دخلت تولد حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الثالث

 

ظل ياسين واقفًا في مكانه يراقب كريم السيوفي من بعيد.

 

كان الرجل يسأل عن حالة سلمى بقلق حقيقي.

 

يتحرك جيئة وذهابًا أمام غرفة العناية.

 

ينظر إلى الباب كل دقيقة.

 

ويكاد ينهار من التوتر.

 

أما ياسين فشعر بشيء لم يشعر به من قبل.

 

الغيرة.

 

لم يكن من حقه أن يغار.

 

هو من طلقها.

 

هو من طردها.

 

وهو من أغلق الباب في وجهها عندما كانت في أمسّ الحاجة إليه.

 

لكن رؤية رجل آخر يقف مكانه الآن كانت كالس-كين في قلبه.

 

اقتربت منه الممرضة مريم وقالت بهدوء:

 

“الدكتورة قالت المريضة فاقت.”

 

رفع رأسه بسرعة.

 

“سلمى فاقت؟”

 

أومأت.

 

ولم ينتظر ثانية واحدة.

 

اتجه نحو غرفتها.

 

لكن عندما وصل وجد كريم يجلس بجوار سريرها ممسكًا بيدها.

 

وكانت سلمى تنظر إليه بعينين ممتنتين.

 

سمعها تقول بصوت ضعيف:

 

“شكرًا يا كريم.”

 

رد الرجل بابتسامة:

 

“أنا موجود عشانك دايمًا.”

 

توقف ياسين عند الباب.

 

شعر وكأنه غريب.

 

كأنه لم يعد ينتمي إلى حياتها.

 

التفتت سلمى فجأة ورأته.

 

اختفت ابتسامتها فورًا.

 

وساد صمت ثقيل.

 

خرج كريم من الغرفة بهدوء بعدما شعر بالتوتر.

 

وأغلق الباب خلفه.

 

بقي ياسين وسلـمى وحدهما لأول مرة منذ شهور.

 

نظر إليها طويلًا.

 

ثم قال:

 

“ليه؟”

 

لم تجب.

 

كرر السؤال:

 

“ليه خبيتي عني الحمل؟”

 

أغمضت عينيها للحظة.

 

ثم فتحتها وقالت:

 

“عشان كنت خايفة.”

 

قطب حاجبيه.

 

“خايفة مني؟”

 

ضحكت بمرارة.

 

ضحكة موجوعة أكثر من البكاء.

 

وقالت:

 

“إنت ناسي عملت إيه؟”

 

ساد الصمت.

 

وتابعت:

 

“يوم ما اتهمتني بالخيانة قدام أمك وأختك.”

 

“يوم ما رميت هدومي برا البيت.”

 

“يوم ما قلتلي إني عار عليك.”

 

شعر ياسين وكأن كل كلمة صفعة على وجهه.

 

لأنه يتذكر.

 

يتذكر كل شيء.

 

في ذلك اليوم المشؤوم.

 

عندما وصلته صور مجهولة المصدر لسلمى وهي تخرج من سيارة رجل غريب.

 

لم يسأل.

 

لم يناقش.

 

لم يمنحها فرصة.

 

فقط انفجر غضبًا.

 

وأنهى الزواج.

 

قال بصوت خافت:

 

“أنا كنت فاكر إن الصور حقيقية.”

 

ابتسمت سلمى بسخرية.

 

“وأنا كنت فاكرة إن جوزي بيثق فيا.”

 

لم يجد ما يقوله.

 

لأنها كانت محقة.

 

ثم نظرت إليه مباشرة وقالت:

 

“لما اكتشفت إني حامل كنت خلاص بقيت مطلقة.”

 

“وقتها فهمت إن ابني هيكبر أحسن من غير أب شايف أمه خائنة.”

 

شعر قلبه ينقبض.

 

لكن قبل أن يرد انفتح باب الغرفة فجأة.

 

ودخلت امرأة أنيقة ترتدي ملابس فاخرة ونظارة شمسية كبيرة.

 

توقفت سلمى عن الكلام فور رؤيتها.

 

أما ياسين فتغير وجهه.

 

لأنه يعرفها جيدًا.

 

ريم العطار.

 

شقيقته الصغرى.

 

اقتربت ريم من السرير ببطء.

 

وكان وجهها شاحبًا بشكل غريب.

 

قالت:

 

“لازم أتكلم.”

 

نظر إليها ياسين باستغراب.

 

“في إيه؟”

 

بدأت دموعها تنزل فجأة.

 

ثم قالت الجملة التي قلبت كل شيء رأسًا على عقب:

 

“الصور اللي خلتك تطلق سلمى… أنا اللي بعتهالك.”

 

ساد الصمت.

 

صمت مخيف.

 

حتى أجهزة المراقبة بدت وكأنها توقفت.

 

حدق ياسين في أخته غير مصدق.

 

“إيه؟”

 

انهارت ريم في البكاء.

 

وقالت:

 

“الصور كانت مفبركة.”

 

شحب وجه ياسين بالكامل.

 

أما سلمى فأخفضت رأسها وكأنها عادت لتعيش الكابوس من جديد.

 

صرخ ياسين:

 

“بتقولي إيه؟!”

 

ارتجفت ريم.

 

ثم قالت:

 

“الراجل اللي في الصور كان ابن خالتي.”

 

“وصلت سلمى بعربيته يومها لأن عربيتها كانت معطلة.”

 

“وأنا قصيت الصور وبعتها لك من رقم مجهول.”

 

شعر ياسين بأن الأرض تميد تحته.

 

“ليه؟!”

 

بكت ريم أكثر.

 

وقالت:

 

“عشان أمي.”

 

تجمد في مكانه.

 

وتابعت:

 

“أمي كانت رافضة سلمى من أول يوم.”

 

“وكانت عايزة يجوزك بنت صاحبتها.”

 

“وقالتلي لو سلمى خرجت من حياتك هتورثنا كل أملاك جدي.”

 

تراجع ياسين خطوة للخلف.

 

لم يعد قادرًا على التنفس.

 

أمه.

 

وأخته.

 

دمرتا حياته بدم بارد.

 

ودمرتا حياة سلمى.

 

وحرمـتاه من رؤية ابنه طوال شهور.

 

لكن الصدمة لم تنتهِ بعد.

 

لأن ريم رفعت رأسها فجأة وقالت:

 

“وفي حاجة أخطر لازم تعرفها.”

 

نظر إليها الجميع.

 

وقالت وهي تبكي:

 

“أمك جاية المستشفى دلوقتي…”

 

“ومعاها محامي.”

 

“وعرفت إن الطفل ابنك.”

 

“ومش ناوية تسيب سلمى تخرج بيه بسهولة.”

 

تجمدت ملامح سلمى.

 

أما ياسين فاشتعل الغضب داخل عينيه لأول مرة منذ سنوات.

 

لأنه أدرك أن المعركة الحقيقية بدأت الآن.

الفصل الرابع

 

لم تمر عشر دقائق حتى فُتح باب الغرفة بعنف.

 

ودخلت نادية العطار.

 

والدة ياسين.

 

المرأة التي اعتادت أن تحصل على ما تريد دائمًا.

 

كانت ترتدي معطفًا أنيقًا وتتحرك بثقة وكأن المستشفى بأكمله ملك لها.

 

وخلفها محامٍ يحمل حقيبة جلدية سوداء.

 

ما إن وقعت عيناها على سلمى حتى ارتسمت ابتسامة باردة على شفتيها.

 

وقالت:

 

“الحمد لله إنك بخير.”

 

لكن نبرة صوتها كانت تقول عكس ذلك تمامًا.

 

وقفت سلمى بصعوبة مستندة إلى الوسادة.

 

أما ياسين فوقف أمام سريرها مباشرة.

 

كأنه يحاول حمايتها.

 

لاحظت نادية ذلك فورًا.

 

فقالت بسخرية:

 

“واضح إنك نسيت كل اللي حصل بسرعة.”

 

رد ياسين ببرود:

 

“قولي عايزة إيه يا أمي.”

 

نظرت إلى المحامي.

 

فتقدم خطوة للأمام.

 

وأخرج عدة أوراق.

 

قال:

 

“بناءً على رغبة السيدة نادية العطار…”

 

قاطعه ياسين بعصبية:

 

“ادخل في الموضوع.”

 

تنحنح الرجل وقال:

 

“هناك طلب قانوني لإثبات النسب فورًا قبل تسجيل الطفل.”

 

تجمدت ملامح سلمى.

 

أما ياسين فحدق في والدته بذهول.

 

قال:

 

“إثبات نسب؟”

 

ابتسمت نادية.

 

وقالت:

 

“طبعًا.”

 

ثم نظرت إلى سلمى باحتقار.

 

“بعد اللي حصل زمان لازم نتأكد الطفل ده ابنك فعلًا.”

 

ساد الصمت.

 

لكن هذه المرة لم تصمت سلمى.

 

رفعت رأسها وقالت بثبات:

 

“موافقة.”

 

التفت الجميع إليها.

 

وأضافت:

 

“اعملوا التحليل.”

 

ابتسمت نادية بثقة.

 

وكأنها تنتظر تلك اللحظة منذ أشهر.

 

لكن ما لم تعرفه أن النتيجة لن تكون المشكلة الحقيقية.

 

—

 

بعد يومين…

 

وصل تقرير تحليل الحمض النووي.

 

اجتمع الجميع في مكتب إدارة المستشفى.

 

كان ياسين يجلس متوترًا.

 

وسلمى تحمل طفلها الصغير بين ذراعيها.

 

أما نادية فبدت مرتاحة بشكل غريب.

 

فتح الطبيب المختص الملف.

 

ونظر إلى النتائج.

 

ثم قال:

 

“تطابق النسب 99.99%.”

 

التفت نحو ياسين.

 

وأضاف:

 

“الطفل ابنك بشكل مؤكد.”

 

أغلق ياسين عينيه للحظة.

 

شعر بمزيج من الراحة والألم.

 

ابنه.

 

أخيرًا أصبح الأمر مؤكدًا رسميًا.

 

أما نادية فاختفت ابتسامتها للحظة.

 

لكنها سرعان ما استعادت هدوءها.

 

وقالت:

 

“كويس.”

 

نظر إليها ياسين باستغراب.

 

ثم سأل:

 

“هو ده كان كل اللي عايزاه؟”

 

أجابته بنبرة باردة:

 

“لا.”

 

وأخرجت ورقة أخرى من حقيبتها.

 

وضعتها على الطاولة.

 

ثم قالت:

 

“دلوقتي نتكلم عن الحضانة.”

 

تجمدت سلمى.

 

وشعرت بأن الدم انسحب من وجهها.

 

قالت نادية:

 

“حفيدي هيتربى في بيت العطار.”

 

“وسط مستواه الحقيقي.”

 

“وسط العيلة اللي تقدر توفرله كل حاجة.”

 

شهقت سلمى.

 

وقالت:

 

“مستحيل.”

 

لكن نادية لم تنظر إليها حتى.

 

كانت تنظر إلى ياسين.

 

وكأن القرار بيده وحده.

 

ساد صمت طويل.

 

ثم وقف ياسين ببطء.

 

وأخذ الأوراق من فوق الطاولة.

 

نظر إليها للحظات.

 

ثم مزقها نصفين.

 

ثم نصفين مرة أخرى.

 

حتى تحولت إلى قصاصات صغيرة.

 

اتسعت عينا نادية بصدمة.

 

وقال المحامي:

 

“دكتور ياسين!”

 

لكن ياسين لم يهتم.

 

التفت نحو والدته.

 

وقال بهدوء مخيف:

 

“الولد هيعيش مع أمه.”

 

“وده قرار نهائي.”

 

شهقت نادية.

 

كأنها تلقت صفعة.

 

وقالت:

 

“إنت بتقف ضدي؟”

 

رد لأول مرة في حياته:

 

“أنا متأخر تسع شهور…”

 

“ومش ناوي أتأخر ثانية واحدة كمان.”

 

ثم أمسك بيد سلمى.

 

وأخذها وخرج من المكتب.

 

وسط ذهول الجميع.

 

—

 

في تلك الليلة…

 

كانت سلمى جالسة في غرفتها بالمستشفى.

 

تحمل طفلها النائم.

 

عندما طرق أحدهم الباب.

 

دخل ياسين.

 

ببطء.

 

وحذر.

 

كأنه يخشى أن تطرده.

 

وقف أمامها للحظات.

 

ثم قال:

 

“ممكن أقعد؟”

 

لم تجب.

 

لكنه جلس على الكرسي المقابل.

 

نظر إلى الطفل طويلًا.

 

ثم قال:

 

“سميتيه؟”

 

هزت رأسها بالنفي.

 

ابتسم لأول مرة منذ أيام.

 

وقال:

 

“كنت دايمًا بحب اسم آدم.”

 

نظرت إليه سلمى.

 

ولأول مرة منذ شهور لم يكن في عينيها غضب.

 

بل حزن.

 

قالت بهدوء:

 

“ياسين…”

 

رفع رأسه.

 

فأكملت:

 

“في حاجة أنا كمان مخبياها.”

 

اختفت الابتسامة من وجهه.

 

وسأل:

 

“إيه هي؟”

 

نظرت إلى طفلها.

 

ثم إليه.

 

وسقطت دمعة من عينها.

 

وقالت:

 

“سبب طلاقي منك مكانش الصور بس.”

 

شعر قلبه ينقبض.

 

وتابعت بصوت مرتجف:

 

“أنا كنت رايحة أقولك حاجة يومها…”

 

“حاجة غير الحمل.”

 

سألها:

 

“إيه؟”

 

أغمضت عينيها.

 

وقالت:

 

“كنت عرفت إني مريضة.”

 

تجمد ياسين في مكانه.

 

أما سلمى فأكملت بصوت مكسور:

 

“والدكاترة وقتها قالوا إن عندي ورم خطير.”

 

وسقط الصمت على الغرفة كالصاعقة…

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *