انا متجوز روماني مكرم 1
أنا متجوز من حوالي شهر، ومن أول يوم لاحظت إن مراتي مش لابسة ذهبها في الفرح، استغربت وقتها بس ما علّقتش.
بعد الجواز بكام يوم لما جت سيرة الذهب، قالتلي إن والدها باعه وكمل بيه في جهازها، مع إن أنا كنت عامل قايمة بكل حاجة وماضي على الذهب اللي جه واللي ما جاش
في ليلة الفرح، كانت القاعة منورة زيادة عن اللزوم… ضحك، زغاريد، تصوير، وأغاني عالية تخلي أي حد ينسى يفكر.
لكن “سليم” ما نسيش.
وهو واقف جنب عروسته “يارا” على الكوشة، عينه راحت على إيديها أكتر من مرة.
الإيدين فاضيين.
لا غوايش تقيلة… لا خاتم شبكة غير الدبلة… ولا حتى السلسلة اللي المفروض أمها كانت بتتكلم عنها طول فترة الخطوبة.
في الأول قال لنفسه: “يمكن خايفين عليها من الزحمة… يمكن هتلبسه بعدين.”
وسكت.
لأنه ماحبش يبوّظ فرحته، ولا يبان قدام الناس إنه بيدور ورا التفاصيل.
لكن الفكرة فضلت واقفة في دماغه طول الليل زي شوكة.
خصوصًا إنه فاكر كويس جدًا يوم كتابة القايمة.
كان قاعد مع أبوها “الحاج مدحت” على الترابيزة، والرجل بنفسه قال: “اكتب يا ابني… 120 جرام دهب.”
وسليم كتب.
بل ووقّع كمان.
رغم إن أمه وقتها شدته من هدومه تحت الترابيزة وهمست: “إنت شوفت الذهب بعينك؟”
لكنه رد بثقة: “ناس محترمة يا أمي.”
…
بعد الجواز بأسبوع، كانوا قاعدين يتعشوا في هدوء.
سليم حاول يفتح الموضوع بهزار: — صحيح… هو دهبك فين؟ مشوفتكيش لبساه من يوم الفرح.
يارا اتجمدت وهي ماسكة الشوكة.
ثانية… واتنين…
قبل ما تقول وهي مابتبصش له: — بابا باعه.
سليم افتكر إنه سمع غلط. — باعه؟!
— أيوه… كان ناقص شوية فلوس في الجهاز، فباعه وكمل بيه.
الصمت نزل فجأة على السفرة.
حتى صوت التكييف بقى مسموع.
سليم حط الشوكة بهدوء وقال: — يعني إيه باعه؟ ده مكتوب في القايمة.
يارا بدأت تتوتر: — ما هو كله راح في البيت… يعني مش فلوس ضاعت.
— وأنا مالي؟! القايمة دي دين عليّا أنا! بكرة لو حصل حاجة هتتحسب عليّا 120 جرام!
— إنت محسسني إننا نصبنا عليك!
— وأنا محسسِك بحاجة؟ أنا بسأل حقي.
وشها احمرّ فجأة: — بابا عمره ما ياكل حق حد.
سليم ضحك ضحكة قصيرة كلها عصبية: — بس باع ذهب مش موجود وكتبناه في القايمة!
يارا قامت مرة واحدة من على السفرة. — أنا مش هسمحلك تتكلم عن أبويا كده.
— وأنا مش هسمح حد يلبسني دين بـمئات الآلاف
حكايات رومانى مكرم
الخناقة كبرت بسرعة مرعبة.
كل كلمة كانت بتولد عشر كلمات.
وفي نص العصبية، يارا مسكت موبايلها واتصلت بأمها وهي بتعيط: — ماما… سليم بيقول علينا نصابين.
سليم اتفاجئ. — أنا مقولتش كده!
لكن صوت أمها كان عالي لدرجة إنه سمعه: — لو مش مقدّرك يا بنتي، هاتي هدومك وتعالي فورًا.
يارا بصت له بعين مليانة تحدي ودموع: — أنا جاية يا ماما.
…
بعد ساعتين، كانت شنطتها عند الباب.
سليم واقف مذهول.
ماكنش متخيل إن الموضوع يوصل إنها تسيب البيت بسبب خناقة.
حاول يهديها: — يارا… اقعدي نتكلم بعقل.
لكنها ردت ببرود: — لما تحترم أبويا الأول.
واتحركت.
الباب اتقفل وراها بصوت خبط جامد… الصوت فضل يتردد في الشقة الفاضية بطريقة خنقته.
…
عدّى يوم.
اتنين.
خمسة.
ولا اتصال.
ولا حتى رسالة.
في اليوم العاشر، الجرس رن.
فتح الباب لقى راجل ضخم واقف. — أنا ابن خال مدحت بيه… جاي آخد باقي هدوم يارا.
سليم حس إن الدم ض*رب في دماغه. — نعم؟!
— يارا مش راجعة دلوقتي.
— مين قال؟
الراجل مد إيده بورقة صغيرة. — الحاج مدحت قالك: “لما يجهّز حق بنتي الأول نبقى نتكلم.”
سليم خطف الورقة، عينه جريت على الجملة أكتر من مرة.
حق بنته؟!
هو اللي مطلوب منه يدفع تمن الذهب اللي أصلًا ماشفهوش؟!
الراجل دخل جمع باقي هدومها ببرود مستفز، كأنه داخل بيته.
وفي آخر لحظة قبل ما يخرج، وقف عند الباب وقال: — نصيحة… ماتدخلش مع الحاج مدحت في مشاكل. الناس كلها بتحترمه.
الباب اتقفل.
وسليم فضل واقف مكانه.
حاسس إن فيه حاجة غلط أكبر من مجرد ذهب.
أكبر بكتير.
#الكاتب_رومانى_مكرم
في نفس الليلة، وهو بيفتح الدولاب علشان يطلع ورق القايمة، حاجة صغيرة وقعت على الأرض.
إيصال.
ورقة مطوية قديمة.
فتحها بفضول… ومع أول سطر، قلبه دق بعنف.
“استلام مبلغ 480 ألف جنيه مقابل بيع المشغولات الذهبية الخاصة بالآنسة يارا مدحت…”
التاريخ؟
قبل الفرح بـ3 أيام.
لكن اللي جمّد الدم في عروقه فعلًا… مش المبلغ.
كان الاسم المكتوب تحت التوقيع.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
سليم كان بيبص للاسم المكتوب في خانة المشتري وهو مش مصدق، الاسم ماكانش اسم محلي صاغة، ولا تاجر ذهب غريب.. الاسم كان “أحمد م. م.”
“أحمد؟! ده أخويا!”.. الهمسة خرجت من شفايف سليم وهو حاسس إن الأرض بتهتز تحت رجليه.
سليم قعد على السفرة، نفس المكان اللي بدأت فيه الخناقة، والإيصال في إيده بيترعش. ليه أخوه يشتري ذهب يارا قبل الفرح بـ 3 أيام؟ وليه محدش قاله؟ والأهم من ده كله، الفلوس دي راحت فين إذا كان الحاج مدحت قال إنها كملت “الجهاز”؟
مسك موبايله واتصل بأخوه أحمد.
ـ أيوه يا أحمد.. إنت فين؟
ـ في البيت يا سليم، خير صوتك ماله؟
ـ أنا لقيت إيصال بيع ذهب يارا.. إنت اللي اشتريته يا أحمد؟
سكوت طويل جه من الطرف التاني، سكوت كان كفيل يإكد لـ سليم إن فيه مصيبة مستخبية.
أحمد رد بصوت واطي: ـ سليم.. أنا كنت مستني الوقت المناسب أحكيلك، بس خفت على فرحتك.
ـ تحكيلي إيه؟ انطق!
ـ حماك الحاج مدحت جالي قبل الفرح بـ 4 أيام، كان واقع في ضيقة مالية كبيرة بسبب ديون عليه من “شغل قديم”، وقالي إنه مش عايز يكسر بـ يارا ولا يخلي شكلها وحش قدامك، وطلب مني أشتري الذهب عشان يسدد ديونه، ووعدني إنه هيرجعه خلال شهرين وأنا أرجعه لـ يارا من سكات.. أنا عملت كده عشانك يا سليم، عشان الجوازة تم بسلام.
سليم حس إن جبل وقع عليه.. يعني حماه مش بس باعه عشان الجهاز، ده نصبه عليه في القايمة وهو عارف إنه مش هيقدر يوفر الذهب، وأخوه شارك في اللعبة بدافع “الخوف عليه”.
تاني يوم الصبح، سليم ماراحش الشغل. راح لبيت حماه.
أول ما دخل، لقى “خال يارا” والراجل الضخم اللي كان عنده في الشقة قاعدين، والحاج مدحت لابس الوش الخشب.
الحاج مدحت بدأ الكلام: ـ جيت ليه يا سليم؟ أظن قولتلك حق بنتي يرجع الأول، والـ 120 جرام ذهب يتحطوا قدامي هنا.
سليم طلع الإيصال وحطه على الترابيزة ببرود غريب: ـ والـ 480 ألف جنيه اللي سددت بيهم ديونك القديمة يا حاج مدحت.. دول “جهاز” يارا برضه؟ ولا ده ثمن الذمة اللي بعتها لأخويا قبل الفرح بـ 3 أيام؟
اللون هرب من وش الحاج مدحت، والراجل الضخم اللي جنبه اتعدل في قعدته وبص لمدحت بنظرة شك.
سليم كمل وهو بيقوم: ـ أنا كنت شاري بنتك، وكنت مستعد أعوضها عن الذهب اللي إنت خدته لو كنت جيت قولتلي “أنا مزنوق”.. لكن إنك تكتبني وصل أمانة بـ 120 جرام ذهب وإنت قابض ثمنهم في جيبك، فدي اسمها نصباية.. ويارا اللي مشيت عشان “كرامة أبوها”، لازم تعرف إن أبوها هو اللي باعها قبل ما تلبس فستان الفرح.
في اللحظة دي، يارا خرجت من الصالة الجوانية، وشها كان شاحب، باين إنها كانت واقفة بتسمع ورا الباب.
بصت لأبوها وقالت بصوت مكسور: ـ الكلام ده صح يا بابا؟ يعني أنا مكملتش جهازي بالفلوس دي؟
الحاج مدحت حاول يتكلم: ـ يا بنتي أنا كنت هعوضك.. أنا..
يارا قاطعته بصرخة مكتومة: ـ تعوضني بإيه؟ إنك تخلي شكلي قدام جوزي نصابة؟ إنك تخليه يمضي على حاجة مش موجودة؟
سليم بص ليارا نظرة أخيرة، نظرة فيها عتاب ووجع: ـ شنطة هدومك لسه عند الباب يا يارا.. لو عايزة ترجعي لبيت كان بيتبني على “حق وحقيقة” فـ إنتي عارفة الطريق.. أما لو عايزة تفضلي في بيت “المظاهر الكدابة”، فـ دي راحتك.
سليم ساب البيت ونزل، وهو على السلم، سمع صوت زعيق وتكسير جوه الشقة.. لكن قلبه مااتحركش.
وهو بيفتح عربية أخوه أحمد اللي كان مستنيه تحت، لمح خيال يارا وهي بتجري وراه في الشارع بشنطة صغيرة وبتنادي عليه وهي بتعيط.
سليم وقف.. لكنه ماركبش العربية.
بص لـ أحمد وقاله: ـ استنى يا أحمد.. الحكاية لسه فيها فصل تاني.. الإيصال ده مش بس فيه اسمك، الإيصال ده فيه تاريخ “تاني” تحت خالص بخط صغير.. تاريخ استحقاق لشركة مجهولة.
سليم فتح الإيصال تاني وقراه بدقة.. تحت التوقيع كان مكتوب: “مرهون لصالح شركة (النجم) حتى سداد أصل الدين”.
أحمد بص لـ سليم باستغراب: ـ شركة إيه؟ أنا مشتري الذهب منك يا مدحت كاش!
سليم فهم إن اللعبة أكبر من مجرد ديون حماه.. الحاج مدحت ماكنش بيبع الذهب، ده كان “بيدوره” في غسيل أموال، والورقة اللي في إيد سليم ماكانتش مجرد إيصال بيع.. دي كانت دليل إدانة لشبكة كبيرة.
في اللحظة اللي يارا وصلت فيها لـ سليم وهي بتنهج، وقفت عربية سودة مفييمة قدامهم، ونزل منها اتنين ملامحهم تخوف.
واحد منهم بص لـ سليم وقال: ـ الورقة اللي معاك دي تخصنا.. هاتها بالذوق عشان الليلة تعدي على خير.