تعب العمر حكايات اسما
ضحيت بشبابي لتربية إخوتي الخمسة بعد وفاة والدينا وفي يوم قال لي خطيبي: لقيت حاجة في أوضة أختك الصغيرة… أرجوكِ ما تصرّخيش وما تكلميش الشرطة…عندي خمسة إخوات ولدين وثلاث بنات.
أصغرهم الآن عمرها 13 سنة، لكن كلما أغمضت عيني ما زلت أراها تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تتعلق بي وهي بعمر السنة.
قبل حوالي 12 سنة، توفي والدانا.
كانا يعبران الشارع في وضح النهار، عند ممر المشاة في إحدى شوارع الإسكندرية، عندما صدمتهما سيارة يقودها شاب مخمور.
في لحظة واحدة… خسرناهما معًا.
كنت قد أتممت عامي الثامن عشر للتو..قالوا إنني أصبحت كبيرة بما يكفي للتصويت… وكبيرة بما يكفي لأقرر مصير عائلتي.
أتذكر الأخصائية الاجتماعية وهي تقلب الأوراق أمامها وتقول: انتوا لسه أطفال… يمكن دار الرعاية تكون الحل الأفضل.
لكن عندما نظرت إلى أخي الصغير، الذي كان عمره وقتها 9 سنوات، وهو يحاول تهدئة أختنا الرضيعة… عرفت أن هناك قرارًا واحدًا فقط أستطيع التعايش معه.
منذ تلك اللحظة، أصبحت كل شيء بالنسبة لهم.
الأخت… والأم… والأمان.
تعلمت كيف أضفر الشعر قبل شروق الشمس، وكيف أتحسس الجباه ليلًا لأطمئن إن كان أحدهم مريضًا…ترك لنا والدانا بعض المال، كان يكفينا بالكاد في البداية.
تخليت عن حلم الجامعة، وبدلًا من ذلك عملت من المنزل عبر الإنترنت لأبقى بجانب إخوتي…أحضّر وجبات المدرسة…أساعدهم في الواجبات.
أستمع لحكاياتهم عن يومهم الدراسي…مرت السنوات بهذه الطريقة.
بينما كان كل من في عمري يذهبون للحفلات، ويعيشون قصص الحب، ويبنون حياتهم…..كنت أنا أربي خمسة أطفال…ولا أندم على ذلك أبدًا.
وعندما كبروا قليلًا وأصبحوا أكثر اعتمادًا على أنفسهم، ووصلت أنا إلى الثلاثين، سمحت لنفسي أخيرًا أن أعيش شيئًا يشبه حياتي الخاصة.
حينها تعرّفت على كريم…كان طيبًا، هادئًا، وابنًا وحيدًا… وربما لهذا السبب أحب الفوضى الجميلة الموجودة في بيتنا.
وفي أحد الأيام، بينما كان إخوتي في المدرسة، كان يساعدني في تنظيف المنزل.
شيء عادي جدًا…كان يكنس غرفة البنات الصغيرات، ثم جاء إليّ فجأة.
كان وجهه شاحبًا بشكل مخيف…وقال بصوت مرتجف:
لقيت حاجة في أوضة أختك الصغيرة… أرجوكِ ما تصرخيش… وما تكلميش الشرطة…
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
تجمد الدم في عروقي فور ما سمعت كلماته وبصيت له وأنا حاسة إن قلبي هيتوقف من الرعب وسألته بصوت شبه مخنوق لقيت إيه يا كريم لكنه ما ردش مباشرة فقط مد يده ببطء وأعطاني علبة معدنية صغيرة كانت مخبأة أسفل سرير أختي الصغيرة سلمى وكانت العلبة قديمة ومقفولة بشريط لاصق شفاف وعليها آثار غبار كأنها مخفية من فترة طويلة جدًا أخذتها منه ويدي ترتجف وبدأت أفك الشريط وأنا أسمع دقات قلبي أعلى من أي صوت حولي وفور ما فتحتها شهقت بقوة لأن داخلها كان هناك مبلغ كبير من المال ملفوف بعناية وعدة هواتف قديمة وصور مطبوعة وأشياء أخرى لم أفهمها في البداية لكن أكثر شيء صدمني كان صورة لأختي سلمى وهي واقفة بجانب سيارة سوداء فخمة مع رجل غريب يبدو أكبر منها بكثير وشعرت ببرودة تسري في جسدي كله
قلت بسرعة وهي فين دلوقتي فقال كريم في المدرسة بس لازم نفهم الأول إيه ده حاولت أتماسك لكن رأسي كان يدور من الخوف والصدمة جلست على الأرض وأنا أقلب الصور واحدة تلو الأخرى وكانت كلها لسلمى في أماكن مختلفة مرة أمام مول ومرة داخل كافيه ومرة داخل سيارة والرجل نفسه يظهر في معظم الصور كان يرتدي نظارة سوداء وساعة فاخرة وفي كل صورة كانت سلمى تبدو متوترة وكأن أحدًا أجبرها على الابتسام
فجأة لاحظ كريم ورقة مطوية داخل العلبة فتحها بسرعة وقرأها ثم تغير وجهه تمامًا سألته ماذا يوجد لكنه لم يجب مباشرة فقط أعطاني الورقة وكانت عبارة عن قائمة بمواعيد وأرقام ومبالغ مالية وبجانب بعضها أسماء بنات صغيرات لم أعرفهن لكن آخر اسم في القائمة كان اسم سلمى وشعرت بالغثيان فورًا
قال كريم بصوت منخفض لازم نتصرف بهدوء ومينفعش نخوفها لو في حد مستغلها لازم نعرف مين هو وإزاي وصل لها لكن عقلي وقتها لم يكن يستوعب أي شيء كل ما كنت أفكر فيه هو أن أختي الصغيرة التي كنت أعتبرها ما زالت طفلة تخفي عني حياة كاملة
عندما عادت سلمى من المدرسة ذلك اليوم كنت أراقبها بعين مختلفة كانت تدخل البيت عادية جدًا تضحك مع إخوتها وتشتكي من الواجبات المدرسية وكأن شيئًا لم يحدث لكنني كنت أرى خلف ابتسامتها خوفًا لم ألاحظه من قبل وبعد العشاء طلبت منها أن تجلس معي وحدنا في المطبخ نظرت إليّ بتوتر فورًا وكأنها شعرت أنني اكتشفت شيئًا
قلت لها بهدوء سلمى في حاجة عايزة أسألك عنها وعايزاكي تقولي الحقيقة مهما كانت هزت رأسها ببطء ثم وضعت أمامها الصورة التي وجدناها داخل العلبة وفور ما رأت الصورة اختفى اللون من وجهها بالكامل وبدأت شفتاها ترتجفان
قالت بصوت ضعيف منين جبتي دي
قلت وأنا أحاول منع دموعي من النزول كانت مخبية تحت سريرك يا سلمى مين الراجل ده
ساد الصمت لثوان طويلة ثم انفجرت بالبكاء بطريقة هستيرية لم أرها تبكي هكذا من قبل وظلت تردد آسفة آسفة والله ما كنت عايزة أزعلك شعرت وقتها أن قلبي ينكسر لأنني بدل ما أغضب منها كنت أرى طفلة خائفة تحمل فوق كتفيها شيئًا أكبر من عمرها بكثير
حاولت تهدئتها وقلت لها محدش هيأذيكي بس لازم أفهم كل حاجة أخذت نفسًا متقطعًا ثم بدأت تحكي
قالت إن الأمر بدأ منذ حوالي ستة أشهر عندما كانت تخرج من المدرسة وحدها أحيانًا لأن أخاها الأوسط كان قد انتقل إلى دروس مسائية وفي أحد الأيام اقتربت منها امرأة أنيقة جدًا وبدأت تمدح شكلها وتقول إنها تصلح للإعلانات وتصوير الملابس وإن هناك شركة تبحث عن وجوه صغيرة للعمل في الإنترنت مقابل مبالغ كبيرة في البداية خافت سلمى ورفضت لكن المرأة استمرت في الحديث معها لعدة أيام وكانت دائمًا تعطيها شوكولاتة أو هدايا بسيطة ثم طلبت منها أن تأتي فقط لتجربة تصوير قصيرة
سألتها لماذا لم تخبريني فقالت وهي تبكي لأننا محتاجين فلوس يا أختي أنا شايفاكي بتتعبي طول عمرك عشانا وكنت عايزة أساعدك الجملة دي ق*ت*ل*ت*ني أكثر من أي شيء آخر لأنني أدركت فجأة أن سلمى كانت تحمل ذنب تعبي طوال السنوات الماضية وأنها ظنت أنها يجب أن تنقذني بطريقتها
أكملت كلامها وقالت إنها ذهبت فعلًا لذلك المكان وكان عبارة عن شقة فاخرة فيها فتيات صغيرات أخريات وامرأة تدعى مدام رانيا وهناك التقطوا لها صورًا عادية في البداية وأعطوها مبلغًا كبيرًا من المال جعلها تنصدم ثم طلبوا منها أن تأتي مرة أخرى وبعدها بدأت الأمور تصبح غريبة أكثر كانوا يطلبون منها ملابس معينة ووضعيات تصوير مزعجة لكنها كانت خائفة من الرفض لأنهم كانوا يهددونها بأنهم سيخبرونني بأنها كانت تذهب إليهم سرًا
شعرت بالغضب يشتعل داخلي لكنني تماسكت وسألتها عن الرجل الموجود في الصور فقالت إنه اسمه شريف وإنه الشخص الذي كان يوصل بعض الفتيات للقاءات التصوير وإنها كانت تخاف منه جدًا لأنه دائمًا يراقبهن ويهدد أي فتاة تحاول الانسحاب
قال كريم بهدوء لازم نبلغ الشرطة فورًا لكن سلمى أمسكت يدي وهي ترتجف وقالت لا أرجوكي هيأذوا إخواتي هم عارفين البيت والمدرسة وكل حاجة
في تلك اللحظة أدركت أننا أمام شيء أخطر بكثير مما تخيلت
قضينا تلك الليلة كلها نفكر ماذا نفعل وفي النهاية اتفقنا أن نتصرف بحذر شديد بدأ كريم يجمع كل الأدلة الموجودة داخل العلبة بينما طلبت من إخوتي ألا يخرج أحد وحده إطلاقًا في الأيام التالية وادعيت أن هناك حوادث خطف منتشرة حتى لا يشكوا بشيء
لكن في داخلي كنت أعيش رعبًا لا يوصف كنت أستيقظ كل ساعة ليلًا لأتأكد أن باب البيت مغلق وأن إخوتي جميعًا نائمون في أماكنهم وأحيانًا كنت أجلس بجوار سرير سلمى وأتأمل وجهها الصغير وأتساءل كيف لم ألاحظ كل هذا الألم داخلها
بعد يومين فقط حدث شيء جعل الأمور تنفجر تمامًا
كنت أعد الغداء عندما رن هاتف سلمى فجأة وكانت قد تركته على الطاولة نظرت للشاشة فوجدت رسالة من رقم غير مسجل تقول افتحي الباب تحت البيت حالًا وإلا هنطلع بنفسنا
شعرت أن الدم تجمد في عروقي فورًا اتصلت بكريم بسرعة وطلبت منه العودة فورًا ثم أغلقت جميع النوافذ والأبواب وأخفيت إخوتي داخل الغرف بينما كانت سلمى تبكي من الرعب وبعد دقائق سمعنا فعلًا صوت سيارة تتوقف أسفل العمارة
اقتربت بحذر من الشرفة ونظرت من خلف الستارة فرأيت السيارة السوداء نفسها التي ظهرت في الصور وبجانبها الرجل ذاته شريف كان ينظر نحو العمارة وكأنه يعرف تمامًا أننا نراقبه
همس كريم عندما وصل للبيت الشرطة جاية في الطريق لكن فجأة سمعنا طرقًا قويًا على الباب ثم صوت رجل يقول افتحوا يا سلمى إحنا بس عايزين نتكلم
ضممت إخوتي خلفي بينما قلبي يكاد يخرج من صدري لكن قبل أن يكرر الطرق مرة أخرى دوى صوت سيارات الشرطة في الشارع وسمعنا صراخًا وحركة سريعة بالخارج ثم اختفى الصوت أمام الباب تمامًا
مرت دقائق بدت كأنها ساعات قبل أن يطرق ضابط الباب ويخبرنا أنهم قبضوا على الرجل ومعه ملفات وصور تخص عدة فتيات قاصرات وأن الق*ض*ية أكبر مما توقعوا بكثير
في تلك اللحظة انهارت سلمى تمامًا داخل حضني وهي تبكي وتردد أنا آسفة والله ما كنت عايزة أعمل حاجة غلط واحتضنتها بقوة وأنا أبكي معها وقلت لها إن الخطأ ليس خطأها أبدًا وإن الوحوش الحقيقية هم من استغلوا خوف طفلة صغيرة وحاجتها للشعور بأنها مفيدة
مرت الشهور بعد تلك الليلة ببطء شديد بدأنا جميعًا العلاج النفسي خاصة سلمى التي كانت تستيقظ أحيانًا وهي تصرخ من الكوابيس لكن شيئًا فشيئًا بدأت تعود للحياة بدأت تضحك من جديد وتخرج مع صديقاتها وتتكلم معي دون خوف
أما أنا فتعلمت درسًا لن أنساه أبدًا وهو أن الحب وحده لا يكفي أحيانًا لحماية من نحب بل يجب أن نسمعهم جيدًا ونلاحظ صمتهم قبل كلامهم لأن الأطفال لا يطلبون النجدة دائمًا بالصراخ أحيانًا يخفون ألمهم خلف ابتسامة صغيرة ظنًا منهم أنهم يحموننا نحن
تمت