ضريبة الغربه حكـايـات أسمـا ×3

كنت فاكر إن كل حاجة خلصت.

لكن الحقيقة…

إن البداية الحقيقية كانت لسه.

بعد شهر تقريبًا.

رجعت أشتغل في إدارة مشاريعي.

وبدأت أراجع كل حاجة حصلت أثناء غيابي.

وفي يوم.

المحاسب دخل عليا.

وقال:

“يا أستاذ أحمد…

في شركة كانت بتاخد مناقصات باسم حضرتك.”

استغربت.

وقلت:

“إزاي؟

أنا عمري ما مضيت عقد.”

فتح ملف كبير.

وحطه قدامي.

ولقيت توقيع باسمي.

لكن أول ما دققت فيه.

عرفت إنه مزور.

ابتسمت ابتسامة باردة.

وقلت:

“واضح إنهم كانوا واثقين إني مش هرجع.”

بلغنا الجهات المختصة.

وبدأ فحص كل العقود.

واكتشفنا إن ملايين الجنيهات خرجت من الشركات باستخدام التوقيع المزور.

والاسم اللي كان بيتكرر في كل ورقة…

كان حسام.

أما أمي…

فكانت مجرد صاحبة الحسابات.

لكن اللي كان بيدير كل حاجة من بعيد…

هو حسام.

في الليلة دي.

رجعت البيت متأخر.

لقيت سارة مستنياني في البلكونة.

قدمتلي كوب شاي.

وقالت:

“حاسسة إنك شايل هم كبير.”

ابتسمت.

وقلت:

“كل ما أخلص ملف…

يفتح قدامي ملف تاني.”

قالت وهي ماسكة إيدي:

“المهم إننا بقينا مع بعض.”

بصيت لها.

وافتكرت أول يوم شوفتها في الأوضة فوق السطوح.

ووعدت نفسي.

إنها عمرها ما هتحس بالذل تاني.

بعد أسبوع.

اتقبض على حسام وهو بيحاول يسافر.

واتعرضت عليه كل الأدلة.

في الأول أنكر.

لكن لما شاف العقود.

والتسجيلات.

وكشوف الحسابات.

عرف إن مفيش مهرب.

واعترف بكل حاجة.

واعترف كمان إن الخطة بدأت من أول يوم سافرت فيه.

وإنه كان بيقول لأمي باستمرار:

“أحمد هيقضي عمره في الغربة…

ولما يرجع هيكون فات الأوان.”

لكن اللي ما كانوش عاملين حسابه…

إن الحق مهما اتأخر…

بيرجع.

بعد شهور طويلة.

صدر الحكم النهائي.

ورجعت كل الممتلكات اللي ثبت إنها اتشرت من فلوسي.

وكل مبلغ قدرنا نثبته.

رجع لحسابي.

لكن أول حاجة عملتها…

ما كانتش إني أشتري عربية جديدة.

ولا أسافر.

ولا أعمل احتفال.

أخدت سارة.

وآدم.

وملك.

وروحنا دار أيتام قريب من بيتنا.

وتبرعت بمبلغ كبير.

وأوصيت الإدارة إنهم يصرفوه على تعليم الأطفال.

سارة بصتلي.

وقالت بابتسامة:

“ليه عملت كده؟”

ابتسمت.

وقلت:

“لأن اللي جاع…

يعرف قيمة اللقمة.

واللي اتكسر…

يعرف قيمة الأمان.”

وفي طريق رجوعنا.

آدم نام على كتفي.

وملك كانت ماسكة إيد أمها.

وسارة بصتلي وقالت:

“إنت رجعت لنا يا أحمد.”

بصيت لعيلتي.

وحسيت إن ربنا ردلي أكتر بكتير من اللي ضاع.

وإن أغلى مكسب في حياتي…

ما كانش القضية.

ولا الفلوس.

كان البيت اللي رجع مليان ضحكة…

بعد ما كان مليان وجع.
عدت سنتين.

والحياة بدأت ترجع لطبيعتها.

آدم بقى في المدرسة اللي كان نفسه يدخلها.

وملك بقت كل يوم ترجع تحكيلي عن صاحباتها.

وسارة…

وشها رجع يضحك من تاني.

لكن جوايا كان فيه سؤال واحد عمره ما سابني.

إزاي أمي قدرت تعمل كل ده؟

وفي يوم…

رن جرس الفيلا.

الخادمة دخلت وقالت:

“في ست كبيرة برا…

بتقول إنها عايزة تقابل حضرتك.”

خرجت.

ولقيت أمي.

كانت لابسة عباية سودة قديمة.

وشعرها كله بقى أبيض.

ولأول مرة في حياتي…

شوفتها بالشكل ده.

بصتلي.

وقالت بصوت واطي:

“ممكن خمس دقايق؟”

دخلت الجنينة.

وقعدنا بعيد عن البيت.

فضلت ساكتة شوية.

وبعدين قالت:

“أنا جاية أقولك الحقيقة.”

بصيتلها.

وما اتكلمتش.

قالت:

“أول سنة بعد سفرك…

كنت بصرف على سارة والعيال عادي.”

استغربت.

“أمال إيه اللي حصل؟”

نزلت دموعها.

وقالت:

“دينا وجوزها كانوا كل يوم يقولولي…

إنتِ صاحبة الفضل.

والفلوس دي من حقك.

وأحمد هيعيش هناك وينسانا.”

كل يوم كانوا يزودوا كلمة.

لحد ما صدقتهم.

وبدأت آخد من الفلوس.

وبعدين بقيت آخد أكتر.

وبعدين…

بقيت أخاف لو رجعت الفلوس…

ينكشف كل اللي عملته.

فسكت.

وسبتهم يكملوا.

قلت بهدوء:

“وسارة؟

والعيال؟”

غطت وشها بإيديها.

وقالت وهي بتعيط:

“كل مرة كنت أطلع أشوفهم…

كنت أقول بكرة هصلح اللي عملته.

لكن بكرة عمره ما جه.”

سكتنا.

والهوا كان بيحرك الشجر حوالينا.

قالت:

“أنا مش جاية أطلب منك فلوس.

ولا بيت.

ولا أي حاجة.”

رفعت راسها.

وقالت:

“أنا جاية أطلب منك تدعيلي قبل ما أموت.”

الكلام نزل على قلبي تقيل.

مهما حصل…

دي كانت أمي.

لكن الوجع اللي عاشته سارة وولادي…

كان أكبر من أي كلام.

قمت من مكاني.

وساعدتها تقف.

وقلت:

“أنا مسامحك عند ربنا.

لكن اللي انكسر بينا…

صعب يرجع زي الأول.”

هزت راسها.

وقالت:

“عارفة.”

ومشت.

بخطوات بطيئة.

من غير ما تبص وراها.

رجعت البيت.

لقيت سارة واقفة من الشباك.

كانت شايفانا.

قربت مني.

وقالت:

“كانت عايزة إيه؟”

قلت:

“كانت بتدور على راحة ضميرها.”

سارة سكتت.

وبعدين قالت:

“ربنا يغفر لها.”

بعد شهور قليلة…

وصلني خبر وفاتها.

حضرت الجنازة.

ودعيت لها بالرحمة.

ورغم كل اللي حصل…

وقفت قدام قبرها.

وقلت:

“كان نفسي ترجعي أمي…

قبل ما ترجعي لربنا.”

عديت بعدها سنين.

كبر آدم.

وبقى مهندس.

وملك دخلت كلية الطب.

وسارة كانت كل يوم تفتخر بيهم.

وفي عيد جوازنا العاشر بعد رجوعي…

جمعنا ولادنا حوالينا.

وقلت لهم:

“أوعوا في يوم تخلو الفلوس تفرق بينكم.

الفلوس بتتبني.

لكن العيلة…

لو انهدمت.

محدش بيعرف يبنيها من جديد.”

بصيت لسارة.

ابتسمت.

ومسكت إيدها.

وحمدت ربنا…

إنه ردلي بيتي…

قبل ما يضيع مني للأبد.

بعد خمس سنين كمان…

وقفت قدام بوابة الشركة الجديدة.

كان اسمها مكتوب بحروف كبيرة.

“السيوفي للتطوير.”

لكن أكتر حاجة شدت انتباهي…

ما كانتش اللافتة.

كانت الصورة المعلقة في بهو الشركة.

صورة صغيرة.

أنا.

وسارة.

وآدم.

وملك.

يوم رجعنا نعيش مع بعض من جديد.

كل موظف جديد كان بيسأل:

“ليه الصورة دي هنا؟”

وكان الرد مكتوب تحتها.

“علشان نفتكر إن النجاح الحقيقي يبدأ من البيت.”

في يوم من الأيام…

دخل عليا آدم.

كان بقى شاب محترم.

وقال:

“يا بابا…

في شاب جديد مقدم يشتغل عندنا.”

قلت:

“تمام.”

قال:

“بس فيه حاجة.”

رفعت رأسي.

قال:

“هو ابن خالتي دينا.”

سكت شوية.

ورجعت بظهري للكرسي.

الزمن كان كفيل يغير حاجات كتير.

قلت:

“دخله.”

دخل الشاب.

كان مرتبك.

وقف قدامي وقال:

“أنا عارف إن حضرتك ممكن ترفضني بسبب اللي حصل زمان.”

ابتسمت.

وقلت:

“الذنب عمره ما بيتورث.”

الولد رفع رأسه باستغراب.

كملت كلامي.

“اللي يحاسب على الغلط…

هو اللي عمله.

مش ولاده.”

عينه لمعت بالدموع.

وقال:

“أنا نفسي أبدأ بداية جديدة.”

مديت له إيدي.

وقلت:

“وأنا هديك الفرصة.

لكن هتثبت نفسك بشغلك.”

خرج الولد وهو مش مصدق.

آدم ابتسم.

وقال:

“كنت عارف إنك هتعمل كده.”

قلت:

“لو فضلنا نورث الكراهية…

مش هيبقى فيه عيلة.”

في المساء…

رجعت البيت.

لقيت سارة قاعدة في الجنينة.

بتشرب شاي.

ابتسمت أول ما شافتني.

وقالت:

“سرحان في إيه؟”

قعدت جنبها.

وقلت:

“بفكر إزاي ربنا غير حياتنا.”

قالت:

“يمكن علشان كنا صابرين.”

بصيت حوالي.

البيت كان مليان ضحك.

آدم بيهزر مع أخته.

وملك بتحضر العشا.

والريحة طالعة من المطبخ.

كل المشاهد البسيطة دي…

كانت زمان بالنسبة لي حلم.

مسكت إيد سارة.

وقلت:

“فاكرة أوضة السطوح؟”

ابتسمت وهي تهز رأسها.

وقالت:

“عمري ما هنساها.”

قلت:

“وأنا كمان.

علشان كل ما أشوف النعمة اللي إحنا فيها…

أفتكر إن في يوم من الأيام…

كنا بنبدأ من أوضة صغيرة…

ورغيف ناشف.”

في الليلة دي…

طلعت فوق سطح الفيلا.

نفس المكان اللي بدأت منه الحقيقة.

الأوضة كانت فاضية.

سيبتها زي ما هي.

من غير ما أجددها.

ولا أهدمها.

ولما سألني آدم بعدها:

“ليه سايبها بالشكل ده يا بابا؟”

ابتسمت.

وقلت:

“علشان تفضل شاهد…

إن الظلم مهما طال…

له آخر.

وإن الإنسان ممكن يخسر فلوسه.

ويخسر بيته.

لكن طول ما عنده حق…

ورب كريم…

هييجي اليوم اللي يسترده فيه.”

قفلت باب الأوضة بهدوء.

ونزلت.

وسبت الماضي ورايا.

ومشيت ناحية عيلتي…

لأول مرة…

من غير خوف.

ومن غير وجع.

ومن غير أي إحساس…

غير الامتنان.
قبل ما أقفل باب الشركة في آخر يوم شغل من السنة…
لقيت سكرتيرتي بتدخل عليا.
وقالت:
“يا أستاذ أحمد…
في شاب واقف بره…
بيقول إنه لازم يشوفك.”
قلت لها:
“خليه يدخل.”
دخل شاب في أواخر العشرينات.
هدومه بسيطة.
لكن نظرته كلها ثقة.
وقف قدامي.
وقال:
“حضرتك متعرفنيش…
بس أنا أعرفك.”
استغربت.
وقلت:
“اتفضل.”
طلع من جيبه ظرف صغير.
وحطه قدامي.
وقال:
“أمي طلبت مني أسلمهولك بعد وفاتها.”
فتحت الظرف.
ولقيت اسم دينا.
أختي.
كان أول مرة أشوف خط إيدها من سنين.
بدأت أقرأ.
“أحمد…
عارفة إن يمكن يكون فات الأوان.
لكن كان لازم تعرف الحقيقة كاملة.
أنا كنت ضعيفة.
وسكت لما شفت الظلم.
وسكوتي كان أكبر ذنب عملته.
أنا خسرت أمي.
وخسرت جوزي.
وخسرت أخويا.
لكن أكتر حاجة وجعتني…
إني خسرت احترام نفسي.
أنا كتبت وصية قبل ما أموت.
بعت فيها كل اللي فاضل من أملاكي.
واتبرعت بيه لمستشفى أطفال باسم آدم وملك.
يمكن ربنا يغفرلي.”
وقفت عن القراءة.
وحسيت بغصة في قلبي.
بصيت للشاب.
وقلت:
“إنت ابن دينا؟”
هز رأسه.
وقال:
“أيوه.
وأمي كانت كل يوم تقول…
لو عمك أحمد سامحني…
يبقى ربنا هيسامحني.”
قمت من مكاني.
حضنته.
وقلت:
“أمك أخطأت…
لكنها اعترفت بخطئها.
وربنا أرحم بينا كلنا.”
خرج الشاب.
وأنا بصيت من شباك المكتب.
افتكرت كل اللي عديت بيه.
الغربة.
والتعب.
وأوضة السطوح.
ورغيف العيش الناشف.
والليالي اللي كنت بنام فيها في موقع البترول…
وأحلم إني أرجع ألاقي ولادي في حضني.
ربنا استجاب لدعائي.
لكن بعد امتحان طويل.
وفي المساء…
جمعت آدم وملك وأحفادي حواليا.
وقلت لهم:
“اسمعوا مني كلمة واحدة.
لو ربنا رزقكم مال…
خلوه وسيلة للخير.
ولو رزقكم أهل…
حافظوا عليهم.
ولو حد ظلمكم…
هاتوا حقكم بالعدل.
لكن أوعوا تسمحوا للكره يعيش جواكم.
لأن الكره…
أول واحد بيحرقه…
هو صاحبه.”
سكتوا كلهم.
وآدم ابتسم.
وقال:
“إحنا أكبر ميراث ورثناه منك…
مش الشركة.
ولا الفلوس.
أكبر ميراث…
إنك علمتنا إن الكرامة ما بتتباعش.”
ابتسمت.
وحمدت ربنا.
لأن الرحلة اللي بدأت بالغربة…
انتهت بدفء بيت…
كان نفسي أرجع له من أول يوم سافرت فيه.
يتيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *