دعوى طلاق حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الثالث

 

في تلك الليلة…

 

رغم أن الحفل استمر حتى منتصف الليل…

 

إلا أن كريم لم يتذكر شيئًا مما حدث بعد ظهور سارة.

 

لم يسمع كلمات المستثمرين.

 

ولا تذكر أسماء الشركات التي أعلنوا عنها.

 

ولا حتى لاحظ الموسيقى.

 

كل ما كان يراه…

 

هو سارة.

 

سارة التي كانت تجلس على الطاولة الرئيسية بجوار فارس الدهبي.

 

سارة التي كانت تضحك بثقة.

 

سارة التي لم تنظر إليه ولو مرة واحدة.

 

وكأنه لم يعد موجودًا أصلًا.

 

وده كان أكثر شيء وجعه.

 

لأنه طوال ثلاث سنوات…

 

كان مقتنعًا أنها لا بد ما زالت تفكر فيه.

 

لا بد أنها ندمت.

 

لا بد أنها عرفت أنها خسرت فرصة عمرها.

 

لكن الواقع أمامه كان مختلفًا تمامًا.

 

هي التي كسبت.

 

وهو الذي بدا صغيرًا فجأة.

 

بعد انتهاء الحفل…

 

رجع الفيلا التي يسكنها مع ياسمين.

 

لكنه لم ينم.

 

ظل جالسًا في مكتبه حتى الرابعة صباحًا.

 

أمامه عشرات الصور التي التقطتها الصحافة في الحفل.

 

كل صورة فيها سارة.

 

في كل صورة كانت تبدو أقوى.

 

أكثر جمالًا.

 

أكثر هدوءًا.

 

وكأن السنوات الثلاث الماضية صنعت امرأة جديدة بالكامل.

 

دخلت ياسمين المكتب بعصبية.

 

وقالت:

 

“إنت بقالك ساعات بتبص على صورها.”

 

لم يرد.

 

فارتفع صوتها.

 

“أنا بكلمك يا كريم.”

 

رفع رأسه أخيرًا.

 

“إنتِ تعرفي عنها إيه؟”

 

اتجمدت.

 

“إيه؟”

 

“سارة.”

 

تشنج فكها.

 

“يعني إيه أعرف عنها إيه؟”

 

قال ببطء:

 

“إزاي وصلت للمكان ده؟”

 

ضحكت بسخرية.

 

“يمكن فارس الدهبي شفق عليها.”

 

لكن حتى وهي تقولها…

 

كانت تعرف أن الكلام غير منطقي.

 

فارس الدهبي لا يشفق على أحد.

 

الرجل الذي بنى إمبراطورية كاملة لم يكن معروفًا بالعاطفة.

 

لو اختار سارة…

 

فبسبب شيء استثنائي.

 

وفي الصباح…

 

بدأ كريم يبحث.

 

اتصل بمعارفه.

 

وسأل صحفيين.

 

وسأل رجال أعمال.

 

لكن كل مرة كان يسمع نفس الجملة.

 

“سارة منصور عبقرية.”

 

“هي اللي أنقذت صفقة الأدوية الخليجية.”

 

“هي اللي اكتشفت قض*ية فساد كادت تكلف المجموعة مليارات.”

 

“هي اللي أعادت هيكلة ثلاث شركات خاسرة.”

 

كل معلومة كانت صفعة جديدة.

 

لأن النجاح الذي حققته…

 

لم يكن بسبب أحد.

 

بل بسبب نفسها.

 

بعد أسبوع…

 

وصلته فرصة لم يكن يتوقعها.

 

اجتماع خاص داخل مجموعة الدهبي.

 

مناقشة مشروع طبي ضخم.

 

وكان مطلوبًا حضوره بصفته ممثلًا لمستشفى السلام الدولي.

 

دخل مبنى المجموعة.

 

واستقبله موظفون كبار.

 

ثم اقتادوه إلى قاعة اجتماعات فاخرة.

 

وحين فتح الباب…

 

رآها.

 

كانت تجلس على رأس الطاولة.

 

أمامها ملفات وتقارير.

 

وعلى يمينها ثلاثة مستشارين.

 

وعلى يسارها مدير مالي شهير.

 

لثوانٍ…

 

نسي لماذا جاء.

 

أما هي…

 

فاكتفت بنظرة سريعة.

 

ثم عادت للملفات.

 

“صباح الخير.”

 

قالها بصوت متردد.

 

ردت بهدوء:

 

“صباح النور يا دكتور كريم.”

 

الدكتور.

 

لم تقل كريم فقط.

 

ولم تقل حبيبي كما كانت تفعل يومًا.

 

ولم تقل حتى اسمه بحنان.

 

قالتها كأنها تخاطب شخصًا غريبًا.

 

وانتهى الاجتماع كله وهي تعامل الجميع بنفس المهنية.

 

لا غضب.

 

لا عتاب.

 

لا دموع.

 

ولا حتى رغبة في الانتقام.

 

وده كان أكثر شيء أزعجه.

 

لأنه كان يتوقع أن يجد أثرًا له في قلبها.

 

لكنه لم يجد شيئًا.

 

بعد الاجتماع…

 

وقف عند المصعد.

 

وفجأة خرجت سارة من القاعة.

 

كانت وحدها.

 

لأول مرة منذ ثلاث سنوات.

 

قال بسرعة:

 

“سارة.”

 

توقفت.

 

التفتت إليه.

 

انتظر أن يرى انكسارًا قديمًا.

 

أو حنينًا.

 

أو حتى كرهًا.

 

لكن وجهها كان هادئًا.

 

“في حاجة؟”

 

بلع ريقه.

 

“إنتِ اتغيرتي.”

 

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

 

“الحياة بتغير الناس.”

 

تردد لحظة.

 

ثم قال:

 

“مين والد الطفل؟”

 

الصمت بينهما طال.

 

ثم رفعت حاجبها.

 

وكأن السؤال مضحك.

 

وقالت:

 

“ليه مهتم؟”

 

لم يعرف ماذا يرد.

 

فقالت بهدوء:

 

“خليك مهتم بحياتك يا كريم.”

 

ثم دخلت المصعد.

 

واختفت.

 

لكن كلماتها ظلت تطارده.

 

في نفس الأسبوع…

 

بدأت الصحف الاقتصادية تتحدث عن خبر غريب.

 

فارس الدهبي نقل نسبة كبيرة من أسهمه إلى جهة غير معلنة.

 

الإعلام كله بدأ يتساءل.

 

المستثمرون ارتبكوا.

 

والشائعات انتشرت.

 

وفي إحدى الليالي…

 

كان كريم يتصفح الأخبار.

 

حتى وقع بصره على صورة قديمة جدًا.

 

صورة عمرها أكثر من ثلاثين سنة.

 

فارس الدهبي شاب صغير.

 

وبجواره امرأة جميلة تحمل طفلًا رضيعًا.

 

تحت الصورة كان مكتوبًا:

 

“زوجة فارس الدهبي الراحلة وابنه الوحيد الراحل أدهم الدهبي.”

 

اتجمد كريم.

 

وقرب الصورة أكثر.

 

ملامح الطفل.

 

ثم صورة أخرى لأدهم وهو في العشرين.

 

ثم صورة أخرى في الثلاثين.

 

شيء غريب ضربه كالصاعقة.

 

لأن ملامح أدهم الدهبي…

 

تشبه شخصًا يعرفه جيدًا جدًا.

 

شخصًا رآه عشرات المرات خلال الأشهر الأخيرة.

 

فتح هاتفه بسرعة.

 

وبحث عن صورة سارة.

 

ثم صورة أدهم.

 

ثم عاد يقارن.

 

قلبه بدأ يدق بعنف.

 

لا…

 

مستحيل.

 

لكن كلما دقق أكثر…

 

زاد يقينه.

 

سارة لم تكن مجرد موظفة عند فارس الدهبي.

 

ولم تكن مجرد نائبة لرئيس مجلس الإدارة.

 

كان هناك سر أكبر بكثير.

 

سر يفسر لماذا يعاملها فارس بهذه الطريقة.

 

ولماذا يحرسها كأنها كنز.

 

ولماذا قرر نقل جزء من إمبراطوريته فجأة.

 

وفي نفس اللحظة…

 

في قصر الدهبي.

 

كانت سارة جالسة في الشرفة المطلة على الحديقة.

 

ويدها فوق بطنها.

 

بينما جلس فارس بجوارها.

 

وقال بصوت منخفض:

 

“قريب جدًا يا بنتي… هيعرفوا الحقيقة كلها.”

 

نظرت إليه.

 

واختنقت عيناها بالدموع.

 

لأن الحقيقة التي أخفوها ثلاث سنوات كاملة…

 

كانت على وشك الظهور.

 

وحين تظهر…

 

لن تدمر كريم الشاذلي فقط.

 

بل ستهز واحدة من أقوى العائلات في القاهرة كلها.

الفصل الرابع

 

في صباح اليوم التالي…

 

استيقظت القاهرة على شائعة جديدة.

 

شائعة انتشرت بين رجال الأعمال أسرع من النار في الهشيم.

 

فارس الدهبي يستعد لإعلان وريثه الرسمي.

 

لم يكن الخبر مؤكدًا.

 

لكن مجرد تداوله كان كافيًا لإثارة الجميع.

 

لأن إمبراطورية الدهبي لم تكن مجرد مجموعة شركات.

 

كانت واحدة من أكبر القوى الاقتصادية في مصر.

 

أي قرار يخصها كان قادرًا على تحريك السوق كله.

 

وفي مكتب كريم…

 

كان جالسًا أمام شاشة الكمبيوتر منذ الفجر.

 

ما زالت الصور القديمة مفتوحة أمامه.

 

صورة أدهم الدهبي.

 

وصورة سارة.

 

كلما قارن بينهما…

 

زاد شعوره بأن هناك رابطًا خفيًا.

 

لكن الرابط لم يكن واضحًا بالكامل.

 

حتى وصله اتصال غير متوقع.

 

من صحفي اقتصادي يعرفه منذ سنوات.

 

قال الرجل:

 

“عندي معلومة غريبة.”

 

شد كريم انتباهه فورًا.

 

“إيه هي؟”

 

رد الصحفي:

 

“أنت عارف إن فارس الدهبي كان عنده بنت اختفت وهو صغير؟”

 

اتجمد كريم.

 

“بنت؟”

 

“أيوه… الموضوع قديم جدًا ومحدش بيتكلم عنه.”

 

سكت لحظة.

 

ثم أكمل:

 

“من أكتر من خمسة وعشرين سنة حصلت مشاكل كبيرة بين فارس وزوجته الأولى.”

 

“وبعدها البنت اختفت مع أمها.”

 

“والملف كله اتقفل.”

 

شعر كريم بقشعريرة تسري في جسده.

 

وسأل ببطء:

 

“اسمها كان إيه؟”

 

جاءه الرد:

 

“سارة.”

 

سقط الهاتف تقريبًا من يده.

 

لثوانٍ…

 

لم يسمع شيئًا.

 

ولا رأى شيئًا.

 

كل الأحداث بدأت تترتب داخل رأسه فجأة.

 

اهتمام فارس بها.

 

قربها منه.

 

الثقة المطلقة التي يمنحها لها.

 

الخوف عليها.

 

الحماية.

 

نقل الأسهم.

 

كل شيء أصبح منطقيًا.

 

لكن السؤال الأكبر ظل قائمًا.

 

إذا كانت ابنة فارس الدهبي فعلًا…

 

فكيف عاشت كل تلك السنوات فقيرة؟

 

وكيف لم تعرف حقيقتها؟

 

في نفس الوقت…

 

كانت سارة تجلس داخل جناح خاص في قصر الدهبي.

 

أمامها صندوق خشبي قديم.

 

صندوق احتفظت به أمها طوال عمرها.

 

أخرجت منه صورة باهتة.

 

لرجل شاب يحمل طفلة صغيرة.

 

كانت هي.

 

أما الرجل…

 

فكان فارس الدهبي.

 

تنهدت ببطء.

 

وعادت بذاكرتها سنوات طويلة للخلف.

 

إلى الليلة التي ماتت فيها أمها.

 

قبل أربع سنوات فقط.

 

كانت تجلس بجوار سرير المستشفى.

 

تمسك يد أمها الضعيفة.

 

والأجهزة الطبية تصدر أصواتًا متقطعة.

 

قالت لها أمها وقتها:

 

“في حاجة لازم تعرفيها.”

 

ابتسمت سارة وهي تبكي.

 

“ارتاحي يا ماما.”

 

لكن والدتها هزت رأسها.

 

وقالت بصعوبة:

 

“أبوك… لسه عايش.”

 

اتجمدت سارة.

 

لأنها كانت تعتقد طوال حياتها أن والدها مات.

 

منذ طفولتها.

 

هكذا أخبرتها أمها دائمًا.

 

لكن الحقيقة كانت مختلفة.

 

أخرجت الأم ظرفًا قديمًا.

 

وقالت:

 

“سامحيني.”

 

ثم بدأت تحكي.

 

قبل سنوات طويلة…

 

كانت زوجة فارس الدهبي الأولى.

 

لكن عائلة فارس رفضتها.

 

وحدثت صراعات قاسية.

 

اتهامات.

 

ومحاولات للسيطرة على الطفلة.

 

وخوف مستمر من أن يتم أخذها منها.

 

وفي لحظة ضعف…

 

هربت بابنتها.

 

وغيرت أسماءهما.

 

واختفت.

 

سنوات كاملة.

 

بعيدًا عن الجميع.

 

بعيدًا عن المال.

 

بعيدًا عن النفوذ.

 

بعيدًا حتى عن الحقيقة.

 

كانت تعتقد أنها تحمي ابنتها.

 

لكن المرض هزمها في النهاية.

 

وقبل رحيلها…

 

أعطت سارة عنوانًا واحدًا.

 

عنوان مكتب فارس الدهبي.

 

وقالت:

 

“لما أموت… روحي له.”

 

وبعد الجنازة بأيام…

 

ذهبت سارة.

 

لم تكن تتوقع شيئًا.

 

ولا كانت تريد شيئًا.

 

كل ما أرادته هو أن ترى الرجل الذي حُرمت منه طوال عمرها.

 

دخلت مكتبه وقتها.

 

وكان فارس لا يعرف من تكون.

 

وضعت الصورة القديمة أمامه.

 

وقالت:

 

“أعتقد إن حضرتك تعرف الشخص ده.”

 

نظر للصورة.

 

ثم شحب وجهه بالكامل.

 

رفع رأسه إليها.

 

ثم للصورة.

 

ثم إليها مرة أخرى.

 

وهمس:

 

“سارة؟”

 

لأول مرة في حياته…

 

بكى فارس الدهبي أمام أحد.

 

بكى كأب ضاعت منه ابنته نصف عمره.

 

وبعد أسابيع من فحوصات وتحاليل وإجراءات قانونية…

 

ثبتت الحقيقة.

 

سارة كانت ابنته فعلًا.

 

وريثته الوحيدة.

 

ابنته التي بحث عنها سنوات طويلة دون أن يجدها.

 

لكن المفاجأة الأكبر…

 

أن سارة طلبت منه شيئًا واحدًا فقط.

 

شيئًا صدمه.

 

قالت له:

 

“محدش يعرف.”

 

استغرب وقتها.

 

“ليه؟”

 

قالت وهي تتذكر حياتها مع كريم:

 

“لأنني عايزة أبني نفسي بنفسي.”

 

لم ترد أن تدخل الشركات باعتبارها ابنة المالك.

 

لم ترد احترامًا مزيفًا.

 

ولا نجاحًا جاهزًا.

 

أرادت أن تعرف قيمتها الحقيقية.

 

ولهذا…

 

دخلت المجموعة موظفة عادية.

 

ثم صعدت درجة درجة.

 

حتى وصلت إلى القمة وحدها.

 

أما فارس…

 

فكان يراقبها بصمت.

 

ويشعر بالفخر كل يوم.

 

عاد الحاضر من جديد.

 

ونظر إليها وهو جالس بجوارها.

 

وقال:

 

“أنا فخور بيكي.”

 

ابتسمت.

 

لكن يدها تحركت فوق بطنها تلقائيًا.

 

فابتسم فارس هو الآخر.

 

وقال:

 

“وفخور بحفيدي كمان.”

 

هنا فقط…

 

تجمدت ابتسامتها قليلًا.

 

لأن الحديث عن الطفل…

 

كان دائمًا يفتح الباب لأسرار أخرى.

 

أسرار لا يعرفها أحد.

 

ولا حتى كريم.

 

أسرار تتعلق بالرجل الذي كان والد هذا الطفل.

 

الرجل الذي اختفى من حياتها فجأة.

 

والرجل الذي لو عاد…

 

فسيغير كل شيء من جديد.

 

وفي الجهة الأخرى من القاهرة…

 

كان كريم يقف أمام نافذة مكتبه مصدومًا.

 

بعد أن عرف أن سارة ابنة فارس الدهبي.

 

لكنه لم يكن يعلم…

 

أن هذه الحقيقة ليست إلا بداية العاصفة.

 

لأن السر الأكبر…

 

لم يكن من تكون سارة.

 

بل من يكون والد الطفل الذي تحمله.

الفصل الخامس

 

بعد أيام قليلة…

 

لم يعد أحد في القاهرة يتحدث عن شيء سوى سارة الدهبي.

 

الصحف الاقتصادية.

 

برامج التوك شو.

 

مجلات الأعمال.

 

الجميع كان يحاول معرفة المزيد عن المرأة التي ظهرت فجأة في قلب إمبراطورية الدهبي.

 

لكن السؤال الذي ظل بلا إجابة كان واحدًا.

 

من والد الطفل؟

 

كلما سأل صحفي…

 

ابتسمت سارة.

 

وكلما حاول مستثمر معرفة الحقيقة…

 

تغير الموضوع.

 

حتى فارس الدهبي نفسه كان يرفض الإجابة.

 

وده شيء لم يعتد عليه الناس.

 

لأن فارس كان معروفًا بصراحته.

 

أما هذه المرة…

 

فكان يخفي الأمر بعناية شديدة.

 

وفي أحد صباحات الثلاثاء…

 

كانت سارة داخل مقر المجموعة.

 

تراجع ملفات صفقة جديدة.

 

حين دخلت سكرتيرتها بسرعة.

 

وعلامات الارتباك على وجهها.

 

قالت:

 

“في ضيف وصل.”

 

رفعت سارة رأسها.

 

“مين؟”

 

ترددت الفتاة.

 

ثم قالت:

 

“بيقول إنك مستنياه.”

 

تجمدت سارة للحظة.

 

قبل أن تسأل:

 

“اسمه إيه؟”

 

جاء الرد:

 

“آدم.”

 

سقط القلم من يدها.

 

لثوانٍ…

 

عادت بها الذاكرة ثلاث سنوات كاملة إلى الوراء.

 

إلى ليلة ممطرة.

 

ليلة كانت خارجة فيها من شيفت عمل مرهق.

 

مبللة بالمطر.

 

منهكة.

 

مكسورة.

 

في الفترة التي تلت طلاقها مباشرة.

 

وقتها…

 

كانت الحياة كلها تبدو ضدها.

 

وفي تلك الليلة بالذات…

 

تعرضت سيارة سوداء لحادث بسيط أمام الصيدلية.

 

الجميع تجمع حول السيارة.

 

وسارة كانت أول من ركض للمساعدة.

 

وحين فتحت الباب…

 

وجدت رجلاً فاقد الوعي.

 

مصابًا في رأسه.

 

ينزف.

 

وكان ذلك الرجل…

 

آدم المنصور.

 

الابن الوحيد لعائلة المنصور.

 

العائلة التي كانت تسيطر على قطاعات استثمارية وعقارية وإعلامية ضخمة داخل مصر وخارجها.

 

لكن وقتها…

 

سارة لم تكن تعرف من يكون.

 

كل ما رأته كان إنسانًا يحتاج المساعدة.

 

نقلته للمستشفى.

 

وظلت معه ساعات.

 

حتى استعاد وعيه.

 

وبدأت حكاية لم تكن تتوقعها.

 

آدم لم يكن مثل الرجال الذين عرفتهم.

 

لم يهتم بماضيها.

 

لم يسأل عن طلاقها.

 

لم يحاول إصلاحها.

 

ولم يعاملها كضحية.

 

كان أول شخص منذ سنوات ينظر إليها كإنسانة كاملة.

 

ومع الوقت…

 

أصبحت الصداقة حبًا.

 

وحبًا حقيقيًا هذه المرة.

 

بعيدًا عن المصالح.

 

بعيدًا عن الاستغلال.

 

بعيدًا عن الأكاذيب.

 

لكن بعد أقل من عام…

 

حدث شيء قلب كل شيء.

 

سافر آدم في مهمة استثمارية خارج البلاد.

 

وكان من المفترض أن يعود بعد أسبوعين.

 

لكنه اختفى.

 

اختفى تمامًا.

 

هواتفه أغلقت.

 

شركاته أعلنت أنه في رحلة طويلة.

 

وعائلته رفضت الحديث.

 

وسارة لم تعرف الحقيقة.

 

إلى أن اكتشفت بعدها بأسابيع قليلة…

 

أنها حامل.

 

ومنذ ذلك اليوم…

 

لم تره مرة أخرى.

 

حتى الآن.

 

نهضت من مقعدها بسرعة.

 

وقلبها يخفق بعنف.

 

وقالت:

 

“دخليه.”

 

فتحت السكرتيرة الباب.

 

ودخل الرجل.

 

طويل.

 

أنيق.

 

ببدلة سوداء.

 

وشعره أكثر قصرًا مما تتذكر.

 

لكن عينيه…

 

كانتا نفس العينين.

 

نفس النظرة.

 

نفس الرجل.

 

آدم.

 

وقفا ينظران لبعضهما.

 

بلا كلمة واحدة.

 

ثوانٍ طويلة.

 

قبل أن يهمس:

 

“وحشتيني.”

 

امتلأت عيناها بالدموع.

 

لكنها تماسكت.

 

وقالت:

 

“إنت كنت فين؟”

 

خفض رأسه.

 

ثم قال:

 

“قصة طويلة.”

 

رفعت حاجبها.

 

“ثلاث سنين طويلة فعلًا.”

 

أغلق عينيه للحظة.

 

وكأنه يحمل فوق كتفيه جبلًا كاملًا.

 

ثم قال:

 

“كنت بحارب علشان أرجع.”

 

في تلك اللحظة…

 

فتح باب المكتب فجأة.

 

ودخل فارس الدهبي.

 

وحين رأى آدم…

 

توقف مكانه.

 

ثم ابتسم.

 

ابتسامة نادرة.

 

وقال:

 

“أخيرًا.”

 

تجمدت سارة.

 

ونظرت بينهما.

 

ثم همست:

 

“إنتوا تعرفوا بعض؟”

 

ضحك فارس لأول مرة.

 

وقال:

 

“من زمان جدًا.”

 

هنا فقط…

 

بدأت الصدمة الحقيقية.

 

لأن فارس الدهبي جلس بهدوء.

 

ونظر إلى آدم.

 

ثم قال لسارة:

 

“في وقت مناسب كنت ناوي أحكيلك.”

 

“لكن واضح إن الوقت جه بنفسه.”

 

شعرت سارة أن الأرض تميد تحتها.

 

أما آدم…

 

فنظر إليها مباشرة.

 

وقال:

 

“أنا مش مجرد رجل أعمال يا سارة.”

 

ثم أخرج ملفًا من حقيبته.

 

ووضعه أمامها.

 

كانت وثائق.

 

صور.

 

وأوراق قديمة.

 

أسماء شركات عالمية.

 

وصناديق استثمار.

 

وشبكات أعمال تمتد عبر عدة دول.

 

ثم قال بهدوء:

 

“العائلة اللي أنتمي ليها… هي الشريك الأكبر للدهبي جروب من أكتر من عشرين سنة.”

 

رفعت عينيها ببطء.

 

لكن آدم لم يكن انتهى.

 

نظر إليها مباشرة.

 

وقال:

 

“والسبب الحقيقي لاختفائي… إن حد حاول يق*تلني.”

 

ساد الصمت.

 

صمت ثقيل.

 

مرعب.

 

ثم أكمل:

 

“والشخص اللي خطط لكل ده… كان من جوه عائلتي نفسها.”

 

اتسعت عينا سارة.

 

أما فارس…

 

فأغمض عينيه وكأنه يعرف التفاصيل كلها.

 

ثم قال:

 

“وللأسف… المعركة لسه ما انتهتش.”

 

وفي نفس اللحظة…

 

كان كريم الشاذلي يشاهد مقابلة تلفزيونية مباشرة.

 

وفجأة ظهر خبر عاجل أسفل الشاشة.

 

خبر جعل الكوب يسقط من يده.

 

خبر واحد فقط.

 

“عودة رجل الأعمال العالمي آدم المنصور إلى القاهرة بعد اختفاء استمر ثلاث سنوات.”

 

لكن ما جعل وجه كريم يشحب…

 

لم يكن الخبر نفسه.

 

بل الصورة المرافقة له.

 

لأن الصورة كانت لآدم.

 

واقفًا بجوار سارة.

 

ويده فوق يدها.

 

وكأنهما أسرة واحدة.

 

وعندها فقط…

 

فهم كريم أخيرًا.

 

أن المرأة التي ظن يومًا أنها لا تناسب مستواه…

 

أصبحت الآن جزءًا من عالم لن يستطيع الوصول إليه أبدًا.

 

لكن ما لم يعرفه بعد…

 

أن الحرب الحقيقية لم تبدأ بينه وبين سارة.

 

بل بدأت داخل واحدة من أخطر العائلات الاقتصادية في القاهرة.

 

وحين تنفجر تلك الحرب…

 

ستهدد حياة الجميع.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *