اتوبيس عام حكـايـات أسمـا ×4
الفصل التالي
تجمد الجميع في أماكنهم.
صوت احتكاك الباب المعدني بالأرض كان كافيًا ليرفع نبضات قلوبهم إلى أقصى حد.
ظهر رجل طويل القامة يرتدي بدلة سوداء.
وخلفه أربعة آخرون.
لم يكونوا يحملون أسلحة ظاهرة.
لكن طريقة دخولهم أوضحت أنهم لم يأتوا للترحيب بأحد.
اقترب الرجل الأول عدة خطوات.
ثم نظر إلى الحقيبة الجلدية.
وجهاز التسجيل.
والأشرطة الموضوعة فوق الصندوق.
وقال بهدوء:
“واضح إنكم وصلتم لحاجات ماكانش المفروض توصلوا لها.”
وقف حسام أمام أميرة وسلمى بشكل غريزي.
وقال:
“إنت مين؟”
ابتسم الرجل ابتسامة صغيرة.
ثم أجاب:
“السؤال المهم مش أنا مين.”
وأشار إلى الأشرطة.
“السؤال… إنتوا سمعتوا قد إيه؟”
ساد الصمت.
لكن خالد تقدم فجأة خطوة للأمام.
وقال:
“أنا أعرفك.”
رفع الرجل حاجبه.
أما خالد فأكمل:
“كنت بتيجي اجتماعات رفعت المنصوري.”
اختفت الابتسامة من وجه الرجل.
وهنا عرف الجميع أن خالد أصاب الهدف.
قال الرجل:
“واضح إن ذاكرتك لسه كويسة.”
ثم أشار إلى رجاله.
فتحركوا نحوهم.
لكن قبل أن يصلوا…
دوى صوت صفارات سيارات في الخارج.
ثم أضواء زرقاء وحمراء انعكست على جدران المخزن.
توقف الجميع.
حتى الرجال أنفسهم.
وفي ثوانٍ معدودة…
دخلت عدة سيارات رسمية إلى المكان.
وترجل منها رجال بملابس رسمية.
صرخ أحدهم:
“محدش يتحرك!”
تراجع رجال البدلات السوداء فورًا.
أما الرجل الطويل فبدا وكأنه أدرك أن اللعبة انتهت.
نظر إلى حسام.
ثم قال:
“كنتم أقرب للحقيقة مما توقعت.”
وبعد دقائق…
كان الجميع يخضع للاستجواب.
لكن المفاجأة جاءت عندما ظهر شخص جديد.
شخص لم يتوقع أحد رؤيته.
سامح رشدي.
المحامي المختفي.
دخل المكان ببطء.
وعلامات الإرهاق واضحة على وجهه.
ما إن رأته أميرة حتى وقفت.
وقالت بغضب:
“إنت كنت فين؟”
تنهد سامح طويلًا.
ثم قال:
“كنت بحاول أعيش.”
جلس الجميع ليستمعوا.
وأخيرًا بدأت القصة الحقيقية تظهر.
—
قبل عشرين عامًا…
لم يكن سامح جزءًا من الشبكة.
بل كان يعمل سرًا مع محمود لجمع الأدلة.
وعندما بدأ محمود يقترب من الحقيقة…
اكتشفا أن الشخص الحقيقي لم يكن رفعت المنصوري.
ولم يكن أيًا من الأسماء الظاهرة في الملفات.
بل رجل أعمال آخر.
رجل لم يظهر اسمه في أي مستند.
وكان يستخدم الجميع كواجهات.
حتى رفعت نفسه.
قال سامح:
“لما محمود عرف اسمه… عرف إنه في خطر.”
سأل حسام:
“مين هو؟”
صمت سامح للحظة.
ثم قال:
“الاسم موجود في الخزنة.”
شعر الجميع بالإحباط.
لكن سامح أكمل:
“لأن محمود رفض يكتبه في أي مكان تاني.”
ثم أضاف:
“حتى الشريط اللي اتلف… كان بيقول نفس الاسم.”
—
في صباح اليوم التالي…
توجه الجميع إلى البنك القديم في وسط القاهرة.
كان المبنى عتيقًا.
تحيط به آثار الزمن.
لكن الخزائن ما زالت تعمل.
وعندما قدموا المستندات المطلوبة…
أخذهم الموظف إلى غرفة خاصة.
ثم أحضر صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
رقم 317.
الخزنة التي تحدث عنها محمود.
حبست أميرة أنفاسها.
بينما أدخل الموظف المفتاح.
ثم أدار القفل.
وفتح الباب.
في الداخل…
وجدوا ملفًا واحدًا فقط.
وظرفًا بني اللون.
وشريط فيديو قديم.
أخرج حسام الظرف أولًا.
وفتحه ببطء.
ثم قرأ السطر الأول.
فتغير لون وجهه.
قالت سلمى بسرعة:
“إيه؟”
رفع رأسه نحوها.
وكانت عيناه ممتلئتين بالذهول.
وقال:
“محمود ماكانش بيحقق في فساد مالي بس.”
“أمال إيه؟”
أجاب بصوت منخفض:
“كان بيحقق في شبكة كانت بتسرق مشروعات المياه المخصصة للقرى الفقيرة.”
ساد الصمت.
ثم أضاف:
“ومئات القرى كانت بتحرم من المياه بسببهم.”
أما داخل الملف…
فكانت توجد أسماء.
وحسابات.
وتسجيلات.
وأدلة كاملة.
لكن في الصفحة الأخيرة…
وجدوا الاسم.
الاسم الذي أخفاه محمود عشرين عامًا.
نظر إليه حسام.
ثم أعاد النظر مرة أخرى.
غير مصدق.
لأن الاسم لم يكن لرجل أعمال.
ولا لوزير.
ولا لشخص من الشبكة القديمة.
بل لشخص يعرفونه جميعًا.
شخص ظهر في حياتهم بعد سنوات طويلة من وفاة محمود.
شخص كان قريبًا منهم أكثر مما يتخيلون.
شخص ساعدهم في الوصول إلى الحقيقة نفسها.
ارتجفت يد حسام.
أما أميرة فشعرت أن قلبها سيتوقف عندما رأت الاسم.
وهمست بصوت يكاد لا يسمع:
“مستحيل…”
لأن الاسم المكتوب في الصفحة الأخيرة كان:
“سامح رشدي.”
وانتهى الفصل على صدمة جعلت الجميع ينظر إلى المحامي الجالس أمامهم…
بينما هو نفسه كان يبدو مصدومًا أكثر منهم.
يتبع…
الفصل التالي
“مستحيل!”
كانت أميرة أول من نطقها.
أما حسام فظل يحدق في الاسم المكتوب داخل الملف.
مرة.
ثم مرتين.
ثم عشر مرات.
لكن الحروف لم تتغير.
سامح رشدي.
الرجل الذي ساعدهم.
الرجل الذي أرشدهم إلى الأدلة.
الرجل الذي أنقذهم قبل ساعات فقط من الرجال الذين اقتحموا المخزن.
كان اسمه موجودًا في الصفحة الأخيرة.
رفع الجميع أنظارهم نحوه.
أما سامح…
فبدا وكأن عمره ازداد عشر سنوات خلال ثوانٍ.
جلس ببطء على الكرسي.
وأغلق عينيه.
ثم قال:
“كنت عارف إن اللحظة دي هتيجي.”
ساد الصمت.
قال حسام بغضب:
“يعني كل ده حقيقي؟”
أجاب سامح بهدوء:
“أيوه… اسمي موجود.”
ضرب حسام الطاولة بيده.
“إنت كنت جزء من اللي حصل لمحمود؟”
رفع سامح رأسه.
وكانت الدموع تلمع في عينيه.
وقال:
“أيوه.”
شهقت أميرة.
أما سلمى فشعرت بأن الأرض اختفت تحت قدميها.
لكن سامح أكمل بسرعة:
“بس مش بالطريقة اللي أنتم فاكرينها.”
—
أخرج سامح ورقة قديمة من جيبه.
كانت مطوية بعناية.
وقال:
“اقرأوا التاريخ.”
نظر حسام إليها.
وكان تاريخها يعود إلى ثلاثة وعشرين عامًا مضت.
قبل وفاة محمود بسنوات طويلة.
قال سامح:
“أنا كنت محامي الشركات دي.”
ساد الصمت.
ثم تابع:
“في البداية كنت فاكر إن الشغل قانوني.”
“وبعدين؟”
“اكتشفت الحقيقة.”
أخذ نفسًا عميقًا.
وأكمل:
“اكتشفت إنهم بيسرقوا ميزانيات مشروعات المياه.”
“وليه ما بلغت؟”
أغلق سامح عينيه للحظة.
وقال:
“لأني جبنت.”
كانت تلك أول مرة يعترف فيها بذلك بصوت مرتفع.
“كنت خايف.”
ثم أضاف:
“لكن محمود ما خافش.”
—
بدأت الصورة تتضح.
قبل عشرين عامًا…
كان محمود يحاول كشف شبكة فساد ضخمة.
وسامح كان يعرف جزءًا من الحقيقة.
لكنه لم يمتلك شجاعة محمود.
وعندما اقترب محمود من كشف الاسم الحقيقي…
قرر سامح مساعدته سرًا.
كان يزوده بالمعلومات.
ويجمع الأدلة معه.
لكن دون أن يظهر اسمه.
قال سامح:
“كنا متفقين إن لو حصل له حاجة أكمل أنا.”
“لكن ما عملتش كده.”
قالها حسام بحدة.
أطرق سامح رأسه.
وقال:
“لأنهم سبقوني.”
ثم أضاف بصوت مكسور:
“بعد وفاة محمود بـ48 ساعة فقط…”
توقف للحظة.
“… خطفوا ابني.”
تجمد الجميع.
رفع سامح صورة صغيرة من محفظته.
صورة لطفل في الثانية عشرة من عمره.
وقال:
“بعتوا لي الصورة دي.”
كانت الصورة تحمل تاريخًا قديمًا.
وتحتها رسالة قصيرة.
“اسكت… أو هتدفن ابنك.”
شعرت أميرة بالقشعريرة.
أما حسام فبدأ غضبه يتحول إلى صدمة.
قال سامح:
“اخترت ابني.”
ثم أضاف:
“وأنا هفضل ندمان طول عمري على القرار ده.”
—
لكن المفاجأة الحقيقية كانت داخل شريط الفيديو الموجود في الخزنة.
عندما قاموا بتشغيله…
ظهر محمود.
حيًا.
يجلس أمام الكاميرا.
كان التسجيل قبل وفاته بأيام قليلة.
نظر محمود مباشرة إلى العدسة.
وقال:
“لو وصلتوا للفيديو ده… يبقى أنا غالبًا مش موجود.”
بدأت دموع أميرة تنهمر.
أما سلمى فكانت تشاهد والدها للمرة الأولى يتحرك ويتحدث أمامها.
وليس مجرد صورة.
ابتسم محمود داخل التسجيل.
وقال:
“سلمى… لو كبرتي وشوفتي الفيديو ده…”
وتوقف لحظة.
“… فأنا بحبك.”
انفجرت سلمى بالبكاء.
لكن محمود أكمل:
“وأميرة… سامحيني.”
ثم نظر إلى الأسفل لثوانٍ.
قبل أن يعود للكاميرا.
وقال:
“دلوقتي لازم تعرفوا الحقيقة.”
ساد الصمت.
ثم نطق الاسم.
الاسم الذي بحثوا عنه عشرين عامًا.
الاسم الذي أتلفوه من التسجيلات.
والاسم الذي أخفوه من الملفات.
قال محمود:
“الشخص الحقيقي اللي بيدير كل حاجة…”
توقفت أنفاس الجميع.
“… اسمه نادر السيوفي.”
نظروا إلى بعضهم.
لم يعرف أحد الاسم.
حتى حسام.
لكن محمود أكمل:
“يمكن ما تسمعوش عنه كتير.”
“لأنه متعمد يفضل في الضل.”
ثم أضاف:
“هو صاحب الشبكة كلها.”
—
بدأوا البحث فورًا.
لكنهم اكتشفوا شيئًا غريبًا.
نادر السيوفي لم يكن مجرد رجل أعمال.
بل كان أحد أكبر المستثمرين السريين في عشرات الشركات.
ورغم ذلك…
لم تكن له صور كثيرة.
ولا مقابلات إعلامية.
ولا ظهور علني تقريبًا.
وكأنه شخص يعيش داخل الظلال.
لكن المفاجأة الأكبر ظهرت بعد يومين فقط.
حين اتصل أحد المحققين بحسام.
وقال له:
“في حاجة لازم تشوفها.”
وعندما وصل…
عرضوا عليه صورة قديمة تم استخراجها من أرشيف إحدى الشركات.
تعود إلى خمسة وعشرين عامًا مضت.
وفي الصورة كان يقف نادر السيوفي.
وبجواره ثلاثة أشخاص.
رفعت المنصوري.
وسامح رشدي.
وشخص ثالث.
شخص جعل الدم يتجمد في عروق حسام.
لأنه كان يشبه شخصًا يعرفه جيدًا.
يشبهه إلى درجة لا تصدق.
نظر المحقق إلى حسام.
ثم قال:
“إحنا عملنا مقارنة.”
“وطلع إيه؟”
أجاب الرجل:
“الشخص ده…”
وأشار إلى الصورة.
“… هو والدك.”
تجمد حسام بالكامل.
وقال بصوت مرتعش:
“إيه؟”
لكن المحقق أخرج تقريرًا آخر.
وقال:
“مش بس كده.”
ثم وضع الملف أمامه.
وأضاف:
“واضح إن والدك ماكانش ضحية الشبكة.”
حبست أميرة أنفاسها.
أما حسام فشعر أن العالم يدور حوله.
ثم جاءت الجملة التي قلبت كل شيء:
“واضح إنه كان واحد من مؤسسيها.”
يتبع…
الفصل التالي
“مستحيل.”
خرجت الكلمة من فم حسام بصوت خافت.
لكنه كان يعلم في داخله أنه لا يقولها للمحقق.
بل لنفسه.
جلس أمام الصورة القديمة.
يحدق فيها للمرة العاشرة.
الرجل الموجود فيها كان يشبه والده بالفعل.
نفس العينين.
نفس شكل الفك.
نفس الابتسامة الهادئة.
لكن فكرة أن والده كان جزءًا من الشبكة التي دمرت حياة آلاف الناس…
كانت أكبر من أن يستوعبها عقله.
قال المحقق:
“إحنا لسه بنتأكد.”
لكن حسام لم يسمعه.
كان يفكر في شيء واحد فقط.
والده.
الرجل الذي علمه معنى الشرف.
الرجل الذي عمل لسنوات طويلة حتى وفر له تعليمه.
الرجل الذي مات مديونًا ومكسورًا بعد أن سُرقت أفكاره.
كيف يمكن أن يكون ذلك الرجل مجرمًا؟
—
في المساء…
اجتمع الجميع في منزل أميرة.
كانت الأجواء متوترة بصورة غير مسبوقة.
قال حسام وهو يضع الصورة فوق الطاولة:
“مش مصدق.”
أخذ خالد الصورة.
وظل ينظر إليها طويلًا.
ثم قال:
“لأنها مش الحقيقة.”
رفع الجميع رؤوسهم نحوه.
أما خالد فتنهد ببطء.
وقال:
“في سر أنا أخفيته سنين.”
شعرت أميرة بأن قلبها بدأ ينبض أسرع.
لأنها أصبحت تكره كلمة “سر”.
فكل سر ظهر حتى الآن كان أسوأ من الذي قبله.
قال حسام:
“قول اللي عندك.”
نظر خالد إلى الصورة.
ثم قال:
“الرجل اللي في الصورة مش والدك.”
ساد الصمت.
“إيه؟”
“الرجل ده أخوه.”
شعر الجميع بالذهول.
قال حسام:
“أبويا ماكانش عنده أخ.”
هز خالد رأسه ببطء.
وقال:
“ده اللي كانوا بيقولوه.”
ثم أخرج صورة قديمة جدًا من محفظته.
كانت صورة بالأبيض والأسود.
لطفلين توأمين.
قال:
“والدك كان ليه أخ توأم.”
تجمدت أميرة.
أما حسام فبدا وكأنه فقد القدرة على الكلام.
—
بدأ خالد يحكي.
قبل أكثر من ثلاثين عامًا…
وُلد شقيقان توأم.
يوسف الجندي.
وياسين الجندي.
كانا متشابهين إلى درجة جعلت الناس تخلط بينهما دائمًا.
لكن شخصيتيهما كانتا مختلفتين تمامًا.
يوسف كان هادئًا.
مستقيمًا.
يحلم ببناء شيء يفيد الناس.
أما ياسين…
فكان طموحه بلا حدود.
وكان مستعدًا لفعل أي شيء للوصول إلى القمة.
ومع مرور السنوات…
افترق طريقاهما.
يوسف أصبح مهندسًا.
أما ياسين فانجذب إلى عالم المال والنفوذ.
وهناك تعرف على نادر السيوفي.
وبدأت الشراكة.
قال خالد:
“الصورة اللي لقيتوها كانت لياسين… مش يوسف.”
جلس حسام في صمت.
يحاول استيعاب ما يسمعه.
قال:
“يعني أبويا بريء؟”
أجاب خالد:
“أبوك حاربهم.”
ثم أضاف:
“وأخوه كان واحد منهم.”
—
لكن المفاجأة لم تنته.
لأن خالد أخرج رسالة أخرى.
رسالة لم يرها أحد من قبل.
كانت موجهة من يوسف إلى أخيه ياسين.
وقبل أن يقرأها…
قال خالد:
“دي آخر رسالة بينهم.”
فتح حسام الورقة.
وبدأ يقرأ.
“ياسين…
أنا ساكت من سنين.
لكن اللي بتعمله بقى خطر.
الفلوس اللي بتاخدوها كان المفروض توصل للناس.
الأطفال اللي ما عندهاش مياه.
القرى اللي بتعاني.
كل ده بيتسرق قدام عينيك.”
توقف حسام.
ثم أكمل بصوت مرتجف:
“أنا أخوك.
وعشان كده بطلب منك للمرة الأخيرة…
انسحب قبل ما أوصل للحقيقة كلها.”
ساد الصمت.
ثم قرأ السطر الأخير.
السطر الذي جعل الجميع يتجمد.
“ولو حصل لي حاجة…
هعتبرك مسؤول عنها قدام ربنا.”
—
بعد ثلاثة أيام…
وصلت نتائج تحقيقات جديدة.
وكانت الصدمة أكبر مما توقع الجميع.
فقد تأكد أن ياسين الجندي لم يمت.
بل اختفى.
منذ عشرين عامًا.
في نفس الأسبوع الذي مات فيه محمود.
ومنذ ذلك الوقت…
لم يظهر له أي أثر.
ولا حسابات.
ولا ممتلكات.
ولا حتى صورة حديثة.
وكأنه تبخر من على وجه الأرض.
قال المحقق:
“في احتمالين.”
“إيه هما؟”
“إما إنه مات.”
ثم توقف.
“… أو إنه غير هويته بالكامل.”
نظر حسام إلى أميرة.
ثم إلى الملف.
وشعر بشيء غريب يتشكل داخله.
إحساس بأن القصة لم تقترب من نهايتها.
بل ربما كانت على وشك أن تبدأ من جديد.
لأن رجلًا اختفى منذ عشرين عامًا…
قد يكون لا يزال حيًا.
وقد يكون يراقب كل ما يحدث.
وقد يكون أقرب إليهم مما يتخيلون.
وفي تلك الليلة…
بينما كان حسام جالسًا وحده يراجع الأوراق…
سقطت صورة صغيرة من أحد الملفات القديمة.
التقطها دون اهتمام.
لكن ما إن نظر إليها…
حتى شحب وجهه بالكامل.
لأن الصورة كانت حديثة نسبيًا.
التُقطت قبل عامين فقط.
وفيها رجل مسن يقف أمام مشروع مياه جديد.
رجل بلحية بيضاء ونظارة طبية.
أي شخص آخر كان سيمر عليه دون انتباه.
لكن حسام لم يكن أي شخص.
لأنه رأى صورة ياسين الشاب قبل ساعات.
وكان التشابه واضحًا بصورة مرعبة.
وفي خلفية الصورة…
ظهر اسم المؤسسة التي نفذت المشروع.
مؤسسة حسام نفسه.
أي أن الرجل الذي اختفى منذ عشرين عامًا…
ربما كان موجودًا بالقرب منهم طوال الوقت.
وربما قابل حسام بالفعل.
دون أن يعرف أي منهما الحقيقة.
يتبع…

