خنت زوجتي حكايات اسما ×6
الفصل السادس
“سارة!”
صرخت باسمها وأنا أجري ناحية الطريق.
لكن السيارة السوداء كانت أسرع.
بكتير.
في ثواني قليلة اختفت وسط الضباب والدخان.
وقفت في منتصف الطريق.
صدري بيطلع وينزل بعنف.
والنار ورايا بتاكل جزء من المخزن.
أما قدامي…
فكان الفراغ.
فراغ أسود ابتلع العربية.
وربما ابتلع سارة معها.
وصل المحامي عادل وندى وكريم ورايا.
أمسكني المحامي من كتفي.
ـ خلاص.
مش هتلحقها دلوقتي.
كنت عايز أركب العربية وأجري وراها.
لكن عقلي بدأ يستوعب حاجة مهمة.
لو هشام فعلًا عايز يق*تل سارة…
ما كانش هيوريني العربية.
كان هيخفيها.
لكن هو حرص إني أشوف.
حرص إني أتوتر.
حرص إني أتحرك.
يعني لسه بيلعب.
ولسه عايز مني حاجة.
رجعنا بعيد عن النار.
وفتحنا اللابتوب داخل عربية المحامي.
كانت الفلاشة قدامنا.
أصغر من إنها تحمل كل الرعب ده.
أدخلها كريم في الجهاز.
ظهرت ملفات كثيرة.
صور.
تسجيلات.
عقود.
رسائل.
ومجلد واحد اسمه:
“الحقيقة.”
ضغط عليه.
فتح ملف فيديو.
الصورة كانت لرجل عجوز.
قاعد في مكتب قديم.
شعره أبيض.
ملامحه متعبة.
لكنني عرفته فورًا.
أبو هشام.
الفيديو واضح إنه متسجل قبل موته بفترة قصيرة.
الرجل بص للكاميرا مباشرة.
وقال:
“لو حد بيتفرج على الفيديو ده، يبقى معناه إن حاجات كتير خرجت عن السيطرة.”
سكت لحظة.
وأكمل:
“أنا فؤاد منصور… والد هشام.”
بصيت لأبو هشام في الشاشة.
ولأول مرة شفته بعيدًا عن ذكريات الطفولة.
بعيدًا عن الحكايات.
إنسان حقيقي.
مرهق.
مكسور.
قال:
“فيه أكاذيب عشنا بيها سنين.”
اتجمدنا كلنا.
وأكمل:
“وأكبر كذبة إن عبد الحميد الشاذلي سرقني.”
عبد الحميد.
اسم أبويا.
رفعت رأسي بسرعة.
الفيديو استمر.
“عبد الحميد ما سرقنيش.”
ساد الصمت داخل العربية.
حتى أنفاسنا وقفت.
“المشروع فشل بسبب قراراتي أنا.”
اتسعت عيني.
وأكمل الرجل:
“أنا اللي خاطرِت زيادة.”
“أنا اللي وقعت على أوراق غلط.”
“أنا اللي خسرت.”
حسيت بقشعريرة.
كل الحكاية اللي هشام عاش عمره مقتنع بيها…
طلعت كذبة.
أو بالأصح…
وهم.
لكن الصدمة الأكبر كانت لسه جاية.
قال الرجل:
“المشكلة الحقيقية عمرها ما كانت الفلوس.”
ثم فتح درجًا أمامه.
وأخرج صورة قديمة.
صورة لشابة جميلة.
أوقف كريم الفيديو للحظة.
ندى شهقت.
أما أنا فاتجمدت.
لأن الشابة دي…
كانت نسخة طبق الأصل من سارة.
نفس العينين.
نفس الابتسامة.
نفس الملامح.
قلت ببطء:
ـ دي مين؟
أعاد كريم تشغيل الفيديو.
قال أبو هشام:
“اسمها ليلى.”
“أخت أم سارة.”
اتسعت عيناي.
وأكمل:
“أنا حبيتها أكتر من نفسي.”
سكت لحظة.
ثم قال:
“لكنها ماتت بسببي.”
شعرت ببرودة في أطرافي.
الفيديو استمر.
وقص الحكاية.
من أكثر من ثلاثين سنة.
كان يحب ليلى بجنون.
وكان ينوي الزواج منها.
لكن في ليلة معينة…
حدث حادث سيارة.
كان هو السائق.
وكان مخمورًا.
الحادث قت/ل ليلى.
ودمر حياته.
ولأن الحقيقة كانت صعبة…
هرب منها.
أقنع نفسه أن الدنيا ظلمته.
أقنع نفسه أن كل شيء ضاع بسب الآخرين.
ثم مع الوقت…
بدأ يصدق كذبته الخاصة.
قال في الفيديو:
“لما شفت بنت أختها بعد سنين…”
“شفت نفس الوجه.”
“ونفس الضحكة.”
“ونفس العيون.”
“وخفت.”
سكت.
وأكمل:
“وخفت أكتر لما شفت هشام بيبص لها بنفس الطريقة اللي كنت ببص بيها لليلى.”
شعرت بأنفاسي تتثاقل.
قال الرجل:
“عرفت ساعتها إن التاريخ هيعيد نفسه.”
ثم نظر مباشرة للكاميرا.
وقال:
“لو هشام بيشوف الفيديو ده…”
سكت.
“اسمعني.”
“سارة مش ليلى.”
“ومش ملكك.”
“ومش تعويض عن أي حاجة ضاعت.”
“سيبها تعيش.”
لكن الفيديو انتهى.
ساد الصمت.
صمت طويل.
مرعب.
ندى كانت أول من تكلم.
ـ يعني هشام عرف الحقيقة؟
كريم فتح الملفات التالية.
وبدأ يبحث.
بعد دقائق قال:
ـ لأ.
واضح إنه ما شافش الفيديو.
رفعنا رؤوسنا.
قال:
ـ الملف متخزن هنا فقط.
ومفيش أي دليل إنه اتفتح قبل كده.
يعني هشام عاش كل السنين دي.
وهو مقتنع بروايته الخاصة.
رواية الانتقام.
رواية الاستحقاق.
رواية أن سارة شيء ضاع من عائلته.
ويجب استرداده.
لكن فجأة…
ظهر ملف آخر.
ملف صوتي.
اسمه:
“إذا وصلتوا لهنا.”
فتحناه.
وجاء صوت امرأة.
صوت ضعيف.
مرتعش.
لكنني عرفته.
سارة.
شهقت.
وأكملت هي:
“لو حد بيسمع التسجيل ده، يبقى أنا غالبًا في خطر.”
شعرت أن قلبي توقف.
قالت:
“أنا اكتشفت الحقيقة كاملة من شهور.”
“وعرفت إن هشام بيراقبني.”
“وعرفت كمان إن فيه حد تاني أخطر منه.”
نظرنا لبعضنا.
أخطر منه؟
ما معنى ذلك؟
أكملت سارة:
“في البداية افتكرت إن هشام هو اللي بيحرك كل حاجة.”
“لكن بعدين فهمت إنه بيتحرك هو كمان.”
اتجمدت.
“في شخص بيدفعه.”
“بيغذي جنونه.”
“وبيستخدمه.”
أمسك المحامي بذراع الكرسي بقوة.
أما أنا فشعرت أن الدنيا تميد.
من يمكن أن يكون؟
قالت سارة:
“الشخص ده قريب جدًا.”
“قريب لدرجة إن رامي عمره ما هيشك فيه.”
نظرت لندى.
ثم للمحامي.
ثم لكريم.
كل واحد منا بدأ يفكر.
لكن التسجيل لم ينته.
قالت:
“وأخطر حاجة اكتشفتها…”
توقفت.
سمعنا صوت تنفسها.
ثم قالت:
“إن الشخص ده كان موجود يوم وفاة ليلى.”
شعرت بقشعريرة عنيفة.
وأكملت:
“والحقيقة اللي اتدفنت من ثلاثين سنة…”
“هي السبب الحقيقي لكل اللي بيحصل دلوقتي.”
ثم انقطع التسجيل فجأة.
وكأنه قُطع عمدًا.
نظرنا للشاشة.
لا شيء.
انتهى.
قلت:
ـ فين باقيه؟
بدأ كريم يبحث بسرعة.
لكن الملف كان ناقصًا.
جزء منه محذوف.
أو تالف.
وفي تلك اللحظة بالضبط…
رن هاتفي.
الجميع نظر إلي.
الشاشة أظهرت اسمًا واحدًا.
هشام.
ساد الصمت.
رددت المكالمة.
جاء صوته هادئًا بشكل مخيف.
ـ مساء الخير يا رامي.
قلت ببرود:
ـ فين سارة؟
ضحك.
ـ سؤال متوقع.
صرخت:
ـ فين هي؟
قال:
ـ قبل ما أسألك… لقيت الفلاشة؟
اتجمدت.
إذًا هو يعرف.
يعرف أننا وصلنا لها.
قال:
ـ أكيد شوفت الفيديو.
أبويا كان بريء.
أبويا كان ضحية.
مش كده؟
لم أرد.
فأكمل:
ـ تخيل إحساسك لما تكتشف إن حياتك كلها مبنية على كذبة.
سكت.
ثم أضاف بصوت منخفض:
ـ أنا حسيت بالإحساس ده من أسبوع بس.
تجمدت.
ـ إيه؟
ضحك ضحكة قصيرة.
ـ أخيرًا بدأت تقرب من الحقيقة.
شعرت أن شيئًا ما خطأ.
شيء كبير جدًا.
قال:
ـ تعرف المشكلة يا رامي؟
إني لما عرفت الحقيقة…
ما بطلتش.
بل بالعكس.
بقيت أخطر.
ثم ساد صمت قصير.
وأضاف:
ـ لأن اللي قت/ل ليلى فعلًا…
لسه عايش.
اتسعت عيناي.
وتجمد الدم في عروقي.
قال بهدوء:
ـ وإنت تعرفه كويس جدًا.
ثم أغلق الخط.
وظل صوت الجملة الأخيرة يتردد في رأسي.
“اللي ق*تل ليلى فعلًا… لسه عايش.”
وفي تلك اللحظة فقط…
بدأت أشك في أشخاص لم أتخيل يومًا أن أشك فيهم.
يتبع