من الولاده حكـايـات أسمـا ×1
بعد ثلاثة أيام من الولادة، عدتُ إلى منزلي لأكتشف أن زوجي غير رمز الباب وسافر في إجازة مع عائلته… كان يظن أنه أغلق الباب في وجهي، لكنه لم يتخيل أبدًا أنني المالكة الوحيدة الحقيقية للمنزل
الليلة التي لم تستطع فيها فتح باب منزلها
بعد ثلاثة أيام فقط من الولادة، عادت سلمى عبدالسلام من المستشفى وهي تحمل طفلتها الرضيعة النائمة على صدرها، وحقيبة صغيرة تتدلى من ذراعها المتعبة، وقلبها لا يتمنى سوى شيء واحد.
الراحة.
كان جسدها ما يزال يؤلمها مع كل خطوة.
وشعرها مرفوعًا بعقدة مرتخية.
وفستانها متجعدًا من رحلة العودة.
وكانت أمطار يونيو الخفيفة قد بدأت تبلل كتفي سترتها.
لكن أيًا من ذلك لم يكن يهم سلمى.
لقد عادت إلى منزلها.
أو هكذا كانت تعتقد.
كان المنزل يقف في نهاية شارع هادئ بمدينة القاهرة الجديدة، تضيء نوافذه الكبيرة بدفء.
أضواء المدخل كانت مضاءة.
ونافذة غرفة الأطفال في الطابق العلوي ينبعث منها نور خافت.
الغرفة نفسها التي طلتها سلمى باللون الأخضر الفاتح بيديها وهي في شهرها الثامن من الحمل.
عدلت وضع طفلتها بحذر.
ثم أدخلت الرمز السري للباب.
أضاءت لوحة المفاتيح باللون الأحمر.
عبست سلمى.
ربما أخطأت في الضغط.
أعادت إدخال الرمز ببطء أكبر.
أحمر.
شعرت ببرودة تسري في صدرها.
جربت للمرة الثالثة.
أحمر.
أطلقت طفلتها صوتًا خافتًا وهي تستقر على كتفها.
فهزتها برفق.
وقالت هامسة:
“ما تخافيش يا حبيبتي.”
لكنها لم تكن تعرف هل كانت تطمئن طفلتها أم نفسها.
اتصلت بزوجها كريم الشاذلي.
مرة.
مرتين.
وفي المرة الثالثة أجاب أخيرًا.
كانت هناك موسيقى مرتفعة في الخلفية.
وضحكات.
وأصوات أمواج بحر.
قالت بهدوء محاولة السيطرة على ارتجاف صوتها:
“كريم… رمز الباب مش شغال.”
ساد صمت قصير.
ثم أطلق زفرة طويلة.
وقال:
“أنا غيرته.”
تجمدت سلمى في مكانها.
كانت قطرات المطر عالقة على رموشها.
وسوار المستشفى ما يزال حول معصمها.
قالت بذهول:
“غيرته وأنا في المستشفى؟”
وقبل أن يجيب…
وصلها صوت والدته من الخلف.
حادًا ومليئًا بالشماتة:
“هي واقفة برة البيت فعلًا؟”
أغلقت سلمى عينيها.
فهمت فورًا.
أما كريم فقد أصبح صوته أكثر برودة.
وقال:
“كنتِ محتاجة تتعلمي حدودك يا سلمى. أمي قالت إنك بدأتي تتصرفي وكأن البيت بيتك.”
نظرت سلمى إلى المنزل.
إلى الدرجات الرخامية.
إلى الشرفة الواسعة.
إلى المصابيح الذهبية.
إلى النوافذ الباهظة.
إلى غرفة طفلتها.
إلى المكان الذي بنته بنفسها.
إلى أقساط المنزل التي خرجت من حسابها الشخصي لسنوات.
ثم قالت بصوت خافت جدًا:
“كريم… هو فعلًا بيتي.”
ضحك.
ليس ضحكة عالية.
ولا ضحكة شريرة تكفي ليلحظها الآخرون.
فقط ضحكة صغيرة تكفي لتجعلها تشعر بأنها لا شيء.
وقال:
“بلاش نرجع للكلام ده تاني. إنتِ لسه والدة. ومتوترة ومشاعرك ملخبطة.”
في الخلفية سُمعت شقيقته ريهام الشاذلي تصرخ:
“قول لها إننا وصلنا الساحل الشمالي!”
شعرت سلمى أن معدتها تهبط من الصدمة.
وقالت:
“إنتوا سافرتوا؟”
أجاب كريم بلا مبالاة:
“أمي كانت محتاجة ترتاح بعد كل التوتر اللي سببتيه.”
ثم أضاف:
“إحنا في الساحل أسبوع كامل.”
“اقعدي عند أي صاحبة.”
“أو احجزي فندق.”
نظرت سلمى إلى طفلتها النائمة.
وقالت بصوت مكسور:
“بنتنا عمرها ثلاثة أيام بس.”
فأجاب ببرود:
“يبقى اتصرفي كأم.”
“وشوفي هتعملي إيه.”
ثم أغلق الخط.
وبقيت سلمى واقفة تحت المطر.
تحمل طفلتها الصغيرة.
أمام باب منزلها المغلق.
وفي تلك اللحظة…
لم تكن تعرف بعد أن الرجل الذي طردها من المنزل كان على وشك ارتكاب أكبر خطأ في حياته.
لأنه كان يظن أنه يملك الفيلا.
بينما الحقيقة التي لم يخبره بها أحد قط…
أن الفيلا كلها في التجمع الخامس كانت مسجلة باسم سلمى عبدالسلام وحدها.
الفصل الثاني
لم تتحرك سلمى لعدة ثوانٍ.
كانت واقفة تحت المطر.
الماء ينساب على شعرها.
وطفلتها الصغيرة تنام فوق صدرها دون أن تدرك أن عالم أمها كله انهار خلال دقيقة واحدة.
نظرت إلى شاشة الهاتف.
إلى المكالمة التي انتهت.
إلى اسم كريم الشاذلي.
زوجها.
والد طفلتها.
الرجل الذي أقسم أمام الجميع أنه سيحميها ما دام حيًا.
ثم أغلق الباب في وجهها بعد ثلاثة أيام فقط من الولادة.
شعرت بشيء بارد يتحول داخل صدرها.
لم يكن حزنًا.
الحزن جاء أولًا.
ثم الصدمة.
ثم الخذلان.
أما الآن…
فكان شيئًا آخر.
شيئًا أكثر هدوءًا.
وأخطر بكثير.
رفعت رأسها نحو الفيلا.
وتذكرت يوم اشترتها.
قبل خمس سنوات.
يوم كانت تعمل مديرة مالية لإحدى الشركات الاستثمارية الكبرى.
يوم وقفت أمام المحامي ووقعت العقود.
ويوم قال لها والدها:
“اكتبيها باسمك.”
ضحكت وقتها.
وقالت:
“أنا وكريم واحد يا بابا.”
لكن والدها أصر.
وقال جملة لم تنسها أبدًا:
“الناس الحلوة بتفضل حلوة لحد ما الفلوس تدخل بينهم.”
لذلك كُتبت الفيلا باسمها.
وحدها.
ولم يخبر والدها أحدًا.
حتى كريم نفسه.
لأن الزواج كان جديدًا.
ولأنها لم تر أهمية للموضوع.
فهي لم تتخيل يومًا أنها ستحتاج إلى إثبات أن بيتها بيتها فعلًا.
لكنها احتاجت الآن.
أخرجت هاتفها.
واتصلت بشخص واحد فقط.
المحامي الخاص بالعائلة.
الأستاذ عادل منصور.
أجاب بعد رنينتين.
وعندما سمع صوتها قال بقلق:
“سلمى؟ المفروض تكوني في المستشفى.”
قالت بهدوء غريب:
“أنا قدام الفيلا.”
“وكريم غير رمز الباب.”
ساد صمت.
ثم قال:
“إيه؟”
حكت له كل شيء.
كل كلمة.
كل تفصيلة.
كل إهانة.
حتى انتهت.
فقال الرجل بصوت منخفض:
“استني عشر دقائق.”
“ومتتحركيش من مكانك.”
بعد سبع عشرة دقيقة بالضبط…
توقفت سيارة سوداء أمام الفيلا.
خرج منها الأستاذ عادل.
وخلفه رجلان آخران.
أحدهما موثق قانوني.
والآخر خبير أقفال إلكترونية.
نظر عادل إلى سلمى.
ثم إلى طفلتها.
ثم إلى المطر.
واحمر وجهه من الغضب.
وقال:
“هو عمل كده فعلًا؟”
هزت رأسها.
فأخرج هاتفه فورًا.
واتصل برقم ما.
وبعد أقل من دقيقة قال:
“أيوة يا فندم.”
“أنا قدام العقار.”
“تمام.”
ثم أغلق الخط.
سألته سلمى:
“مين؟”
أجاب:
“رئيس مجلس إدارة الشركة اللي كنتِ شريكة فيها.”
نظرت إليه باستغراب.
فقال:
“أبوكِ الله يرحمه كان موصيني عليكِ.”
“وفي ناس كتير لسه فاكرة فضله.”
ثم التفت إلى الخبير.
وقال:
“افتح الباب.”
خلال ثلاث دقائق فقط…
كانت الفيلا مفتوحة.
دخلت سلمى.
وشعرت برائحة منزلها.
رائحة غرفة المعيشة.
ورائحة الأثاث الذي اختارته بنفسها.
ورائحة المكان الذي حمل ذكرياتها كلها.
لكنها توقفت فجأة.
لأن شيئًا ما كان مختلفًا.
كانت هناك حقائب كثيرة في المدخل.
حقائب ليست لها.
حقائب تخص والدة كريم.
وريهام.
وشقيقه الأصغر.
وأفراد العائلة الذين كانوا يعيشون معها منذ سنوات بحجة الظروف المؤقتة.
نظرت إلى عادل.
فسألها:
“العفش ده بتاع مين؟”
قالت:
“بتاعهم.”
ابتسم لأول مرة.
وقال:
“كويس.”
في الساحل الشمالي…
كان كريم مستلقيًا على أحد المقاعد الفاخرة بجوار حمام السباحة.
وكوب العصير البارد بين يديه.
بينما كانت والدته نادية الشاذلي تضحك مع مجموعة من صديقاتها.
قالت وهي تضع نظارتها الشمسية:
“دلوقتي تتعلم الأدب.”
ضحكت ريهام.
وقالت:
“أكيد قاعدة بتعيط عند أمها.”
ابتسم كريم.
وقال:
“هتهدى وترجع تعتذر.”
ثم رفع هاتفه ليلتقط صورة للعائلة.
وفي اللحظة نفسها…
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
كان رقمًا مجهولًا.
أجاب بلا اهتمام.
فجاءه صوت رجل رسمي:
“الأستاذ كريم الشاذلي؟”
“أيوة.”
“مع حضرتك مأمور تنفيذ قضائي.”
اعتدل كريم فجأة.
وقال:
“نعم؟”
فجاءه الرد الذي جعل الدم يختفي من وجهه بالكامل.
“تم إبلاغنا رسميًا بأن العقار المقيم فيه أفراد أسرتك ملك خاص للسيدة سلمى عبدالسلام.”
“وبناءً على طلب المالكة سيتم إخلاء جميع الممتلكات التابعة للضيوف غير المالكين.”
تجمد كريم.
وقال بحدة:
“إيه الكلام الفارغ ده؟”
فأجاب الرجل:
“العقار مسجل باسم السيدة سلمى عبدالسلام منذ خمس سنوات.”
“وتم مراجعة الأوراق.”
“وكل شيء قانوني.”
شحب وجه كريم بالكامل.
وأحس لأول مرة أن شيئًا كارثيًا يحدث.
في نفس اللحظة…
كانت سلمى تجلس في غرفة طفلتها.
تطعمها بهدوء.
بينما العمال ينقلون حقائب عائلة الشاذلي إلى المخزن الخارجي.
دخل الأستاذ عادل.
ووضع ملفًا ضخمًا أمامها.
قالت:
“إيه ده؟”
أجاب:
“كل الأوراق.”
“الفيلا.”
“الأرض.”
“الاستثمار.”
“الحسابات المشتركة.”
ثم نظر إليها طويلًا.
وأضاف:
“وفي حاجة تانية لازم تعرفيها.”
رفعت عينيها نحوه.
فقال:
“كريم سحب خلال السنة الأخيرة مبالغ ضخمة من الشركة اللي أنتِ المالكة الرئيسية فيها.”
اختفت الابتسامة من وجهها.
وقالت:
“كام؟”
فتح الملف.
وأدار إحدى الصفحات نحوها.
ثم قال:
“أكتر من خمسة وعشرين مليون جنيه.”
شعرت سلمى وكأن الأرض تحركت تحت قدميها.
وقالت بصوت بالكاد خرج:
“مستحيل.”
أجاب عادل:
“للأسف.”
“وده مجرد اللي عرفنا نوثقه لحد دلوقتي.”
نظرت إلى طفلتها النائمة.
ثم إلى الأوراق.
ثم إلى المطر خلف النافذة.
وأدركت فجأة…
أن تغيير رمز الباب لم يكن المشكلة.
كان مجرد بداية الحقيقة.
الحقيقة التي ستكشف أن زوجها وعائلته لم يحاولوا فقط طردها من منزلها…
بل كانوا ينهبون حياتها كلها منذ سنوات.
وفي تلك اللحظة…
اتخذت سلمى القرار الذي سيقلب حياة آل الشاذلي رأسًا على عقب.
قرارًا سيجعل كريم يتمنى لاحقًا لو أنه لم يغير رمز الباب أبدًا.
يتبع…

