طليقي بعتلي دعوه حكـايـات أسمـا ×4

الفصل السابع

 

ما نمتش الليلة دي.

 

إزاي أنام وأنا شايفة صورة العربية المحترقة كل ما أقفل عيني؟

 

فضلت قاعدة قدام التلفزيون لساعات.

 

يمكن يظهر خبر جديد.

 

يمكن يقولوا إن صاحب العربية اتوجد.

 

يمكن يطلع أدريان بنفسه ويقول إن كل ده سوء فهم.

 

لكن ما حصلش.

 

الصبح جه.

 

وبعده الضهر.

 

وبعده الليل.

 

ولا أي خبر.

 

ولا أي اتصال.

 

ولا أي رسالة.

 

كأن الراجل اختفى من على وش الأرض.

 

…

 

في اليوم الرابع.

 

كنت خارجة من الشغل.

 

مرهقة.

 

وتايهة.

 

وبفكر ألف مرة هل أبلغ الشرطة بالظرف والصور ولا لأ.

 

وفجأة سمعت صوت مألوف.

 

“ليلى.”

 

اتجمدت مكاني.

 

لفيت بسرعة.

 

ولقيت كريم.

 

واقف على الرصيف المقابل.

 

لكن شكله كان أسوأ من آخر مرة شوفته فيها.

 

دقنه طالعة.

 

هدومه مهملة.

 

وعينيه فيها خوف عمرى ما شفته فيه قبل كده.

 

عديت الشارع ناحيته.

 

وقبل ما أتكلم.

 

قال:

 

“لازم نمشي من هنا.”

 

استغربت.

 

“ليه؟”

 

بص حواليه بسرعة.

 

وقال:

 

“علشان بيراقبوكي.”

 

الجملة نزلت على صدري زي الحجر.

 

“مين؟”

 

“الناس اللي ورا سامح الجندي.”

 

سكت لحظة.

 

ثم أكمل:

 

“واللي غالبًا خدوا أدريان.”

 

…

 

بعد عشر دقائق.

 

كنا قاعدين في كافيه صغير بعيد عن وسط البلد.

 

أول مرة من سنين أقعد أنا وكريم من غير خناق.

 

من غير كراهية.

 

لأن الخوف أحيانًا بيخلي كل الخلافات القديمة صغيرة جدًا.

 

حط كريم فنجان القهوة على الطاولة.

 

وقال:

 

“فيه حاجة عمري ما قلتها لحد.”

 

بصيتله.

 

وسكت.

 

فأكمل:

 

“سامح ماكانش شريكي.”

 

“أمال كان إيه؟”

 

نزل عينيه للأرض.

 

وقال:

 

“كان أخويا.”

 

اتجمدت.

 

“إيه؟”

 

“أخويا غير الشقيق.”

 

حسيت إن الأرض بتميد بيا.

 

كل إجابة كانت بتولد عشر أسئلة جديدة.

 

قال:

 

“وأبويا كان مخبي الموضوع طول عمره.”

 

“وأدريان؟”

 

“أدريان عرف الحقيقة بعد سنين.”

 

“إزاي؟”

 

سكت.

 

ثم قال:

 

“لأن أخوه ما ماتش بسبب حادث.”

 

رفعت رأسي بسرعة.

 

“إيه؟”

 

قال:

 

“اتقتل.”

 

…

 

الهواء اختفى من حواليا.

 

“مين قتله؟”

 

هز رأسه.

 

“لحد النهارده محدش عارف.”

 

ثم مال ناحيتي.

 

وقال بصوت منخفض:

 

“لكن أدريان كان مقتنع إن سامح هو اللي أمر بده.”

 

سكت.

 

وأكمل:

 

“وعلشان كده فضل يطارده سنين.”

 

…

 

في نفس اللحظة.

 

رن هاتف كريم.

 

بص للشاشة.

 

وشه فقد لونه.

 

قفز واقفًا.

 

“لا.”

 

قلت بسرعة:

 

“فيه إيه؟”

 

لكنه ما ردش.

 

بس وراني الشاشة.

 

وكانت رسالة.

 

رقم مجهول.

 

مكتوب فيها:

 

“شكراً لأنك جمعتها معانا.”

 

حسيت بقشعريرة.

 

ثم قرأت السطر الثاني.

 

“الدور عليها انتهى.”

 

اتجمد الدم في عروقي.

 

لأن المقصود بـ”هي” كنت أنا.

 

…

 

بعد أقل من دقيقة.

 

وقف كريم.

 

مسك إيدي.

 

وقال:

 

“قومي.”

 

“إيه؟”

 

“دلوقتي.”

 

“ليه؟”

 

بص ناحية باب الكافيه.

 

وقال:

 

“لأن الراجل اللي داخل دلوقتي… شوفته مرة واحدة قبل كده.”

 

لفيت رأسي بحذر.

 

وشفت رجل طويل.

 

لابس بدلة رمادية.

 

بيمشي بهدوء شديد.

 

ولا كأنه داخل مكان عادي.

 

لكن عينيه كانت بتمسح القاعة كلها.

 

كأنه بيدور على حد.

 

علينا إحنا.

 

…

 

خرجنا من الباب الخلفي.

 

وجرينا لأول مرة مع بعض.

 

أنا وطليقي.

 

في شوارع مزدحمة.

 

من غير ما نبص وراينا.

 

لحد ما دخلنا جراج قديم تحت عمارة مهجورة.

 

وهناك.

 

وقف كريم فجأة.

 

وسحب من جيبه مفتاح صغير.

 

مفتاح نحاسي قديم.

 

وقال:

 

“أنا كنت محتفظ بده من عشر سنين.”

 

“إيه ده؟”

 

“سامح سابه قبل ما يختفي.”

 

بصيت للمفتاح.

 

ثم إليه.

 

فأكمل:

 

“ولو أنا صح…”

 

رفع المفتاح أمام عيني.

 

“…فده هيفتح المكان اللي مخبي فيه الحقيقة كلها.”

 

سكت ثانية.

 

ثم قال الجملة التي غيرت كل شيء:

 

“والأغلب… أدريان راح هناك قبل ما يختفي.”

 

…

 

في نفس اللحظة.

 

وفي مكان بعيد على أطراف المدينة.

 

داخل مخزن قديم مهجور.

 

كان رجل مقيد على كرسي.

 

وجهه مليان كدمات.

 

وآثار الدم على قميصه واضحة.

 

رفع رأسه بصعوبة.

 

ونظر للرجل الجالس أمامه.

 

الرجل الذي ظل الجميع يعتقد أنه ميت منذ خمس سنوات.

 

ابتسم سامح الجندي ببطء.

 

وقال:

 

“أخيرًا يا أدريان… وصلنا لنهاية اللعبة.”

 

يتبع…

الفصل الثامن

 

فتح أدريان عينيه بصعوبة.

 

الضوء الضعيف المعلق في سقف المخزن كان بيضرب مباشرة في وشه.

 

حاول يحرك إيده.

 

لكن القيود الحديد كانت محكمة.

 

سامح الجندي كان قاعد قدامه بهدوء غريب.

 

زي راجل بيتفرج على فيلم هو اللي كاتبه.

 

ابتسم.

 

وأخذ رشفة من فنجان القهوة اللي قدامه.

 

وقال:

 

“تعبت نفسك سنين طويلة.”

 

أدريان بص له بصمت.

 

سامح ضحك.

 

“وفي الآخر رجعتلي بنفسك.”

 

رد أدريان بصوت متحشرج:

 

“أنا جيت علشان أنهي كل حاجة.”

 

“لا.”

 

هز سامح رأسه.

 

“إنت جيت علشان تعرف الحقيقة.”

 

…

 

في نفس الوقت.

 

كنت أنا وكريم واقفين وسط الجراج المهجور.

 

والمفتاح القديم بين إيدينا.

 

كل حاجة كانت بتقول إننا لازم نمشي.

 

نبلغ الشرطة.

 

ننسى الموضوع كله.

 

لكن الفضول أحيانًا بيكون أقوى من الخوف.

 

قلت:

 

“إحنا رايحين فين؟”

 

رد كريم:

 

“فيه مخزن قديم على طريق السويس.”

 

“وإيه اللي هناك؟”

 

سكت.

 

ثم قال:

 

“آخر مكان سامح كان بيستخدمه قبل اختفائه.”

 

“وإنت عرفت منين؟”

 

ابتسم بسخرية.

 

“لأن جزء من الفلوس اللي سرقها اتحط هناك.”

 

…

 

بعد ساعة تقريبًا.

 

وصلنا.

 

المكان كان مهجور.

 

سور حديد ضخم.

 

بوابة مقفولة.

 

ولا أي علامة حياة.

 

لكن أول ما كريم قرب المفتاح من القفل.

 

سمعنا صوت.

 

صوت سيارة.

 

بعيد.

 

ثم سيارة ثانية.

 

ثم ثالثة.

 

بصيت ناحية الطريق.

 

وشفت ثلاث عربيات سودة.

 

جاية بسرعة.

 

وبدون لوحات.

 

…

 

كريم شحب.

 

وقال:

 

“جرّي.”

 

لكن الوقت كان متأخر.

 

العربيات وصلت.

 

وأربع رجال نزلوا منها.

 

ملامحهم جامدة.

 

وحركتهم منظمة.

 

زي ناس متعودة تنفذ أوامر.

 

واحد منهم قال:

 

“المفتاح.”

 

ماحدش رد.

 

كررها.

 

“هاتوا المفتاح.”

 

…

 

في اللحظة دي.

 

عمل كريم حاجة ما توقعتهاش.

 

رمى المفتاح ناحيتي.

 

وقال:

 

“اهربي.”

 

اتصدمت.

 

“إيه؟”

 

صرخ:

 

“اهربي يا ليلى!”

 

…

 

وقبل ما أتحرك.

 

اندفع الرجال عليه.

 

بدأت خناقة عنيفة.

 

وأنا واقفة مصدومة.

 

لحد ما كريم صرخ مرة تانية:

 

“امشي!”

 

جريت.

 

بكل قوتي.

 

والمفتاح في إيدي.

 

وصوت الصراخ ورايا.

 

بيبعد تدريجيًا.

 

…

 

فضلت أجري وسط الأراضي الصحراوية.

 

لحد ما وصلت لمبنى صغير قديم.

 

كان شبه غرفة حراسة مهجورة.

 

حاولت ألتقط أنفاسي.

 

ثم لاحظت حاجة غريبة.

 

باب حديد.

 

قديم جدًا.

 

وعليه نفس الرمز المحفور على المفتاح.

 

نفس الرمز بالضبط.

 

…

 

إيدي كانت بترتعش.

 

لكن أدخلت المفتاح.

 

ودورته.

 

وبعد ثوانٍ.

 

صدر صوت معدني ثقيل.

 

والباب بدأ يفتح ببطء.

 

…

 

نزلت درجات طويلة تحت الأرض.

 

درجة.

 

ورا درجة.

 

ورا درجة.

 

لحد ما وصلت لقاعة ضخمة.

 

مخبية بالكامل تحت الصحراء.

 

وفي منتصف القاعة.

 

كانت عشرات الصناديق المعدنية.

 

وأجهزة كمبيوتر قديمة.

 

وخزائن حديدية.

 

وملفات.

 

آلاف الملفات.

 

…

 

قربت من أول صندوق.

 

فتحته.

 

واتجمدت.

 

لأن الصندوق كان مليان أموال.

 

ملايين.

 

يمكن عشرات الملايين.

 

…

 

لكن الفلوس ما كانتش أهم حاجة.

 

الحاجة المهمة كانت الملف الموجود فوقها.

 

ملف أسود كبير.

 

وعليه اسم واحد.

 

اسمي أنا.

 

ليلى.

 

…

 

سحبت الملف بسرعة.

 

وفتحته.

 

وأول صفحة خلت الدم يختفي من وشي.

 

لأنها كانت صورة ليا.

 

وأنا طفلة صغيرة.

 

عمري يمكن ست سنين.

 

…

 

وقفت مذهولة.

 

أنا عمري ما شفت الصورة دي قبل كده.

 

ولا أعرف مين صورها.

 

ولا إزاي وصلت للمكان ده.

 

قلبت الصفحة الثانية.

 

ثم الثالثة.

 

ثم الرابعة.

 

وكل صفحة كانت بتأكد حقيقة واحدة مرعبة.

 

أنا ما كنتش مجرد شخص دخل القصة بالصدفة.

 

ولا مجرد طليقة كريم.

 

ولا مجرد امرأة استأجرت ممثل.

 

أنا كنت جزء من الحكاية من البداية.

 

من قبل ما أعرف كريم.

 

من قبل ما أعرف أدريان.

 

ومن قبل ما أعرف اسم سامح الجندي أصلًا.

 

…

 

وفي آخر الملف.

 

كانت ورقة واحدة فقط.

 

مكتوب عليها بخط يدوي:

 

“حين تقرئين هذا… سيكون الأوان قد فات لإخفاء الحقيقة عنك.”

 

ثم توقيع.

 

توقيع رجل مات منذ عشرين سنة.

 

أو هكذا كنت أعتقد.

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *