يعد الوفاه حكـايـات أسمـا ×2
جلست على طرف السرير طوال الليل.
الفلاشة فوق الطاولة.
والصورة بين يدي.
كلما نظرت إلى وجه سارة في الصور المعلقة على الحائط، كنت أشعر أن شيئًا ما بداخلي ينهار.
طوال ثلاثة أسابيع كنت أبكي زوجتي.
أما الآن…
فقد بدأت أخاف عليها.
أخاف أن تكون قد ماتت وهي تعرف أن أحدًا يطاردها.
وأنني لم أفهم الإشارات التي حاولت إرسالها لي.
مع أذان الفجر…
أوصلت ريم إلى بيت الحاجة أمينة.
ثم ذهبت إلى محل كمبيوتر صغير بعيد عن الحي.
لم أرد أن يعرف أحد ماذا أفعل.
أدخلت الفلاشة.
ظهرت مجلدات كثيرة.
فواتير.
كشوف حسابات.
صور.
وتسجيلات صوتية.
لكن ملفًا واحدًا كان مكتوبًا عليه:
“افتحه لو حصل لي حاجة.”
ضغطت عليه.
فظهر وجه سارة على الشاشة.
كانت جالسة داخل سيارتها.
عيناها حمراوان من البكاء.
وقالت:
“أحمد… لو أنت بتشوف الفيديو ده، يبقى أنا غالبًا مش موجودة.”
شعرت بقلبي يتوقف.
أكملت بصوت مرتعش:
“أنا اكتشفت إن في شبكة كاملة بتسرق فلوس التبرعات الخاصة بالأطفال.”
ثم بدأت تعرض أوراقًا ومستندات أمام الكاميرا.
“الاسم اللي بيدير كل حاجة هو ريهام الشاذلي.”
توقفت لثوانٍ.
ثم أضافت:
“لكن ريهام مش لوحدها.”
ظهرت صورة أخرى.
وكان بجوار ريهام رجل الأعمال المعروف كمال الدهبي.
أحد أكبر المتبرعين للحضانة.
ورجل له نفوذ واسع جدًا.
ثم قالت سارة:
“الفلوس كانت بتدخل باسم الأطفال المرضى وتخرج لحسابات خاصة.”
شعرت بالغثيان.
لكن الصدمة الحقيقية جاءت بعدها.
قالت:
“وفي أطفال مسجلين في الأوراق إنهم بيتعالجوا… رغم إن بعضهم مات من سنين.”
أغلقت عيني للحظة.
لم أستطع التنفس.
—
قضيت ساعات أراجع الملفات.
كل ملف كان أسوأ من الذي قبله.
مبالغ بالملايين.
تزوير.
رشاوى.
توقيعات مزورة.
وكل شيء موثق.
في نهاية أحد التسجيلات سمعت صوت رجل يقول:
“لو الست دي ما سكتتش… هنعرف نسكتها.”
عرفت الصوت فورًا.
الرائد سامح.
الرجل الذي حضر جنازة زوجتي.
الرجل الذي صافحني وقال:
“البقاء لله.”
في تلك اللحظة فقط…
فهمت لماذا كانت سارة خائفة.
—
عدت إلى المنزل قبل المغرب.
فوجدت سيارة سوداء متوقفة أمام العمارة.
رجلان يقفان بجوارها.
وعندما رآني أحدهما أمسك هاتفه فورًا.
وتظاهر أنه يتحدث.
لكنني كنت أعرف أنهم يراقبونني.
صعدت الشقة بسرعة.
وأغلقت الباب.
وبدأت أجمع كل الملفات.
ثم أرسلت نسخًا منها إلى عدة أماكن.
صحفيين.
محامين.
ومنظمات رقابية.
لم أعد أثق بأحد.
لو اختفت نسخة…
ستبقى عشرات النسخ الأخرى.
—
في منتصف الليل تقريبًا…
استيقظت على صوت كسر زجاج.
قفزت من سريري.
وجدت نافذة الصالة محطمة.
وحجرًا كبيرًا على الأرض.
ومربوطًا به ورقة.
فتحتها.
كانت تحتوي على أربع كلمات فقط:
“اسكت… عشان بنتك.”
شعرت بالدم يغلي في عروقي.
لكن قبل أن أفعل أي شيء…
سمعت صوت ريم تبكي من غرفتها.
ركضت إليها.
وجدتها جالسة في السرير.
وترتجف.
قالت:
— بابا… ماما زعلانة.
احتضنتها بسرعة.
— ليه يا حبيبتي؟
رفعت رأسها الصغير.
وقالت شيئًا جعلني أتجمد:
— لأنها قالتلي الراجل اللي خد الملف لسه بييجي الحضانة.
حدقت فيها.
— مين قالك كده؟
— ماما.
أغلقت عيني للحظة.
كنت أعرف أنها طفلة.
وأنها تتخيل أمها كثيرًا.
لكن الغريب أن ريم لم تكن تعرف أصلًا بوجود ملف.
ولا أخبرتها بأي شيء.
أبدًا.
—
في اليوم التالي ذهبت للحضانة.
ليس كأب هذه المرة.
بل كرجل يبحث عن قاتل زوجته.
استقبلتني ريهام بابتسامة متوترة.
لكنها اختفت عندما أخرجت الصورة من جيبي.
وضعتها أمامها.
وسألت بهدوء:
— تحبي تقوليلي الصورة دي كانت في بيت مراتي ليه؟
شحب وجهها فورًا.
وقالت:
— اطلع بره.
ابتسمت لأول مرة منذ وفاة سارة.
وقلت:
— خلاص… الشرطة والصحافة هيبقوا هنا خلال ساعات.
ارتجفت يدها.
وعرفت وقتها أن سارة كانت تقول الحقيقة.
كلها.
لكنني لم أكن أعلم أن ما سيحدث بعد ذلك سيكشف سرًا أخطر بكثير…
سرًا لم يكن متعلقًا بالفلوس.
ولا بالحضانة.
ولا حتى بموت سارة.
بل بطفلة صغيرة اسمها ريم…
كانت تعرف أكثر مما يتخيل أي شخص.
