عروسه ايجار حكايات اسما ×1

هرب الملياردير سليمان الحديدي من حفل خطوبته، ولم يتخيل أحد أنه سينتهي به المطاف مختبئًا خلف منصة للمأكولات البحرية في سوق العتبة بالقاهرة، غارقًا في المياه العكرة، تفوح منه رائحة السمك، ويشاهد كرامته تنهار داخل بدلة إيطالية فاخرة.

“أستاذ سليمان! توقف حالًا!”

صرخ أفراد حراسته الخاصة وهم يشقون طريقهم وسط السوق المزدحم.

“والدتك أمرتنا بإعادتك إلى القصر فورًا! الآنسة داليا المنصوري بانتظارك!”

ركض سليمان وكأن الشيطان نفسه يطارده.

كان في الخامسة والثلاثين من عمره، واحدًا من أغنى رجال الأعمال في مصر، ومع ذلك لم يكن يملك حرية اختيار حياته.

كانت والدته تريد منه الزواج من داليا المنصوري، ابنة واحدة من أقوى العائلات الاقتصادية في القاهرة.

على الورق كان كل شيء مثاليًا.

تحالف بين إمبراطوريتين.

حماية للثروات.

وعائلتان تبتسمان أمام الكاميرات.

لكن سليمان لم يكن يريد زواجًا تم ترتيبه داخل قاعات الاجتماعات.

ليس بعد أن التقى قبل ثلاث سنوات بطبيبة شابة غامضة أنقذت حياته عندما كان على وشك الموت… ثم اختفت دون أن تترك أي أثر.

وأثناء اندفاعه داخل ممر ضيق بين المحال، اصطدم بفتاة تحمل سكين تقطيع كبيرة.

“حاسب!”

هتفت وهي تمسك بذراعه قبل أن يسقط داخل حوض مليء بالأسماك.

“لو ناوي تموت، متعملهاش عند بضاعتي. البلدية هتقفل السوق فوق دماغي.”

رفع سليمان رأسه وحدق بها.

كان شعرها مربوطًا بعشوائية.

ويداها قويتين من العمل.

وعيناها السوداوان حادتين بشكل لافت.

ورغم ضجيج السوق وصراخ الباعة، كان هناك هدوء غريب يحيط بها.

همس:

“محتاج مكان أستخبى فيه.”

ردت بلا مبالاة:

“اشتري حاجة الأول.”

رمش باستغراب.

“إيه؟”

“محدش بيستخبى هنا ببلاش.”

من دون تفكير أخرج بطاقته السوداء وسلمها لها.

“خديها… اسحبي منها اللي أنتِ عايزاه.”

أخذت البطاقة.

نظرت إليها لثانية واحدة.

ثم أعادتها إليه.

“أنا مبتعاملش ببطاقات ناس معرفهمش.”

تجمد سليمان في مكانه.

في عالمه، الجميع يريد شيئًا.

الناس تبتسم للمال.

وتنحني للنفوذ.

وتتظاهر بالوفاء من أجل المصالح.

لكن هذه الفتاة، التي بدا واضحًا أنها تعمل من الفجر حتى الليل لتعيش، رفضت استغلاله.

“اسمك إيه؟”

سألها.

“ياسمين السيوفي.”

ثم أشارت إلى الزبائن الواقفين خلفه.

“ولو مش هتشتري حاجة، اتحرك شوية. أنت مخوف الزباين.”

في تلك اللحظة مر رجال الحراسة بجوار المكان دون أن يلاحظوه.

بقي سليمان واقفًا يراقبها.

كأن شخصًا فتح له باب نجاة وسط حريق هائل.

ثم اهتز هاتفه.

رسالة جديدة من والدته.

إذا لم تعد اليوم، ستفقد مكانك في مجموعة الحديدي.

رفعت ياسمين حاجبها.

“مشاكل أغنيا؟”

تنهد سليمان.

“مشاكل عائلية.”

ضحكت بخفة.

“أسوأ بكتير.”

ثم أضافت:

“على الأقل مشاكل الأغنيا بيبقى معاها تكييف.”

لأول مرة منذ أسابيع، ابتسم سليمان.

ثم قال أكثر شيء جنوني خرج من فمه طوال حياته.

“اتجوزيني.”

تجمدت ياسمين مكانها.

“نعم؟!”

“جواز بعقد مؤقت.”

قالها بسرعة.

“تساعديني أوقف الجوازة اللي أهلي فارضينها عليّ، وأنا أدفع لك مبلغ يحل كل مشاكلك.”

حدقت فيه وكأنه فقد عقله تمامًا.

لكن عقلها انتقل فورًا إلى أمها المريضة.

وفواتير العلاج المتراكمة.

وأخيها الأصغر الغارق في الديون.

والإيجار المتأخر.

والليالي التي كانت تتظاهر فيها بالشبع حتى يأكل باقي أفراد أسرتها.

ابتلعت ريقها.

“هتدفع كام؟”

“مليون جنيه كل شهر.”

وضعت السكين فوق الطاولة ببطء.

ثم قالت بابتسامة ساخرة:

“بالمبلغ ده… هقولك يا حبيبي قدام الناس كمان.”

وبذلك بدأت أغرب صفقة في حياة سليمان الحديدي… الصفقة التي ستقلب حياته وحياة ياسمين رأسًا على عقب، لأن كليهما كان يخفي سرًا لم يكن الآخر مستعدًا لاكتشافه.

لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد

@أبرز المعجبين

الفصل الأول: العروس المستأجرة

في صباح اليوم التالي، لم يكن سليمان الحديدي متأكدًا إن كان قد ارتكب أذكى قرار في حياته أم أغبى قرار على الإطلاق.

جلس داخل سيارته السوداء الفاخرة أمام سوق العتبة ينظر إلى الساعة للمرة العاشرة.

ثم ظهرت ياسمين.

لم تكن ترتدي فستانًا أنيقًا أو ملابس فاخرة.

كانت ترتدي بنطال جينز بسيطًا وقميصًا أبيض واسعًا وحذاءً رياضيًا قديمًا.

لكنها كانت تمشي بثقة جعلت الجميع يلتفت إليها.

فتحت باب السيارة وجلست بجواره.

ثم قالت مباشرة:

— قبل أي حاجة… عايزة أعرف أنا داخلة على إيه بالضبط.

أخرج سليمان ملفًا ووضعه أمامها.

— عقد زواج مدني مؤقت لمدة سنة.

حدقت فيه.

— سنة كاملة؟

— محتاج أقنع عيلتي إن الجواز حقيقي.

— وبعد السنة؟

— كل واحد يروح لحاله.

ظلت صامتة للحظات.

ثم قالت:

— والمليون جنيه؟

— هيتحول لحسابك أول كل شهر.

هزت رأسها.

لكنها لم تبد سعيدة كما توقع.

بل كانت شاردة.

كأنها تفكر في شيء أكبر من المال.

لاحظ سليمان ذلك.

— في حاجة مضايقاكي؟

تنهدت ياسمين.

— أمي محتاجة عملية قلب مفتوح خلال شهرين.

سكتت للحظة.

— ولو العملية متعملتش… ممكن أخسرها.

نظر إليها سليمان بهدوء.

ثم أخرج هاتفه.

أجرى اتصالًا قصيرًا.

وبعد أقل من دقيقة وصل إشعار إلى هاتفها.

نظرت للشاشة.

ثم شهقت.

خمسون مليون جنيه.

حولها إلى حسابها دفعة واحدة.

اتسعت عيناها بصدمة.

— إنت مجنون؟!

ابتسم.

— اعتبريها عربون ثقة.

— ولو هربت؟

— حاسس إنك مش هتعملي كده.

لأول مرة منذ سنوات طويلة…

شعرت ياسمين أن أحدًا يثق بها دون شروط.

لكنها لم تكن تعرف أن هذا القرار سيجعل حياتها كلها تنقلب خلال أيام.

في نفس الوقت…

داخل قصر الحديدي.

كانت السيدة ناهد الحديدي تقف أمام النافذة وهي تكاد تنفجر من الغضب.

دخل رئيس الأمن وقال:

— لسه ملقيناهوش يا فندم.

استدارت بعنف.

— ابني اختفى يوم خطوبته!

ثم أضافت:

— ابعتوا ناس تدوروا عليه في كل مكان.

في تلك اللحظة دخلت داليا المنصوري.

كانت ترتدي فستان الخطوبة الذي لم تستطع خلعه منذ الليلة الماضية.

وعيناها حمراوان من البكاء.

— طنط ناهد… سليمان عمره ما حبني صح؟

ساد الصمت.

لكن ناهد لم تجب.

وكان ذلك كافيًا.

انهمرت دموع داليا.

ثم قالت:

— لو فاكر إنه هيفلت مني بسهولة يبقى غلطان.

وغادرت القصر.

لكن أحدًا لم يلاحظ النظرة الباردة التي ظهرت في عينيها.

نظرة امرأة قررت أن تدمر كل شيء.

بعد ثلاثة أيام.

وصلت سيارة سليمان إلى بوابات القصر.

كان الحراس في حالة ذهول.

ليس بسبب عودة سليمان.

بل بسبب الفتاة الجالسة بجواره.

نزلت ياسمين من السيارة.

ثم رفعت رأسها نحو القصر العملاق.

وقالت:

— يا نهار أبيض…

هو فيه ناس عايشة هنا بجد؟

ضحك سليمان رغم توتره.

ثم قال:

— استعدي.

— ليه؟

— لأن أمي هتحاول تاكلك.

— وأنا باعة سمك يا حبيبي… متعودة على الحاجات اللي بتحاول تاكلني.

اختنق سليمان من الضحك.

ثم أمسك يدها.

ودخلا معًا.

في الداخل…

كانت العائلة كلها تنتظر.

ناهد الحديدي.

أعمامه.

أبناء عمومته.

وحتى داليا المنصوري نفسها.

ساد الصمت.

ثم قال سليمان بهدوء:

— أحب أعرفكم على مراتي.

انفجرت القاعة كلها في لحظة واحدة.

— مراتك؟!

— إيه؟!

— مستحيل!

أما داليا…

فأصبح وجهها شاحبًا كالموت.

بينما كانت ناهد تحدق في ياسمين وكأنها رأت كارثة تمشي على قدمين.

ثم سألت ببرود:

— بتشتغلي إيه يا بنتي؟

ابتسمت ياسمين.

وأجابت بكل ثقة:

— ببيع سمك في سوق العتبة.

وكأن قنبلة انفجرت وسط القصر.

لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن عمل ياسمين.

بل الشيء الذي لاحظته ناهد بعد ثوانٍ.

شيء جعل اللون يختفي من وجهها تمامًا.

سلسلة فضية صغيرة حول رقبة ياسمين…

سلسلة كانت تعرفها جيدًا.

لأنها كانت تخص امرأة ماتت منذ خمسة وعشرين عامًا…

امرأة دفنت معها سرًا لو خرج للنور سيدمر عائلة الحديدي كلها.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *