تركني زوجي حكايات اسما ×3

الفصل السادس

تجمدت سارة في مكانها وهي تحدق في الرجل الواقف أمام الباب.

كان في أواخر الستينات من عمره.

شعره الأبيض مرتب بعناية.

ويرتدي بدلة داكنة أنيقة.

لكن أكثر ما لفت الانتباه لم يكن مظهره…

بل نظراته.

نظرات رجل يحمل فوق كتفيه سنوات طويلة من الأسرار والندم.

قال بهدوء:

ـ أعتقد إن الوقت حان للكلام.

في الداخل…

وقف محمود فورًا.

وعيناه مشتعلة بالغضب.

ـ اطلع بره.

تنهد سامح.

ـ كنت عارف إن ده أول رد فعل منك.

ـ بعد اللي عملته؟ مستني إيه يعني؟

تدخلت مروة بسرعة:

ـ لو سمحتوا… خلونا نسمع الأول.

دخل سامح ببطء.

وجلس على أقرب مقعد.

ثم نظر إلى نور.

ـ أنا آسف إنك اتسحبتي وسط كل ده.

لم ترد.

كانت تحاول فقط استيعاب ما يحدث.

قبل ساعات كانت تعتقد أن مشكلتها مع زوج أناني وأم متسلطة.

والآن أصبحت وسط قصة تمتد لعقود.

أخذ سامح نفسًا عميقًا.

ثم قال:

ـ نعم… كريم ابني البيولوجي.

لكن الحقيقة أعقد من كده بكتير.

صرخ محمود:

ـ أعقد إيه؟!

ـ لأن فايزة نفسها ما كانتش تعرف.

ساد الصمت.

حتى مروة رفعت رأسها بدهشة.

ـ يعني إيه ما كانتش تعرف؟

أجاب سامح:

ـ زمان… قبل جوازها من محمود بفترة قصيرة… كانت بيني وبينها علاقة.

شعرت نور بالذهول.

أما محمود فأغلق عينيه بقوة.

كأنه لا يريد سماع المزيد.

أكمل سامح:

ـ بعدها انفصلنا تمامًا.

وفايزة تزوجت محمود.

ولما عرفت إنها حامل…

افتكرت إن الطفل ابن جوزها.

لأن التوقيت كان متقارب جدًا.

ـ وإنت سكت؟

ـ كنت شاكك… لكن ماكانش عندي دليل.

نظر إلى تقرير الحمض النووي.

ـ لحد دلوقتي.

مرت دقائق طويلة من الصمت.

ثم سألت نور:

ـ طيب ليه ظهرت دلوقتي؟

خفض سامح رأسه.

ـ لأني ارتكبت أخطاء كتير.

وأكبر غلطة إني سمحت لكريم يعتمد عليّ من بعيد.

ـ تقصد إيه؟

ـ كل الفلوس اللي كانت بتوصله… كانت مني.

اتسعت عينا نور.

ـ ليه؟

ـ لأني كنت شايفه ابني.

ـ حتى وهو بيسرق؟

لم يجد سامح جوابًا سريعًا.

وهنا فهمت نور الحقيقة.

كان يعرف.

ربما ليس كل شيء.

لكنه كان يعرف ما يكفي ليسكت.

في مكان آخر…

كان كريم يجلس وحده في مكتب محاميه.

وجهه شاحب.

وأعصابه منهارة.

فجأة دخل المحامي وأغلق الباب.

ـ عندي أخبار سيئة.

ضحك كريم بسخرية.

ـ لسه فيه أسوأ من كده؟

ألقى المحامي ملفًا أمامه.

ـ فيه شهود.

ـ شهود على إيه؟

ـ على التوقيعات.

شعر كريم بقلبه يهبط.

ـ لا…

ـ فيه موظف سابق وافق يدلي بشهادته.

ـ مستحيل.

ـ والأصعب من كده…

فتح المحامي الصفحة الأخيرة.

ـ فيه تحقيق جديد بدأ في ملفات قديمة تخص والدتك.

رفع كريم رأسه فجأة.

ـ أمي؟

ـ أيوة.

ـ مالها؟

تنهد المحامي.

ـ يبدو إن بعض القصص اللي حصلت من عشرين سنة راجعة تتفتح من جديد.

ولأول مرة…

شعر كريم بالخوف الحقيقي على أمه.

في تلك الليلة…

بعد مغادرة الجميع…

جلست نور بجوار سرير ليان.

الطفلة كانت نائمة بسلام.

يدها الصغيرة مغلقة على إصبع أمها.

تأملتها طويلًا.

ثم ابتسمت بحزن.

كل ما كانت تريده في البداية…

زوجًا يحبها.

وعائلة مستقرة.

لكنها اكتشفت أن البيت الذي دخلته كان مبنيًا على الأكاذيب منذ البداية.

أكاذيب امتدت لجيل كامل.

وربما أكثر.

رن هاتفها فجأة.

كانت رسالة من رقم مجهول.

فتحتها بحذر.

وفي اللحظة التالية شحب وجهها.

الرسالة احتوت على صورة واحدة فقط.

صورة التُقطت قبل ساعات.

لها…

وهي تحمل ليان أمام العمارة.

ومرفق معها سطر قصير:

“لو كنتِ فاكرة إن الموضوع انتهى… يبقى لسه ما عرفتيش الحقيقة.”

ارتجفت يدها.

ثم نظرت إلى النافذة بسرعة.

شخص ما كان يراقبها.

شخص يعرف مكانها.

ويعرف مكان طفلتها.

لكن الأخطر من ذلك…

أن الرقم الذي أرسل الصورة كان مسجلًا باسم شخص يفترض أنه مات منذ سبع سنوات كاملة.

(يتبع…)الفصل السابع

ظلّت نور تحدق في الشاشة لعدة ثوانٍ.

الصورة حقيقية.

التُقطت بالفعل أمام العمارة الجديدة.

وهذا يعني أن أحدهم كان قريبًا جدًا.

قريبًا بما يكفي ليراقبها دون أن تشعر.

أمسكت الهاتف بقوة.

ثم اتصلت بمروة فورًا.

جاءها صوت المحامية القلق:

ـ نور؟ حصل إيه؟

أرسلت لها الصورة.

وبعد أقل من دقيقة جاء الرد:

ـ متخرجيش من الشقة الليلة.

ـ ليه؟

ـ لأن دي مش مجرد رسالة تهديد.

ـ تقصدي إيه؟

ـ الرقم ده… أنا أعرفه.

شعرت نور بقشعريرة.

ـ تعرفيه إزاي؟

ساد صمت قصير.

ثم قالت مروة:

ـ لأنه كان مسجل باسم شاهد رئيسي في قضية قديمة.

ـ وقولتي إنه مات!

ـ رسميًا… أيوة.

ـ يعني إيه رسميًا؟

ـ يعني في شهادة وفاة باسمه.

لكن واضح إن في حد استخدم هويته…

أو إن القصة كلها فيها حاجة غلط.

في صباح اليوم التالي…

اجتمع الجميع في مكتب مروة.

نور.

سارة.

محمود.

وسامح.

كانت الأجواء متوترة.

وضعت مروة ملفًا جديدًا على الطاولة.

ـ اشتغلت طول الليل على الموضوع.

ـ ووصلتي لإيه؟

أخرجت ورقة قديمة.

ـ الشخص اللي المفروض مات اسمه رأفت السيوفي.

نظر سامح فجأة إلى الورقة.

ثم تغير وجهه بالكامل.

لاحظت نور ذلك فورًا.

ـ إنت تعرفه؟

لم يجب مباشرة.

بل جلس ببطء.

ثم قال:

ـ للأسف أعرفه كويس جدًا.

ـ مين هو؟

تنهد سامح.

ـ كان المحاسب الرئيسي للشركة زمان.

قبل عشرين عامًا…

كان رأفت السيوفي الرجل الذي تمر بين يديه كل الفواتير والعقود والتحويلات.

يعرف كل الأسرار.

كل الأرقام.

كل الصفقات.

وكل الكوارث.

وعندما بدأت المشاكل بين محمود وفايزة وسامح…

كان رأفت في قلب كل شيء.

ثم فجأة…

وقع حادث سيارة مروع.

وأُعلن موته.

وأُغلقت القضية.

لكن لم ير أحد الجثة.

ولم يودعه أحد.

واكتفى الجميع بالتقارير الرسمية.

همست نور:

ـ تقصد إنه ممكن يكون عايش؟

ـ كل شيء وارد.

قالتها مروة وهي تقلب الملفات.

ثم أضافت:

ـ والأغرب من كده…

إن فيه تحويلات مالية حديثة مرتبطة باسمه.

ـ حديثة إزاي؟

ـ من ستة شهور فقط.

تبادل الجميع النظرات.

شعرت نور بأن خيوط القصة تتشابك أكثر فأكثر.

في نفس الوقت…

كانت فايزة جالسة وحدها في منزلها.

منذ أيام لم تعد تلك المرأة القوية التي تفرض سيطرتها على الجميع.

أصبحت شبحًا خائفًا.

كل صوت يفزعها.

كل اتصال يرعبها.

رن الجرس.

ارتجفت.

اقتربت من الباب ببطء.

ثم فتحت.

ولمّا رأت الشخص الواقف أمامها…

شهقت.

ـ إنت؟!

ابتسم الرجل ابتسامة باردة.

ـ وحشتيني يا فايزة.

تراجعت خطوة للخلف.

ـ مستحيل…

ـ ليه؟

ـ إنت ميت.

ضحك الرجل.

ـ واضح إن إشاعة موتي كانت مفيدة جدًا لناس كتير.

بدأت يداها ترتجفان.

لأن الرجل الذي يقف أمامها…

كان رأفت السيوفي نفسه.

حيًا.

بعد سبع سنوات من إعلان وفاته.

في المساء…

كان كريم يجلس في سيارته أمام البحر.

منهكًا.

ضائعًا.

محاصرًا بالقضايا والديون والأسرار.

رن هاتفه.

نظر إلى الشاشة.

رقم مجهول.

رد بضيق:

ـ ألو؟

جاءه صوت لم يسمعه منذ سنوات.

صوت جعل الدم يتجمد في عروقه.

ـ مساء الخير يا كريم.

اتسعت عيناه.

ـ رأفت؟!

ـ مبسوط إنك لسه فاكرني.

ـ إنت… إنت حي؟

ـ أكتر مما تتخيل.

ـ عايز إيه؟

ساد صمت قصير.

ثم قال رأفت:

ـ عايز حقي.

ـ حق إيه؟

ضحك الرجل.

ضحكة باردة جدًا.

ثم قال:

ـ حقي في الملايين اللي سرقتها إنت وأمك.

وأغلق الخط.

في تلك اللحظة…

كانت نور تقف عند نافذة شقتها.

تحمل ليان بين ذراعيها.

وتنظر إلى أضواء المدينة.

كانت تعتقد أن كل الأسرار بدأت تنكشف.

لكنها لم تكن تعرف أن رأفت لا يحمل معه مجرد أسرار مالية.

بل يحمل مستندًا واحدًا…

لو ظهر للعلن…

فلن يسقط كريم أو فايزة فقط.

بل سيُدخل ثلاثة أشخاص السجن دفعة واحدة.

ومن بينهم شخص لم يخطر على بال نور حتى الآن.

(يتبع…)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *