بعد 3 سنين حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الرابع
ساد الصمت داخل الطائرة لثوانٍ طويلة.
لكنها كانت كافية لتغيير كل شيء.
عمر كان جالسًا ووجهه شاحب.
وليلى تنظر إليه وكأنها لا تعرفه.
أما أنا…
فكنت أنظر من نافذة الطائرة إلى القصر الذي قضيت فيه سنوات من عمري.
وأدركت أنني لم أشعر بالحزن.
ولا حتى بالغضب.
كنت فقط متعبة.
متعبة من حمل أشياء لم تكن مسؤوليتي أصلًا.
—
قطع المحامي الصمت.
وقال:
“الجهة الرقابية جمعت أدلة قوية.”
“والتحقيقات مستمرة من شهور.”
رفعت رأسي.
“ومن شهرين ما حدش بلغني؟”
تردد للحظة.
ثم قال:
“لأننا كنا بنحاول نتأكد الأول.”
“ولأن كل المستندات كانت بتشير إلى إن حضرتك بعيدة تمامًا عن الموضوع.”
—
تنهدت.
ثم نظرت إلى عمر.
“يعني وأنت عارف إن عندك مشاكل مالية…”
“قررت ترجع ومعاك زوجة جديدة؟”
خفض عينيه.
ولم يجب.
—
أما ليلى…
فجلست فجوار الباب وكأنها فقدت توازنها.
وقالت بصوت مكسور:
“أنا كنت فاكرة إني بحب راجل ناجح.”
“طلع حتى النجاح مش بتاعه.”
—
في تلك اللحظة…
رن هاتف المحامي.
استمع للحظات.
ثم تغيرت ملامحه.
وأغلق الخط.
—
سألته:
“إيه اللي حصل؟”
قال:
“في خبر جديد.”
—
شعرت أن قلبي انقبض.
لكن ما قاله بعدها…
فاجأ الجميع.
—
“تم تجميد أربع شركات.”
—
شهقت ليلى.
أما عمر فرفع رأسه فجأة.
“إيه؟!”
—
قال المحامي:
“وفيه شركاء انسحبوا.”
“وبنكين وقفوا التسهيلات الائتمانية.”
—
كان واضحًا أن الانهيار بدأ.
ليس غدًا.
ولا الأسبوع القادم.
بل الآن.
في هذه اللحظة.
—
وفجأة…
قال عمر لأول مرة:
“أنا غلطت.”
—
التفتنا جميعًا نحوه.
وأكمل بصوت منخفض:
“بس مش بالطريقة اللي فاكرينها.”
—
عقدت حاجبي.
“يعني إيه؟”
—
رفع رأسه.
وعيناه كانتا ممتلئتين بشيء لم أره فيه من قبل.
الندم.
—
وقال:
“أنا ما سرقتش الفلوس.”
—
ساد الصمت.
—
ثم أضاف:
“أنا كنت بحاول أغطي خسارة قديمة.”
—
اقترب المحامي.
“أي خسارة؟”
—
أغلق عمر عينيه.
وقال:
“من ثلاث سنين.”
“وأنا برة مصر.”
“دخلت صفقة ضخمة.”
“وخسرت فيها تقريبًا كل السيولة.”
—
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
—
لأن هذا كان نفس الوقت الذي كنت أعمل فيه ليل نهار لإنقاذ شركاته.
—
وأكمل:
“كنت مفلس تقريبًا.”
“بس ما قدرتش أعترف.”
—
نظر إليّ.
وقال:
“كنتِ هتكتشفي الحقيقة.”
—
ضحكت بمرارة.
“فقررت تخون بدل ما تعترف؟”
—
لم يرد.
لأنه لا يوجد رد.
—
لكن المفاجأة الأكبر جاءت من ليلى.
—
وقفت فجأة.
وأخرجت هاتفها.
وقالت:
“يبقى لازم أقول الحقيقة أنا كمان.”
—
نظر الجميع إليها.
—
وقالت:
“أنا ما عرفتش عمر صدفة.”
—
تجمد المكان.
—
وأكملت:
“أنا كنت شغالة مع شركة منافسة.”
—
رفع المحامي رأسه بسرعة.
—
أما عمر…
فبدا وكأنه يعرف ما ستقوله.
—
ثم قالت الجملة التي قلبت الطاولة على الجميع:
“في البداية… كان المطلوب مني أقرب منه.”
“وأعرف أسراره.”
“وبعدين أبلغهم.”
—
اتسعت عيني.
—
أما عمر…
فأخفض رأسه.
—
وقالت ليلى:
“لكن بعد فترة…”
“خرج الموضوع عن السيطرة.”
—
صمتت لحظة.
ثم همست:
“وأنا كمان بقيت ضحية.”
—
ساد الصمت.
—
لأن الحقيقة أصبحت أوضح من أي وقت.
—
لم يكن هناك منتصر.
ولا رابح.
—
مجموعة من القرارات الخاطئة.
والكذب.
والغرور.
والخوف.
—
هي التي أوصلت الجميع إلى هنا.
—
لكن قبل أن يتحدث أحد…
دخل أحد أفراد الأمن إلى الطائرة بسرعة.
وقال:
“دكتورة سارة…”
—
التفتُّ إليه.
—
فقال:
“فيه موكب جاي من القاهرة.”
—
“موكب مين؟”
—
ابتلع ريقه.
ثم قال:
“والد حضرتك.”
—
تجمدت في مكاني.
—
لأن والدي لم يتدخل أبدًا.
ولا مرة.
خلال سنوات زواجي كلها.
—
وإذا كان قادمًا بنفسه الليلة…
فهذا يعني أن هناك سرًا آخر.
سرًا لم أعرفه بعد.
—
وعندما هبطت الطائرة بعد ساعة…
ورأيت سيارة والدي تنتظر على المدرج الخاص…
عرفت من ملامح وجهه فقط…
أن الليلة لم تنتهِ بعد.
وأن الحقيقة الأكبر…
كانت تنتظرني عند باب السيارة.
يتبع…
الفصل الخامس
نزلت من الطائرة.
والهواء الليلي البارد ضرب وجهي.
لكن اللي جمد الدم في عروقي فعلًا…
كان شكل والدي.
عمري ما شفته بالشكل ده.
لا في أزمة مالية.
ولا في وفاة قريب.
ولا حتى يوم مرضت أمي.
كان واقف جنب السيارة.
ظهره مستقيم كالعادة.
لكن عينيه…
كان فيهم شيء ثقيل.
شيء جعل قلبي ينقبض فورًا.
—
اقتربت منه.
وقلت:
“خير يا بابا؟”
بصلي لثواني طويلة.
ثم قال:
“اركبي.”
بس.
ولا كلمة زيادة.
—
طول الطريق…
كان الصمت سيد الموقف.
وأخيرًا سألته:
“في إيه؟”
تنهد.
ثم فتح درجًا صغيرًا داخل السيارة.
وأخرج ملفًا قديمًا.
أصفر من الزمن.
—
وضعه في حضني.
وقال:
“كان لازم تعرفي من زمان.”
—
فتحت الملف.
وفي أول صفحة…
شفت صورة قديمة.
صورة لعمر.
لكن عمر أصغر بسنوات.
واقف جنب والدي.
—
عقدت حاجبي.
“الصورة دي إيه؟”
—
قال بهدوء:
“قبل جوازكم بسنة.”
—
قلبت الصفحة.
فوجدت عقودًا.
ومستندات.
وتقارير مالية.
—
ثم وصلت إلى صفحة معينة.
وتوقفت أنفاسي.
—
لأن اسم عمر كان مكتوبًا فيها.
وبجواره عنوان كبير:
“طلب شراكة مرفوض.”
—
رفعت رأسي بسرعة.
“إيه ده؟”
—
أجاب والدي:
“أول مرة عمر جه يقابلني…”
“ما كانش جاي يطلب إيدك.”
—
شعرت وكأن أحدهم سحب الأرض من تحتي.
—
“كان جاي يطلب استثمار.”
—
ساد الصمت.
—
وأكمل:
“كان عايز تمويل.”
“وشركاته وقتها كانت في أزمة.”
—
لم أستطع الكلام.
—
قال:
“أنا رفضت.”
—
ثم نظر إليّ.
وأضاف:
“وبعدها بشهور بدأ يقرب منك.”
—
أغلقت الملف ببطء.
—
لأول مرة منذ بدأت الأزمة…
شعرت بألم حقيقي.
—
لأن الخيانة لما تكون من زوج…
بتوجع.
—
لكن لما تكتشفي إن بداية القصة كلها كانت كذبة…
فده شيء تاني.
—
همست:
“إنت تقصد إنه اتجوزني علشان الفلوس؟”
—
أغمض والدي عينيه للحظة.
—
وقال:
“في الأول؟”
“أيوه.”
—
سقطت الدموع من عيني دون أن أشعر.
—
لكن والدي أكمل:
“بس الحقيقة كاملة مش كده.”
—
التفتُّ إليه.
—
فقال:
“لأنه بعد كده وقع في حبك فعلًا.”
—
ضحكت بمرارة.
—
“حب؟”
“والحب بيبقى كده؟”
—
هز رأسه.
—
“لا.”
“بس الناس أحيانًا بتضيع بين الطمع والخوف.”
—
ثم أشار إلى الملف.
—
“كملي.”
—
فتحت الصفحة التالية.
—
وكانت هناك رسالة.
مكتوبة بخط عمر.
منذ أكثر من عشر سنوات.
—
رسالة لم تُرسل أبدًا.
—
بدأت أقرأ.
—
“الأستاذ كامل الكيلاني…”
“أنا عارف إن حضرتك شايفني شخص بيجري ورا مصلحته.”
“ويمكن تكون عندك حق.”
“لكن بنتك مختلفة.”
“ولأول مرة في حياتي…”
“بقيت خايف أخسر حد أكتر من خوفي من الفشل.”
—
توقفت.
—
وشعرت بقلبي يختنق.
—
لأن الخطاب كان قديمًا جدًا.
—
قبل الجواز.
—
قبل كل شيء.
—
وأكملت القراءة.
—
“لو وافقت على جوازي منها…”
“أو ما وافقتش…”
“أنا هحاول أبقى الشخص اللي تستحقه.”
—
أغلقت الرسالة.
—
ولم أعرف ماذا أشعر.
—
غضب؟
حزن؟
شفقة؟
—
كل شيء اختلط ببعضه.
—
لكن قبل أن أتكلم…
رن هاتف والدي.
—
استمع لثوانٍ.
ثم تغير وجهه فجأة.
—
وأغلق الخط.
—
قلت بسرعة:
“في إيه؟”
—
نظر إليّ.
—
وقال:
“عمر اختفى.”
—
تجمدت.
—
“إزاي يعني اختفى؟”
—
أجاب:
“ساب الفندق.”
“وساب موبايله.”
“واختفى من ساعة.”
—
ساد الصمت داخل السيارة.
—
ثم قال والدي الجملة التي جعلت قلبي يتوقف:
“وساب رسالة واحدة بس.”
—
“بتقول إيه؟”
—
نظر إليّ مباشرة.
—
وقال:
“بتقول…”
“قولوا لسارة تدور على الحقيقة في المكان اللي بدأنا منه.”
—
وفي اللحظة نفسها…
عرفت المكان فورًا.
—
المطعم الصغير القديم.
—
المكان الذي شهد أول لقاء بيننا قبل عشر سنوات.
—
والمكان الذي كنت أعتقد أن ذكرياته ماتت للأبد.
—
لكن يبدو…
أن أسرار عمر لم تنتهِ بعد.
يتبع…
الفصل السادس
وصلت المطعم قبل منتصف الليل بدقائق.
المكان كان شبه فاضي.
نفس الطاولات الخشبية القديمة.
نفس الصور المعلقة على الحيطان.
حتى الموسيقى الهادية اللي كانت شغالة أول يوم شفت فيه عمر…
كانت شغالة الليلة.
كأن الزمن رجع عشر سنين لورا.
—
وقفت في نص المكان.
وبصيت حواليّ.
مافيش أثر لعمر.
ولا أي رسالة.
ولا أي حاجة.
—
كنت على وشك أمشي.
لكن صاحب المطعم العجوز خرج من مكتبه أول ما شافني.
وقال:
“أخيرًا جيتي.”
—
تجمدت.
“حضرتك كنت مستنيني؟”
—
هز رأسه.
ثم مد إيده بمظروف أبيض.
وقال:
“سابه من ساعتين.”
—
أخدت المظروف بسرعة.
وكان مكتوب عليه بخط عمر:
“لسارة فقط.”
—
فتحت الرسالة.
وبدأت أقرأ.
—
“لو بتقري الرسالة دي…”
“يبقى أنا مشيت.”
—
أغمضت عيني للحظة.
وأكملت.
—
“قبل ما تكرهيني أكتر…”
“في حاجة لازم تعرفيها.”
—
“أنا فعلًا قربت منك أول مرة علشان مصلحة.”
—
شعرت بقبضة تعتصر قلبي.
لكنني واصلت القراءة.
—
“ودي أكبر غلطة عملتها في حياتي.”
—
“لأنني بعد ما عرفتك…”
“ما قدرتش أخرج.”
—
“كل مرة كنت أحاول أبعد…”
“كنت برجع.”
—
“وكل مرة كنت أقول هقولك الحقيقة…”
“كنت بخاف.”
—
“مش علشان أخسرك كشريكة.”
—
“علشان أخسرك إنتِ.”
—
سقطت دمعة على الورقة.
—
وأكملت.
—
“أنا عارف إن الكلام ده متأخر.”
“ومتأكد إنه مش هيغير حاجة.”
—
“بس فيه شيء واحد ما كذبتش فيه أبدًا.”
—
“أنا حبيتك.”
—
أغلقت الرسالة للحظة.
—
وشعرت بألم غريب.
—
لأن بعض الاعترافات…
تيجي بعد ما يكون كل شيء انتهى.
—
لكن كان هناك ورقة ثانية داخل المظروف.
—
فتحتها.
—
وكانت خريطة.
—
خريطة لمزرعة قديمة خارج القاهرة.
—
وفي أسفلها جملة قصيرة:
“هناك ستجدين الحقيقة الأخيرة.”
—
بعد ساعتين…
كنت أقف أمام مزرعة مهجورة.
—
السماء كانت مظلمة.
والهواء بارد.
—
وبجواري والدي.
وعمر ما زال مختفيًا.
—
فتح الحارس البوابة الحديدية.
—
ودخلنا.
—
وفي منتصف الأرض…
كان هناك مبنى صغير.
—
وبداخله…
وجدت الصدمة الأكبر.
—
كل ملفات شركات عمر.
—
كل الحسابات.
—
كل العقود.
—
كل شيء.
—
مرتب بعناية.
—
وكأن شخصًا كان يستعد لمحاكمة نفسه.
—
ثم رأيت ملفًا أحمر مختلفًا عن الباقي.
—
فتحت الملف.
—
وتوقفت أنفاسي.
—
لأن العنوان كان:
“أموال سارة.”
—
بدأت أقلب الصفحات بسرعة.
—
وكل صفحة كانت تكشف شيئًا جديدًا.
—
استثمارات.
—
عقارات.
—
أسهم.
—
حسابات.
—
كلها مسجلة باسمي.
—
وقيمتها تتجاوز المليار جنيه.
—
رفعت رأسي بصدمة.
—
“إيه ده؟”
—
نظر والدي في الأوراق.
—
ثم قال بصوت منخفض:
“يا نهار أبيض…”
—
في آخر الملف…
كانت رسالة جديدة.
—
“سارة…”
“الأموال دي مش من فلوسك.”
—
“دي أرباح استثمارات عملتها باسمك من أول سنة جواز.”
—
“كل حاجة كنت بكسبها…”
“كنت بحط جزء منها هنا.”
—
“يمكن علشان ضميري.”
—
“ويمكن علشان كنت عارف إني يوم ما أقع…”
“لازم تكوني محمية.”
—
شعرت بالدوار.
—
لأن الصورة التي رسمتها له طوال الأيام الماضية…
بدأت تتشقق.
—
كان مخطئًا.
—
وخائنًا.
—
وجبانًا.
—
لكن في نفس الوقت…
لم يكن الوحش الذي تخيلته.
—
ثم وصلت إلى آخر سطر.
—
السطر الذي جعل قلبي يتوقف.
—
“لما تخلصي قراءة الملف…”
“ابصي وراكي.”
—
تجمدت.
—
ثم استدرت ببطء.
—
وكان واقفًا هناك.
—
عمر.
—
متعب.
—
مرهق.
—
ولأول مرة منذ عرفته…
بلا أقنعة.
—
بلا نفوذ.
—
بلا غرور.
—
فقط رجل خسر كل شيء تقريبًا.
—
ونظر إليّ.
—
وقال بهدوء:
“أخيرًا عرفتي الحقيقة كلها.”
—
ساد الصمت بيننا.
—
صمت طويل.
—
ثم سألته السؤال الوحيد الذي كان يحرقني من الداخل:
“ليه؟”
—
أخفض رأسه.
—
وقال:
“لأنني كنت أضعف من أن أقول الحقيقة…”
“وأغبى من أن أحافظ على النعمة اللي كانت عندي.”
—
ولأول مرة…
لم يكن عندي رد.
—
لأن بعض النهايات…
لا تنتهي بكراهية.
—
بل بحزن.
—
حزن على ما كان يمكن أن يكون.
يتبع…