كان يحمل ملفًا قديمًا.

وصندوقًا صغيرًا.

وعندما جلس معنا…

قال شيئًا قلب كل شيء.

قال:

“أنا جاي أصلح ذنب عمره خمسين سنة.”

نظرنا إليه بدهشة.

ثم فتح الملف.

وأخرج مجموعة رسائل.

الرسائل نفسها التي اختفت قديمًا.

وقال بصوت مرتجف:

“أبويا هو اللي خبّاها.”

ساد الصمت.

أما أمي وماركو فحدقا فيه دون كلام.

أكمل الرجل:

“كان أخو والد ماركو.”

“وكان رافض الجواز.”

“وخاف إن ماركو يسافر مع أمينة.”

“فأخفى كل الرسائل.”

ثم انخفض رأسه.

وأضاف:

“وأوصاني قبل موته أعترف بالحقيقة.”

بدأت دموع أمي تنزل بصمت.

بينما جلس ماركو بلا حركة.

كأن خمسين سنة كاملة مرت أمام عينيه في لحظة واحدة.

قال الرجل:

“أنا آسف.”

“عارف إن الاعتذار متأخر.”

“لكن أبويا مات وهو ندمان.”

ثم وضع الصندوق على الطاولة.

وغادر.

دون أن ينتظر ردًا.

فتح ماركو الصندوق ببطء.

وكان بداخله شيء صغير جدًا.

خاتم فضي قديم.

شهقت أمي فور رؤيته.

وقالت:

“الخاتم!”

ابتسم ماركو بحزن.

“كنت ناوي أقدمهولك يوم السفر.”

رفعت أمي يدها إلى فمها.

وقالت:

“لسه محتفظ بيه؟”

هز رأسه.

“كان مستني صاحبه.”

في تلك الليلة…

جلسا معًا لساعات طويلة.

يتحدثان.

ويضحكان.

ويبكيان.

ويتذكران.

وأنا كنت أراقبهما من بعيد.

وأشعر بشيء غريب.

شعور أن الزمن…

رغم قسوته…

يحاول أحيانًا أن يعتذر.

لكن ما لم نكن نعرفه…

هو أن هناك سرًا أخطر بكثير ما زال مدفونًا.

سرًا سيجعل ماركو ينهار في الفصل التالي عندما يكتشف أن أمينة أخفت عنه حقيقة واحدة طوال خمسين عامًا…

حقيقة تتعلق بطفل لم يعلم بوجوده أبدًا.

 

الفصل الأخير

في صباح اليوم التالي…

لم تنم أمي تقريبًا.

كنت أراها جالسة في الشرفة منذ الفجر.

أمامها فنجان قهوة بارد.

ونظرة بعيدة تحمل خمسين عامًا من الذكريات.

وعندما دخلت عليها…

عرفت فورًا أن هناك شيئًا تريد قوله.

شيئًا ظل حبيس صدرها لعقود طويلة.

جلست بجوارها.

فقالت بهدوء:

“في حاجة لازم تعرفها.”

نظرت إليها.

فأكملت:

“ولازم ماركو يعرفها كمان.”

في المساء جاء ماركو إلى منزلنا.

كعادته.

يحمل باقة ورد.

ويبتسم كصبي وجد سعادته أخيرًا.

لكن ابتسامته اختفت عندما رأى وجه أمي.

جلس أمامها.

وأمسك يدها.

وقال:

“فيه إيه؟”

تنهدت أمي ببطء.

ثم قالت:

“بعد ما افترقنا…”

“اكتشفت إني حامل.”

ساد الصمت.

صمت ثقيل لدرجة أنني سمعت صوت عقارب الساعة في الصالة.

أما ماركو…

فتجمد.

بكل معنى الكلمة.

توقف عن التنفس للحظة.

ثم همس:

“إيه؟”

انخفض رأس أمي.

وقالت:

“كنت حامل.”

اتسعت عيناه.

وبدأت الدموع تتجمع فيهما.

“كان عندنا طفل؟”

هزت رأسها.

وقالت:

“كان.”

رفع يده المرتجفة إلى وجهه.

وكأنه يحاول استيعاب الكلمات.

ثم سأل بصوت مكسور:

“فين هو؟”

وأنا أعرف الإجابة.

لأنني سمعت القصة من قبل.

القصة التي لم يعرفها أحد غيري.

قالت أمي:

“ابننا عاش ستة شهور بس.”

ثم مات بسبب مرض نادر.”

انهار ماركو.

لم يبكِ.

بل انهار.

جلس على الكرسي وكأن سنوات عمره كلها سقطت فوق كتفيه دفعة واحدة.

وأخذ يردد:

“كان عندي ابن…”

“وكان ليا حق أشوفه…”

“كان عندي ابن…”

اقتربت منه أمي.

وأمسكت يده.

وقالت وهي تبكي:

“أنا نفسي ما قدرتش أودعه.”

“كنت طفلة وقتها.”

“ومحدش كان بيسمعني.”

وبكى الاثنان معًا.

على طفل لم يعرف أباه.

وعلى أب لم يعرف أن له طفلًا.

وعلى عمر كامل ضاع بين الأكاذيب.

مرت الشهور بعد ذلك بهدوء.

وأصبح ماركو جزءًا من العائلة.

كان يزورنا كل يوم تقريبًا.

وأمي استعادت شيئًا لم أره فيها منذ وفاة أبي.

استعادت الحياة.

أصبحت تضحك أكثر.

تخرج أكثر.

تهتم بملابسها أكثر.

بل بدأت تتعلم بعض وصفات الطعام الإيطالية من جديد.

وفي المقابل…

كان ماركو يزهر هو الآخر.

وكأن قلبه عاد ينبض بعد سنوات طويلة من الوحدة.

وفي أحد الأيام…

جمعنا جميعًا داخل المطعم.

الأبناء.

والأحفاد.

والأصدقاء.

والموظفين.

حتى موظفة الاستقبال التي أخطأت في حق أمي ما زالت تعمل هناك.

لكنها أصبحت شخصًا مختلفًا تمامًا.

وقفت أمي أمام الجميع.

تضع حجابًا أبيض أنيقًا.

بينما وقف ماركو بجوارها.

يرتدي بدلة رمادية بسيطة.

ثم قال:

“أنا ضيعت نص عمري بدور على أمينة.”

“ولما لقيتها…”

“اكتشفت إن ربنا لسه كريم.”

ثم أخرج الخاتم القديم.

الخاتم الذي انتظر أكثر من خمسين سنة.

وقال:

“أمينة مرزوق…”

“تقبلي تكملي اللي الزمن وقفه؟”

ضحكت وسط دموعها.

وردت:

“المرة دي متتأخرش خمسين سنة تاني.”

فضجت القاعة بالتصفيق والضحك.

ووضع الخاتم في إصبعها.

بعد الزواج…

لم ينتقلا إلى قصر.

ولم يسافرا حول العالم.

ولم يبحثا عن حياة جديدة.

لأنهما لم يكونا يحتاجان إلى ذلك.

كل ما أراداه…

كان الوقت.

الوقت فقط.

جلسات القهوة الصباحية.

المشي البطيء في الحدائق.

الأحاديث الطويلة عن الماضي.

والضحك على الذكريات القديمة.

الأشياء البسيطة التي حُرما منها نصف قرن.

بعد عامين…

وفي صباح ربيعي هادئ…

اتصل بي ماركو.

صوته كان مكسورًا.

عرفت قبل أن يتكلم.

عرفت أن اللحظة جاءت.

وصلت إلى المنزل.

فوجدت أمي نائمة على سريرها.

ملامحها هادئة.

وابتسامة صغيرة ترتسم على وجهها.

وكأنها كانت تحلم بشيء جميل.

رحلت في نومها.

بلا ألم.

بلا خوف.

بلا وداع طويل.

ورحلت وهي تمسك بيد ماركو.

في الجنازة…

وقف ماركو صامتًا.

لا يبكي.

لا يتكلم.

فقط ينظر إلى النعش.

وكأن قلبه دُفن معه.

وعندما انتهى كل شيء…

أخرج من جيبه الصورة القديمة.

صورة الشاب والفتاة الواقفين على شاطئ القرية الإيطالية قبل أكثر من خمسين عامًا.

ووضعها فوق قبرها.

ثم همس:

“المرة دي مش هضيعك.”

عاش بعدها عامًا واحدًا فقط.

عامًا كاملًا كان يزور قبرها كل صباح.

يحمل الورد.

ويجلس بجوارها.

ويتحدث معها كما لو كانت تسمعه.

حتى جاء صباح شتوي بارد.

ولم يعد إلى منزله.

وجدوه جالسًا على المقعد الخشبي قرب قبرها.

ورأسه مستند إلى الشجرة.

وعلى وجهه نفس الابتسامة الهادئة.

بين يديه صورة أمينة.

وقد رحل هو الآخر.

بهدوء.

كما لو أنه لحق بها أخيرًا.

وبعد سنوات طويلة…

أصبح المطعم يحمل اسمًا جديدًا.

اسمًا يراه كل من يمر أمامه.

مكتوبًا بحروف أنيقة فوق الباب الرئيسي:

“أمينة وماركو”

وتحت الاسم عبارة صغيرة كتبها ماركو بنفسه قبل رحيله:

“بعض القلوب قد تفترق خمسين عامًا… لكنها إذا كانت صادقة، تجد طريقها إلى بعضها في النهاية.”

وكلما مررت أمام المطعم…

أتذكر ذلك اليوم.

اليوم الذي رفضت فيه موظفة استقبال إدخال أمي لأنها ظنت أننا لا نملك ثمن العشاء.

ولم تكن تعلم…

أن المرأة التي حاولت طردها من الباب…

كانت أعظم قصة حب عرفها ذلك المكان كله.

تمت ❤️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *