تحدي الكرامه حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الثالث

 

كانت نادية المنصوري تعرف شيئًا واحدًا عن عالم الأثرياء.

 

الفضائح لا تقتل العائلات…

 

لكن الشهود يفعلون.

 

ولهذا السبب، وبعد ثوانٍ فقط من الصدمة، استعادت رباطة جأشها بسرعة مذهلة.

 

صفقت بيديها فجأة.

 

فانطلقت الموسيقى من جديد.

 

ثم التفتت نحو الضيوف مبتسمة ابتسامة مصطنعة وقالت بصوت مرتفع:

 

“يبدو أننا تلقينا مفاجأة عائلية غير متوقعة.”

 

ضحك بعض الحضور بتوتر.

 

وحاول آخرون التظاهر بأن شيئًا لم يحدث.

 

لكن الجميع كانوا يراقبون.

 

كل شخص في القصر أخرج هاتفه أو بدأ يرسل الرسائل.

 

الخبر انتشر بالفعل.

 

أما أنا فكنت أراقب نادية بهدوء.

 

أعرفها جيدًا.

 

عندما تبتسم بهذا الشكل…

 

فهذا يعني أنها تخطط لشيء خطير.

 

اقتربت مني ومدت يدها نحو ياسين.

 

لكن الطفل اختبأ خلفي فورًا.

 

تجمدت ابتسامتها للحظة.

 

ثم قالت:

 

“الأطفال أكيد تعبوا من الطريق. تعالوا ندخل جوا.”

 

أجبتها فورًا:

 

“هيفضلوا معايا.”

 

ارتسم البرود على وجهها.

 

“أنا جدتهم.”

 

“وأنا أمهم.”

 

تبادلت أعيننا نظرات طويلة.

 

حرب صامتة.

 

لكنها مفهومة تمامًا.

 

في تلك اللحظة اقترب سيف.

 

ما زال يبدو وكأنه غير قادر على استيعاب ما يحدث.

 

قال بصوت منخفض:

 

“أنا محتاج أفهم كل حاجة.”

 

أجبته:

 

“بعد خمس سنين؟”

 

خفض رأسه.

 

ولم يجد ردًا.

 

لأن الحقيقة كانت مؤلمة.

 

هو لم يسأل يومًا.

 

لم يبحث يومًا.

 

لم يحاول الوصول إليّ.

 

اكتفى بالاستماع لأمه عندما أخبرته أنني غادرت بلا رجعة.

 

ووقّع أوراق الطلاق.

 

وانتهى الأمر.

 

لكن ما لم يعرفه…

 

هو ما حدث في تلك الليلة الأخيرة.

 

الليلة التي غادرت فيها قصر المنصوري.

 

—

 

قبل خمس سنوات…

 

كنت أقف داخل جناحي بالقصر.

 

يدي فوق بطني.

 

والخوف يلتهمني.

 

لأنني كنت قد سمعت حديثًا لم يكن من المفترض أن أسمعه.

 

حديثًا بين نادية ومحامي العائلة.

 

قالت فيه بوضوح:

 

“لو كانت حامل فعلًا… الأطفال هيبقوا ورثة.”

 

سألها المحامي:

 

“وده حقهم القانوني.”

 

أجابت ببرود:

 

“القانون بيتغير.”

 

ثم أضافت جملة لن أنساها ما حييت:

 

“لو اضطرينا ناخد الأطفال منها بعد الولادة… هنعمل كده.”

 

في تلك الليلة…

 

هربت.

 

لم أحمل معي سوى حقيبة صغيرة.

 

وبعض المال.

 

وسرًا واحدًا.

 

أطفالي.

 

—

 

عاد الحاضر من جديد عندما سمعنا فجأة صوتًا حادًا.

 

“سيف!”

 

التفت الجميع.

 

كانت العروس سارة.

 

وجهها أصبح أحمر من الغضب.

 

اقتربت بسرعة.

 

ثم وقفت أمامه مباشرة.

 

“إنت هتفضل واقف تتفرج عليهم؟!”

 

لم يرد.

 

فصرخت:

 

“أنا العروسة النهاردة!”

 

ساد الصمت.

 

حتى الموسيقى توقفت مرة أخرى.

 

كانت سارة تحاول السيطرة على الموقف.

 

لكنها كانت تخسر أعصابها أمام مئات الضيوف.

 

قالت وهي تشير نحوي:

 

“مين الست دي أصلًا؟”

 

أجبت بهدوء:

 

“طليقة خطيبك.”

 

ثم أشرت إلى الأطفال.

 

“ودول أولاده.”

 

اختنق عدد من الحضور من المفاجأة.

 

أما سارة فبدت كأن أحدهم صفعها.

 

تراجعت خطوة للخلف.

 

ثم التفتت نحو نادية.

 

“حضرتك كنتي عارفة؟”

 

لأول مرة بدت نادية مرتبكة.

 

“لا.”

 

“يعني إيه لا؟!”

 

لم تجب.

 

لأن الحقيقة أنها لم تكن تعرف بوجود الأطفال.

 

ولو كانت تعرف…

 

لما سمحت لهذا اليوم أن يحدث أصلًا.

 

في تلك اللحظة بالذات…

 

ركض أحد مساعدي سيف نحو نادية.

 

وكان وجهه شاحبًا.

 

همس في أذنها ببضع كلمات.

 

لكن الكلمات كانت كافية.

 

اختفى اللون من وجهها بالكامل.

 

سألته بعصبية:

 

“إنت متأكد؟”

 

أومأ الرجل.

 

فأمسكت نادية طرف المقعد حتى لا تسقط.

 

راقبتها باستغراب.

 

ثم سألت:

 

“فيه إيه؟”

 

نظرت إليّ.

 

ولأول مرة منذ سنوات…

 

رأيت الخوف الحقيقي داخل عينيها.

 

الخوف.

 

وليس الغضب.

 

قالت بصوت مرتجف:

 

“مستحيل…”

 

ثم التفتت نحو سيف.

 

“لازم نطلع المكتب حالًا.”

 

قطب حاجبيه.

 

“ليه؟”

 

لكنها لم تجب.

 

في تلك اللحظة…

 

رن هاتفي.

 

نظرت إلى الشاشة.

 

كان المتصل رئيس القسم القانوني في شركتي.

 

أجبت.

 

فقال بسرعة:

 

“مدام ليلى… حصل تطور خطير.”

 

تجمدت ملامحي.

 

“إيه هو؟”

 

جاء الرد الذي قلب كل شيء.

 

“من عشر دقائق المحكمة الاقتصادية أصدرت حكمها النهائي…”

 

توقفت أنفاسي.

 

“…شركة المنصوري القابضة أعلنت إفلاسها رسميًا.”

 

ساد الصمت حولي.

 

أما في الجهة الأخرى من الحديقة…

 

فكان سيف لا يزال يجهل أن الكارثة الحقيقية لم تكن ظهور أبنائه الثلاثة.

 

بل أن إمبراطورية عائلته كلها انهارت في نفس يوم زفافه.

 

وأن السر الأكبر…

 

ما زال لم يُكشف بعد.

الفصل الرابع

 

لم يكن هناك شخص واحد داخل القصر لا يتحدث عن الفضيحة.

 

لكن بينما كان الضيوف يتبادلون الشائعات في الحديقة وقاعات الاستقبال، كانت معركة مختلفة تمامًا تبدأ في الطابق العلوي.

 

داخل مكتب نادية المنصوري.

 

المكتب نفسه الذي طالما أدارت منه صفقات العائلة وحروبها.

 

جلست نادية خلف المكتب الخشبي الضخم.

 

بينما وقف سيف أمامها.

 

ووقفت أنا بالقرب من النافذة.

 

أما الأطفال الثلاثة فكانوا في غرفة مجاورة مع المربية الخاصة بالقصر.

 

أغلق سيف الباب بعنف.

 

ثم استدار نحو والدته.

 

وقال بصوت لم تسمعه منه منذ سنوات:

 

“عايز الحقيقة.”

 

نظرت إليه نادية بصمت.

 

“حالًا.”

 

أضافها هذه المرة بغضب.

 

لكنها لم تتحدث.

 

فالتفت نحوي.

 

“قوليلي إن ده كذب.”

 

نظرت إليه بهدوء.

 

“هل الأطفال شبهك؟”

 

خفض رأسه.

 

“لا.”

 

“هل أعمارهم توافق وقت زواجنا؟”

 

لم يجب.

 

“هل تحتاج تحليل DNA عشان تعرف الحقيقة؟”

 

ساد الصمت.

 

لأنه كان يعرف الإجابة.

 

رفع عينيه ببطء.

 

وكان الألم واضحًا داخله.

 

“ليه مخبيتيش بس الأطفال؟”

 

ضحكت ضحكة قصيرة خالية من الفرح.

 

“أنا مخبيتهمش منك.”

 

ثم نظرت مباشرة نحو نادية.

 

“أنا هربت منهم.”

 

التفت سيف إلى والدته.

 

وتجمد وجهه.

 

لأنها لم تعترض.

 

لم تنفِ.

 

لم تغضب.

 

فقط ظلت صامتة.

 

وهنا فهم.

 

بدأ قلبه ينبض بعنف.

 

“ماما…”

 

لم ترد.

 

“قولي إنها كذابة.”

 

صمت.

 

“قولي!”

 

ارتجفت يد نادية للمرة الأولى.

 

ثم قالت أخيرًا:

 

“كنت بحاول أحمي العيلة.”

 

ساد الصمت.

 

أما سيف…

 

فشعر وكأن الأرض انسحبت من تحته.

 

“إيه؟”

 

تنهدت نادية ببطء.

 

“وقت ما قالت إنها حامل… الشركة كانت بتمر بأسوأ أزمة مالية في تاريخها.”

 

قطب حاجبيه.

 

لم يفهم.

 

فأكملت:

 

“كان فيه شركاء مستعدين يسحبوا استثماراتهم.”

 

“وده إيه علاقته بأطفالي؟”

 

رفعت رأسها.

 

وقالت الجملة التي غيرت كل شيء.

 

“علاقة كبيرة.”

 

ثم أخرجت ملفًا قديمًا من الدرج.

 

ووضعته أمامه.

 

فتح سيف الملف.

 

وبدأ يقرأ.

 

وكلما قلب صفحة…

 

ازداد وجهه شحوبًا.

 

كانت تقارير مالية.

 

ديون.

 

رهونات.

 

قروض مخفية.

 

مستندات لم يرها من قبل.

 

ثم ظهرت ورقة أخيرة.

 

تقرير طبي.

 

رفع رأسه نحوي باستغراب.

 

ثم عاد يقرأ.

 

وفجأة…

 

توقف.

 

نظر إلى والدته.

 

ثم إلى الورقة مرة أخرى.

 

ثم صرخ:

 

“إنتِ عملتي إيه؟!”

 

انفجرت الدموع من عيني نادية.

 

لأول مرة.

 

وقالت:

 

“ما كانش عندي اختيار.”

 

خطف سيف التقرير بيده.

 

ثم رماه فوق المكتب.

 

التقطته بسرعة.

 

وحين قرأت محتواه…

 

تجمد الدم في عروقي.

 

كان تقريرًا طبيًا مزورًا.

 

يحمل اسمي.

 

ومختومًا بختم مستشفى خاص.

 

وفيه جملة واحدة.

 

“المريضة تعرضت لإجهاض كامل.”

 

شعرت بالصدمة.

 

لم أستطع الكلام.

 

أما سيف…

 

فكان ينظر إلى والدته وكأنه يراها لأول مرة.

 

قال بصوت مخنوق:

 

“إنتِ بلغتيني إنها فقدت الطفل.”

 

انهارت نادية على الكرسي.

 

وأخفضت رأسها.

 

“كنت خايفة.”

 

“خايفة من إيه؟”

 

“من انهيار الشركة.”

 

لم يفهم.

 

لكنها أكملت.

 

“الوريث كان هيغير توزيع الأسهم.”

 

اتسعت عيناه.

 

“إيه؟”

 

قالت بصوت مرتجف:

 

“جدك قبل وفاته كتب بندًا سريًا.”

 

ثم أغلقت عينيها.

 

“أي حفيد مباشر من دم المنصوري يحصل تلقائيًا على نسبة ضخمة من أسهم العائلة داخل صندوق ائتماني.”

 

ساد الصمت.

 

أما أنا…

 

فبدأت أفهم.

 

ولهذا كانت تريد أطفالي.

 

ولهذا كانت تخاف منهم.

 

ولهذا هربت.

 

قالت نادية:

 

“لو عرف المستثمرون إن فيه ورثة جدد… السيطرة على الشركة كانت هتضيع من إيدي.”

 

رفع سيف يده فوق رأسه.

 

وكأنه يحاول استيعاب حجم الكارثة.

 

طوال خمس سنوات…

 

كان يعتقد أنني تركته.

 

وأن الطفل الذي حلم به مات.

 

بينما الحقيقة…

 

أن والدته سرقت منه أبناءه.

 

وسرقت من الأطفال أباهم.

 

وفجأة…

 

رن هاتف المكتب.

 

كان المحامي الرئيسي للعائلة.

 

ردت نادية بيد مرتجفة.

 

استمعت لثوانٍ.

 

ثم شحب وجهها أكثر.

 

“إزاي؟!”

 

صرخت بها.

 

سمعنا الصوت من الطرف الآخر رغم بعد الهاتف.

 

وبعد لحظة…

 

سقط الهاتف من يدها.

 

نظرت إلينا بذهول.

 

ثم همست:

 

“الموضوع خلص.”

 

سأل سيف:

 

“إيه اللي خلص؟”

 

نظرت نحوي مباشرة.

 

وقالت:

 

“الصندوق الائتماني اتفعل.”

 

لم أفهم.

 

لكن المحامي كان قد أرسل المستندات رسميًا.

 

وبسبب ظهور الأطفال وإثبات نسبهم الأولي…

 

انتقلت ملكية نسبة ضخمة من أسهم العائلة قانونيًا إلى الورثة الثلاثة.

 

ياسين.

 

وآدم.

 

وعمر.

 

وفي أقل من ساعة…

 

أصبح الأطفال الثلاثة أغنى من معظم رجال الأعمال الموجودين في حفل الزفاف.

 

لكن المفاجأة الأكبر لم تكن ذلك.

 

لأن المحامي أضاف جملة أخيرة جعلت الجميع يصمت.

 

جملة واحدة فقط.

 

جعلت وجه نادية يتحول إلى اللون الأبيض بالكامل.

 

قال:

 

“وهناك وصية ثانية من الجد الراحل لم تُفتح إلا اليوم…”

 

وصية كانت قادرة على قلب اسم المنصوري كله رأسًا على عقب.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *