دخلت تولد حكايات اسما ×7
الفصل الثاني عشر
ظل الصمت مسيطرًا على الغرفة لعدة ثوانٍ.
ثوانٍ بدت وكأنها سنوات.
كان ياسين ممسكًا بالهاتف.
غير قادر على الحركة.
غير قادر حتى على التنفس.
أما فؤاد فحدق في الجهاز وكأنه ينظر إلى شبح.
ثم قال أخيرًا:
“إنت كداب.”
جاء صوت عاصم هادئًا كعادته:
“كنت عارف إنك هتقول كده.”
ثم أضاف:
“عشان كده خليت الدليل جوه الملف رقم سبعة.”
التفت ياسين بسرعة إلى الملفات.
وبدأ يبحث بينها.
حتى وجد ملفًا أسود صغيرًا.
فتحَه بيد مرتجفة.
فوجد صورًا قديمة.
وخطابات.
وتقارير طبية.
ثم وجد رسالة بخط يد سامح العطار نفسه.
قرأ السطر الأول.
فتغير وجهه بالكامل.
كانت الرسالة تقول:
“إذا وصلت هذه الأوراق إلى ياسين يومًا ما، فاعلم أنني كنت أعرف الحقيقة منذ البداية.”
تجمد الجميع.
وأكمل القراءة.
“كنت أعلم أنني لا أستطيع الإنجاب.”
“وأعلم أن نادية أخطأت.”
“لكن عندما حملت بك، لم أرك ابن رجل آخر.”
“بل رأيتك ابني.”
سال الدمع من عيني ياسين دون أن يشعر.
أما فؤاد فأخفض رأسه بصمت.
تابع ياسين القراءة.
“اخترت أن أربيك.”
“وأحميك.”
“وأمنحك اسمي.”
“ولم أندم يومًا على ذلك.”
ارتجفت يداه.
شعر لأول مرة أن والده لم يكذب عليه.
بل أحبه أكثر مما تخيل.
حتى وهو يعرف الحقيقة.
لكن الرسالة لم تنتهِ.
وصل إلى السطر الأخير.
وهنا اتسعت عيناه فجأة.
لأن سامح كتب:
“أما عاصم الكيلاني…”
“فهو ليس والدك الحقيقي.”
ساد الصمت.
رفع ياسين رأسه بصدمة.
أما الهاتف فبقي مفتوحًا.
وسمعوا صوت عاصم يضحك.
ضحكة طويلة.
باردة.
ثم قال:
“كنت عارف إنه هيكتب كده.”
صرخ ياسين:
“إنت مين؟!”
أجاب عاصم بهدوء:
“أنا الراجل اللي صنع القصة كلها.”
“لكن أبوك الحقيقي شخص تاني.”
—
شعر ياسين أن عقله لم يعد قادرًا على استيعاب المزيد.
قال بغضب:
“لو مش أبويا… يبقى إنت عايز مني إيه؟”
ساد صمت قصير.
ثم قال عاصم:
“عايز حقي.”
قطب فؤاد حاجبيه.
“حقك في إيه؟”
أجاب الرجل:
“في المشروع.”
ثم تابع:
“أنا بنيت الإمبراطورية دي.”
“وسامح وفؤاد سرقوها مني.”
هز فؤاد رأسه بعنف.
“كداب!”
لكن عاصم ضحك.
وقال:
“يبقى افتحوا الملف الأخير.”
نظر ياسين إلى الخزنة.
كان هناك ملف واحد فقط لم يفتح بعد.
ملف رمادي كبير.
التقطه ببطء.
ثم فتحه.
وبدأت الأوراق تتساقط على الأرض.
عقود.
صور.
تسجيلات.
ومستندات.
لكن الشيء الذي أوقفه كان صورة قديمة جدًا.
صورة تجمع ثلاثة رجال شباب.
سامح.
فؤاد.
وعاصم.
وخلفهم لافتة كبيرة لمشروع صغير.
تحتها عبارة:
“المؤسسون الثلاثة.”
تنهد فؤاد.
وقال بصوت خافت:
“يا إلهي…”
لأنه أدرك أن جزءًا من كلام عاصم صحيح.
لقد بدأوا معًا بالفعل.
لكن الأمور لم تسر كما يرويها الآن.
—
وقبل أن يتمكن أحد من قول شيء آخر…
دوى انفجار هائل خارج المبنى.
اهتزت الجدران بعنف.
وتحطم الزجاج بالكامل.
وسقطت بعض الملفات من فوق الأرفف.
صرخت أجهزة الإنذار.
أما فؤاد فصاح:
“اهربوا!”
ركض ياسين نحو النافذة.
ونظر إلى الخارج.
فرأى ألسنة النار تلتهم السيارات المتوقفة.
وعدة رجال مسلحين يقتربون من المخزن.
كانت وجوههم مغطاة.
لكنهم يتحركون بثقة.
كأنهم يعرفون المكان جيدًا.
وفي مقدمتهم…
كان يقف رجل طويل القامة.
شعره رمادي.
ويرتدي بدلة سوداء أنيقة.
نظر مباشرة نحو النافذة.
ورفع رأسه ببطء.
ثم ابتسم.
ابتسامة جعلت الدم يتجمد في عروق فؤاد.
لأنه تعرف عليه فورًا.
همس:
“عاصم…”
رفع الرجل يده.
وأشار إلى الباب الرئيسي.
ثم قال شيئًا في جهاز الاتصال.
وفي اللحظة التالية…
بدأ المسلحون في اقتحام المبنى.
بينما كانت الخزنة المفتوحة والملفات السرية ما تزال بالداخل.
وأدرك ياسين أن المعركة التي ظلوا يهربون منها لعقود…
وصلت أخيرًا إلى بابهم.
يتبع…
الفصل الثالث عشر
ارتج المبنى كله مع أول ضربة على الباب الحديدي.
ثم جاءت الضربة الثانية.
أقوى.
وأعنف.
وأدرك ياسين أن المسلحين لن يحتاجوا وقتًا طويلًا للدخول.
التقط الملفات المهمة بسرعة.
ودس أقراص التخزين داخل حقيبة جلدية قديمة كانت بجوار الخزنة.
أما فؤاد فكان يراقب الباب وعيناه مليئتان بالتوتر.
قال:
“لازم نخرج من هنا.”
سأل ياسين:
“منين؟”
أشار فؤاد إلى الأرض.
وقال:
“في ممر سري.”
لم يكن هناك وقت للأسئلة.
اقترب فؤاد من أحد الأرفف القديمة.
ودفعه بقوة.
فتحرك ببطء.
وكشف عن باب معدني صغير مخفي داخل الجدار.
وفي اللحظة نفسها…
انهار الباب الرئيسي للمخزن.
ودخل أول المسلحين.
صرخ أحدهم:
“هم هنا!”
رفع ياسين قطعة حديدية كانت بجواره.
ثم دفع فؤاد نحو الممر.
وقال:
“انزل!”
قفز الاثنان إلى الداخل.
وأغلقا الباب خلفهما قبل أن يصل المسلحون بثوانٍ.
—
كان النفق ضيقًا ومظلمًا.
لا يضيئه سوى مصباح قديم مثبت في السقف.
ركض فؤاد بصعوبة.
فهو لم يعد شابًا.
أما ياسين فكان يسنده بيده.
وخلفهما كانت أصوات الصراخ والبحث تزداد.
قال فؤاد وهو يلهث:
“عاصم مش جاي عشان الفلوس.”
نظر إليه ياسين.
فأكمل:
“هو جاي عشان حاجة أخطر.”
“جاي عشان يمسح الماضي كله.”
—
بعد دقائق طويلة…
خرج الاثنان من فتحة سرية خلف تلة صخرية تبعد مئات الأمتار عن المخزن.
استنشقا الهواء بقوة.
لكن الراحة لم تدم.
لأن هاتف ياسين رن.
نظر إلى الشاشة.
وكان الرقم مجهولًا.
رد فورًا.
وجاءه صوت امرأة تبكي.
سلمى.
شحب وجهه.
وقال بسرعة:
“سلمى؟”
لكنها لم تستطع الكلام.
كل ما سمعه كان بكاءها.
ثم جاء صوت رجل آخر.
هادئ.
بارد.
ومخيف.
صوت عاصم الكيلاني.
قال:
“مساء الخير يا دكتور.”
شعر ياسين أن قلبه توقف.
صرخ:
“إنت عملت إيه؟!”
ضحك عاصم.
وقال:
“أنا ما عملتش حاجة.”
“أنا بس استضفت عيلتك شوية.”
تجمد الدم في عروق ياسين.
وقال:
“سلمى فين؟!”
جاءه الرد كالسهم:
“قدامي.”
“وسلمى.”
“وآدم.”
“وحتى مريم.”
اتسعت عينا ياسين.
مريم أيضًا؟
تابع عاصم:
“واضح إنك بتحب تجمع الناس حواليك.”
“وده سهل عليا المهمة.”
قبض ياسين على الهاتف حتى كاد يكسره.
وقال:
“لو لمستهم…”
قاطعه عاصم بهدوء:
“أنا مش محتاج أهدد.”
“إنت اللي هتيجي بنفسك.”
—
بعد ساعة.
كان ياسين يقود سيارته بأقصى سرعة.
إلى العنوان الذي أرسله عاصم.
مرفق قديم مهجور على أطراف الميناء.
أما فؤاد فكان يجلس بجواره.
صامتًا.
شاردًا.
حتى قال فجأة:
“أنا السبب.”
نظر إليه ياسين.
فأكمل:
“كل الناس دي اتأذت بسببي.”
هز ياسين رأسه.
لكن فؤاد أكمل:
“في حاجة عمري ما قلتها لحد.”
“ولا حتى لسامح.”
شعر ياسين أن مفاجأة جديدة تقترب.
وقال:
“إيه هي؟”
أغمض فؤاد عينيه للحظة.
ثم قال:
“عاصم مكانش شريكنا بس.”
“كان أخويا.”
ضغط ياسين على المكابح فجأة.
وانحرفت السيارة قليلًا.
نظر إليه غير مصدق.
أما فؤاد فأكمل بصوت مكسور:
“أخويا من الأب.”
“واتربينا مع بعض.”
“وكبرنا مع بعض.”
“وكل اللي حصل بعد كده بدأ بسبب سر واحد.”
ابتلع ياسين ريقه.
وسأل:
“أي سر؟”
نظر فؤاد عبر زجاج السيارة.
وكانت أضواء الميناء البعيدة تظهر في الأفق.
ثم قال:
“السر اللي قتل أبوك.”
تجمد ياسين.
أما فؤاد فرفع رأسه ببطء.
وأضاف:
“سامح العطار ما ماتش في حادث زي ما الكل فاكر.”
شعر ياسين بأن قلبه توقف عن النبض.
وقال بصوت خافت:
“إنت بتقول إيه؟”
لكن فؤاد لم يجب.
لأنهما في تلك اللحظة وصلا إلى الميناء المهجور.
وكان هناك شيء واحد فقط ينتظرهما.
مستودع ضخم.
تنبعث منه أضواء خافتة.
وأمام بابه…
وقف عاصم الكيلاني بنفسه.
وبجواره سلمى وهي تحتضن آدم.
يتبع…الفصل الأخير
أوقف ياسين السيارة.
ونزل منها ببطء.
كانت عيناه لا تفارقان سلمى.
التي كانت تحتضن آدم بقوة.
وعلى الرغم من الخوف الظاهر على وجهها، فإنها كانت سليمة.
تنفس ياسين لأول مرة منذ ساعات.
أما عاصم الكيلاني فوقف أمام المستودع واضعًا يديه خلف ظهره.
هادئًا.
كأنه صاحب المكان والعالم كله.
قال:
“أخيرًا وصلنا.”
اقترب فؤاد منه ببطء.
وقال:
“خلص الموضوع يا عاصم.”
ابتسم عاصم.
وقال:
“أنا جيت أخلصه فعلًا.”
ثم نظر إلى ياسين.
وأضاف:
“أبوك مات بسببنا كلنا.”
ساد الصمت.
وأكمل:
“لكن مش بالطريقة اللي متخيلينها.”
أخرج ملفًا قديمًا من داخل سترته.
وألقاه نحو ياسين.
فتح ياسين الملف بسرعة.
وبدأ يقرأ.
كانت اعترافات.
عقود.
ومحاضر اجتماعات قديمة.
ومع كل صفحة كانت الحقيقة تتكشف.
قبل سنوات طويلة كان سامح العطار وفؤاد الشامي وعاصم الكيلاني شركاء.
بدأوا من الصفر.
حتى أسسوا إمبراطورية مالية ضخمة.
لكن النجاح جلب الطمع.
واختلف الثلاثة حول السيطرة على الشركات.
سامح أراد أن تبقى الأمور قانونية.
أما بعض المستثمرين الآخرين فكانوا يدفعون نحو الفساد وغسل الأموال.
رفض سامح.
وهدد بكشف كل شيء.
وفي الليلة التي سبقت موته…
اجتمع بالجميع.
وكان ينوي الانسحاب نهائيًا.
لكن أثناء المشادة أصيب بأزمة قلبية حادة.
وسقط أمامهم.
لم يقتله أحد بيده.
لكنهم أخفوا الحقيقة.
وخافوا من الفضيحة.
فتم تسجيل الوفاة كحادث.
ومن يومها بدأت الأكاذيب تتراكم فوق بعضها.
نظر ياسين إلى فؤاد.
فوجد الدموع في عينيه.
وقال فؤاد:
“أنا غلطت.”
“كنت جبان.”
“كان لازم أقول الحقيقة من أول يوم.”
أما عاصم فابتسم بحزن.
وقال:
“وأنا قضيت عمري كله أنتقم.”
ثم نظر إلى سلمى وآدم.
وأضاف:
“لحد ما اكتشفت إني بقيت أسوأ من كل الناس اللي كنت بلومهم.”
ساد صمت طويل.
ثم أخرج مسدسًا من جيبه.
فتجمد الجميع.
لكن عاصم لم يوجهه إلى أحد.
بل وضعه على الأرض.
ورفع يديه.
وفي اللحظة نفسها خرج رجال الشرطة من كل الاتجاهات.
كانت الشرطة قد تتبعت هاتفه طوال الوقت.
اقترب الضباط بسرعة.
وألقوا القبض عليه.
ولم يقاوم.
فقط نظر إلى فؤاد وقال:
“كان ممكن نبقى عيلة.”
ثم اقتادوه بعيدًا.
—
مرت عدة أشهر.
أُغلقت القضايا القديمة.
وكُشفت ملفات الفساد.
واستعيدت أموال كثيرة.
أما نادية العطار فقد باعت جزءًا كبيرًا من ممتلكاتها وأنشأت مؤسسة خيرية باسم سامح العطار تكفيرًا عن أخطائها.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة بدأت تتغير.
ببطء.
لكن بصدق.
أما فؤاد الشامي…
فاستعاد علاقته بابنته سلمى.
وكان يعوض كل يوم ضاع من عمرهما.
كان يأتي كل صباح ليرى آدم.
ويحكي له القصص.
ويشتري له الألعاب أكثر مما ينبغي.
حتى صار الطفل يركض نحوه كلما رآه.
—
أما ياسين…
فلم يحاول إجبار سلمى على مسامحته.
ولم يطلب منها العودة.
كان فقط موجودًا.
كل يوم.
في المواعيد الطبية.
وفي أعياد الميلاد.
وفي الليالي الصعبة عندما يمرض آدم.
وفي اللحظات الصغيرة التي تصنع الثقة من جديد.
وبمرور الوقت…
بدأت الجدران التي بنتها سلمى حول قلبها تتصدع.
ليس لأنها نسيت.
بل لأنها رأت التغيير الحقيقي.
—
وفي مساء ربيعي هادئ…
كانت الحديقة مضاءة بالفوانيس الصغيرة.
وكان آدم يركض بين الزهور ضاحكًا.
توقف فجأة.
ثم أمسك يد أمه.
ويد أبيه.
وحاول أن يجمعهما معًا.
فضحك الجميع.
لكن آدم أصر.
حتى تشابكت أيديهما فعلًا.
نظر ياسين إلى سلمى.
وقال:
“لو لسه فيه مكان ليا في قلبك…”
توقفت الكلمات في حلقه.
لكن سلمى ابتسمت.
تلك الابتسامة التي أحبها منذ أول يوم.
وقالت:
“المكان عمره ما اختفى.”
اغرورقت عيناه بالدموع.
أما آدم فبدأ يصفق ويضحك دون أن يفهم السبب.
بعد أشهر قليلة…
اجتمع الأهل والأصدقاء في حفل بسيط.
بعيد عن المظاهر.
بعيد عن الغرور.
بعيد عن الأكاذيب.
وقف ياسين بجوار سلمى.
وأعادا عقد قرانهما.
لكن هذه المرة…
بالحقيقة.
والثقة.
والحب الذي نجا من كل شيء.
وعندما انتهى الحفل…
حمل ياسين ابنه بين ذراعيه.
وأحاط سلمى بذراعه الأخرى.
ونظر إلى السماء.
متذكرًا سامح العطار.
الرجل الذي لم يكن والده بالدم.
لكنه كان والده بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
وهمس:
“شكرًا يا أبي.”
وفي تلك اللحظة شعر أن كل الدوائر أُغلقت أخيرًا.
وأن العائلة التي كادت تضيع…
وجدت طريقها إلى البيت من جديد.
النهاية.
