جوزي اتجوز عليا حكايات اسما×5
الفصل الأخير: بعد عام واحد
مر عام كامل.
اثنا عشر شهرًا من الجلسات والمحاكم والأوراق والتقارير والشهادات.
عام كامل منذ الليلة التي فتحت فيها سلمى هاتفها ورأت صورة زفاف زوجها على امرأة أخرى.
أحيانًا كانت تشعر أن تلك المرأة التي جلست في مكتبها يومها ليست هي.
وكأنها حياة أخرى.
امرأة أخرى.
عمر آخر.
في صباح هادئ من شهر أكتوبر، دخلت سلمى إلى قاعة المحكمة للمرة الأخيرة.
لم تكن هناك كاميرات كثيرة هذه المرة.
الصحفيون ملّوا القصة.
الجمهور نسي الفضيحة.
والناس انتقلت إلى أخبار جديدة.
وهذه هي طبيعة الدنيا.
الأحداث التي تحطم قلبك تصبح بعد أشهر مجرد خبر قديم.
لكن بالنسبة لسلمى…
كانت هذه الجلسة نهاية فصل كامل من حياتها.
جلس شريف بجانبها.
وقال بهدوء:
ـ جاهزة؟
أومأت.
ـ من زمان.
بعد دقائق دخل القاضي.
ثم بدأ النطق بالأحكام.
كريم الشاذلي.
حسام الشاذلي.
محمود الرفاعي.
وعدد من المتورطين.
استمعت سلمى دون أن تتحرك.
دون أن تبتسم.
دون أن تبكي.
كانت فقط تسمع.
وكأنها تشاهد فيلمًا انتهى بالفعل منذ زمن.
وعندما انتهت الجلسة…
نظر إليها شريف.
وقال:
ـ خلصت.
نظرت أمامها.
ـ أيوه.
ـ أخيرًا.
تنهدت ببطء.
ـ أخيرًا.
خرجت من المحكمة.
وكانت السماء صافية.
على غير العادة.
شعرت فجأة أنها لا تعرف ماذا تفعل.
لسنة كاملة كانت تستيقظ كل يوم على معركة.
اليوم لا توجد معركة.
لا جلسة.
لا استدعاء.
لا تحقيق.
لا أوراق.
فقط صمت.
وهذا الصمت أخافها أكثر من أي شيء.
عادت إلى شركتها.
استقبلها الموظفون بالتصفيق.
لكنها طلبت منهم العودة إلى أعمالهم.
ثم دخلت مكتبها.
وأغلقت الباب.
وجلست وحدها.
لعدة دقائق.
بلا حركة.
بلا صوت.
ثم فتحت الدرج.
وأخرجت صورة قديمة لها مع كريم.
كانت آخر صورة بقيت معها.
تأملتها طويلًا.
في الصورة كانت تضحك.
ضحكة حقيقية.
لم تكن تعرف وقتها ما ينتظرها.
لم تكن تعرف أن الرجل الواقف بجانبها سيكسر قلبها.
ولم تكن تعرف أنها ستنجو بعد ذلك.
ابتسمت بحزن.
ثم مزقت الصورة بهدوء.
لأول مرة.
ولم تشعر بأي ألم.
بعد أسبوعين…
وصلتها رسالة إلكترونية غريبة.
من مؤسسة خيرية كبيرة.
كانوا يريدون مقابلتها.
ظنت في البداية أنها دعوة روتينية.
لكن عندما قرأت التفاصيل…
فوجئت.
المؤسسة كانت تختار شخصية نسائية ناجحة كل عام لقيادة مشروع لدعم النساء اللواتي تعرضن للخيانة المالية والعنف الاقتصادي.
قالت السكرتيرة:
ـ هتوافقي؟
ظلت صامتة للحظة.
ثم قالت:
ـ طبعًا.
وخلال الشهور التالية…
بدأ شيء جديد يدخل حياتها.
شيء لم تتوقعه.
النساء.
قصص النساء.
كانت تسمع يوميًا عشرات الحكايات.
زوج استولى على ميراث زوجته.
أب منع ابنته من حقها.
أخ سرق أرض أخته.
رجل سجل ممتلكات زوجته باسمه.
أرامل فقدن كل شيء.
ومطلقات خرجن بلا بيت.
وفي كل مرة كانت تسمع قصة…
كانت ترى نسخة قديمة من نفسها.
ولهذا بدأت تساعد.
ليس لأنها تريد الانتقام.
بل لأنها تتمنى لو كان هناك أحد ساعدها يوم سقطت.
أما نادية الشاذلي…
فلم تعد المرأة نفسها.
اختفت تقريبًا من حياة الناس.
باعت شقتها الكبيرة.
وتركت النادي.
وتوقفت الزيارات.
وتبخر الأصدقاء الذين كانوا يلتفون حولها.
ذات يوم…
وصل إلى سلمى خبر أنها دخلت المستشفى.
أزمة قلبية.
لم تشعر بالشماتة.
فقط شعرت بالتعب.
تعب السنوات كلها.
وقالت لنفسها:
“الكره بيأكل صاحبه في الآخر.”
أما رنا…
فكانت تعيش حياة مختلفة تمامًا.
تربي طفلها.
وتعمل عن بعد.
وتحاول أن تبدأ من جديد.
لم تصبح صديقة لسلمى.
ولن تصبح.
لكن بينهما حدث شيء غريب.
نوع من السلام البعيد.
سلام لا يقوم على المحبة.
بل على انتهاء الحرب.
وفي أحد الأيام…
كانت سلمى خارجة من مؤتمر اقتصادي كبير.
وحولها الصحفيون.
وفجأة سمعت صوتًا مألوفًا.
صوتًا لم تسمعه منذ أكثر من عام.
التفتت.
كان كريم.
أنحف بكثير.
أكثر هدوءًا.
وأكبر سنًا مما كان.
مرت لحظة طويلة.
لم يتحرك فيها أي منهما.
ثم اقترب ببطء.
وقال:
ـ إزيك يا سلمى؟
نظرت إليه.
وللمرة الأولى منذ سنوات…
لم تشعر بغضب.
ولا حب.
ولا كراهية.
لا شيء.
مجرد شخص تعرفه.
قالت:
ـ الحمد لله.
هز رأسه.
ـ شكلك كويس.
ـ وأنت كمان.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
ـ لا… أنا مش كويس.
صمتت.
ثم قال:
ـ بس بحاول.
ظلا واقفين للحظة.
ثم قال:
ـ كنت عايز أقولك حاجة من زمان.
ـ اتفضل.
أخذ نفسًا عميقًا.
ـ شكرًا.
رفعت حاجبها.
ـ شكرًا؟
ـ أيوه.
ـ على إيه؟
نظر إلى الأرض.
ثم قال:
ـ لأنك وقفتي قدامي.
استغربت.
فأكمل:
ـ لو كنتي سبتيني أكمل بنفس الطريقة… كنت هضيع أكتر.
ساد الصمت.
ثم قال:
ـ خسرت كل حاجة عشان أفهم حاجات كان لازم أفهمها من سنين.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قالت:
ـ أتمنى تكون اتعلمت.
أومأ.
ـ اتعلمت.
ثم ابتسم بحزن.
ـ متأخر… بس اتعلمت.
غادر كريم.
ومشت سلمى في الاتجاه الآخر.
لم تنظر خلفها.
ولم ينظر هو أيضًا.
بعض القصص لا تنتهي بعودة الأحبة.
ولا باعتذار يعيد الزمن.
ولا بدموع.
بعض القصص تنتهي عندما يتوقف الجرح عن التحكم في حياتك.
وهذا ما حدث.
في مساء ذلك اليوم…
عادت سلمى إلى منزلها.
كان البيت هادئًا.
دافئًا.
مليئًا بالنور.
وضعت حقيبتها.
ثم خرجت إلى الشرفة.
وأمامها امتدت أضواء القاهرة.
تمامًا كما كانت تمتد قبل عام.
لكنها هي لم تعد كما كانت.
لم تعد المرأة التي تخاف الوحدة.
ولا المرأة التي تشتري الحب بالأعذار.
ولا المرأة التي تسمح لأحد أن يحدد قيمتها.
أصبحت تعرف نفسها.
وتحترم نفسها.
وهذا كان أعظم انتصار.
رن هاتفها.
رسالة من شريف.
“مبروك يا سلمى. النهارده بالضبط مر عام على بداية القضية.”
ابتسمت.
ثم كتبت:
“لا… النهارده مر عام على بداية حياتي الجديدة.”
أرسلت الرسالة.
ورفعت رأسها نحو السماء.
وأغمضت عينيها.
للحظة فقط.
لحظة هادئة.
خالصة.
بلا خوف.
بلا خيانة.
بلا دموع.
ثم فتحت عينيها من جديد.
ودخلت إلى بيتها.
وأغلقت الباب خلفها.
ليس هربًا من الماضي.
بل لأن المستقبل كان ينتظرها في الداخل.
تمت النهاية.
