تزوجت سجين حكـايـات أسمـا ×2
تجمدت في مكاني.
“فاضي؟”
خرجت الكلمة من فمي كهمسة.
بلا وعي.
بلا تصديق.
أما آدم فظل واقفًا بجوار الطاولة.
وعيناه معلقتان بالفراغ.
كأنه عاد فجأة إلى سنوات طويلة من الألم.
قلت بصوت مرتجف:
“إزاي يعني القبر فاضي؟”
أجاب ببطء:
“لأن مفيش ج..ثة اتحطت فيه أصلًا.”
شعرت بأن معدتي انقبضت.
كلما كشف آدم جزءًا من الحقيقة…
بدت القصة أكثر ظلامًا.
وأبعد كثيرًا من مجرد قض..ية سرقة أموال.
—
جلس أمامي مرة أخرى.
ثم أخرج صورة قديمة من داخل الصندوق الأسود.
كانت لطفلة صغيرة.
شعرها أسود طويل.
وعيناها واسعتان.
تبتسم للكاميرا وهي تحمل دمية وردية.
قال:
“دي آخر صورة اتصورت لليان.”
أخذتها بين يدي.
وحدقت فيها طويلًا.
ثم سألته:
“إنت فاكر إنها عايشة؟”
صمت.
ثم قال:
“زمان كنت بقول لنفسي لأ.”
أخذ نفسًا عميقًا.
“لكن دلوقتي…”
رفع رأسه نحوي.
“أنا متأكد.”
—
في تلك الليلة لم أنم.
ولا آدم نام.
بقينا جالسين في المطبخ حتى الفجر.
نراجع الملفات.
والصور.
والرسائل.
والحسابات البنكية.
وكلما قرأنا أكثر…
ظهرت أسماء جديدة.
وأسرار جديدة.
وأكاذيب أكبر.
حتى وصلنا إلى ملف صغير جدًا.
ملف مختلف عن البقية.
عليه اسم واحد فقط.
ليان المنصوري.
نظر آدم إليه.
ثم فتحه ببطء.
وفي الداخل وجدنا شيئًا واحدًا فقط.
ورقة مطوية.
قديمة جدًا.
اصفر لونها بفعل الزمن.
فتحها.
وبدأت عيناه تتحركان فوق السطور.
ثم فجأة…
اختفى اللون من وجهه.
أمسكت ذراعه.
“في إيه؟”
لم يجب.
ناولني الورقة.
وبدأت أقرأ.
وكانت رسالة بخط يد طفل.
طفل صغير جدًا.
وفي نهايتها توقيع:
“ليان.”
ارتجفت أصابعي.
وأكملت القراءة.
“لو حد لقى الورقة دي…
أنا ما غرقتش.
الراجل اللي كان مع عمو طارق خدني بالعربية.
وقال إني لازم أروح مكان تاني.
أنا خايفة.
وبابا لو لقي الرسالة دي…
أنا بحبه.”
شعرت بالدموع تحرق عيني.
أما آدم…
فبكى لأول مرة أمامي.
بكى بصمت.
كأن سنوات كاملة من الوجع خرجت دفعة واحدة.
—
وفي الصباح التالي…
قررنا الذهاب إلى المحامي.
لكن قبل أن نخرج من الشقة…
سمعنا جرس الباب.
نظر آدم نحوي.
ثم نحو الباب.
كان الوقت الثامنة صباحًا.
ولم نكن ننتظر أحدًا.
فتح الباب بحذر.
فوجد صندوقًا صغيرًا موضوعًا أمامه.
لا اسم.
لا عنوان.
لا أي شيء.
فقط صندوق.
نظرنا إلى بعضنا.
ثم حمله إلى الداخل.
وفتحناه.
وفي اللحظة التالية…
شعرت بأن قلبي سيتوقف.
لأن داخل الصندوق…
كانت هناك دمية وردية قديمة.
نفس الدمية الموجودة في صورة ليان.
بالضبط.
وبجانبها ورقة صغيرة.
مكتوب عليها:
“إذا أردتم معرفة الحقيقة…
تعالوا وحدكم.”
وفي أسفل الورقة عنوان.
مكان مهجور خارج القاهرة.
—
بعد ساعات…
كانت سيارتنا تشق طريقها عبر منطقة صحراوية مهجورة.
السماء رمادية.
والهواء ثقيل.
وكلما اقتربنا من الموقع…
زاد توتر آدم.
حتى توقفنا أخيرًا أمام مبنى قديم.
كان أشبه بمستشفى مهجور.
نوافذه مكسورة.
وجدرانه متآكلة.
قال آدم بصوت منخفض:
“أنا أعرف المكان ده.”
نظرت إليه.
“إزاي؟”
أجاب:
“شوفت صور ليه قبل كده في الملفات.”
شعرت بقشعريرة.
ثم دخلنا.
—
في الداخل…
كان الصمت مطبقًا.
إلا من صوت خطواتنا.
حتى وصلنا إلى غرفة في آخر الممر.
كان بابها مفتوحًا.
وداخلها…
جلست امرأة على كرسي.
ظهرها لنا.
وشعرها الأسود الطويل ينسدل على كتفيها.
توقف آدم فجأة.
وكأنه نسي كيف يتنفس.
لأن المرأة رفعت رأسها ببطء.
ثم استدارت نحونا.
وعندما رأى وجهها…
سقطت المفاتيح من يده.
وهمس بصوت مكسور:
“ليان…”
تجمدتُ في مكاني.
أما آدم…
فبدا وكأنه توقف عن التنفس.
ظل يحدق في المرأة الجالسة أمامه.
كأن عقله يرفض تصديق ما تراه عيناه.
كانت في أواخر العشرينات.
ملامحها تغيرت مع السنوات.
لكن عينيها…
كانتا نفس عيني الطفلة الموجودة في الصورة.
العينان اللتان ظل آدم يتذكرهما خمسة عشر عامًا.
همس مرة أخرى:
“ليان؟”
امتلأت عينا المرأة بالدموع.
ثم نهضت ببطء.
وقالت:
“آدم.”
انكسر شيء داخل آدم في تلك اللحظة.
ركض نحوها.
وضمها بقوة.
وبكى.
بكى كما لم أره يبكي من قبل.
أما ليان…
فكانت تبكي هي الأخرى.
كأن سنوات الفقد كلها انفجرت دفعة واحدة.
—
بعد دقائق طويلة.
جلسنا جميعًا داخل الغرفة.
وكانت ليان تحاول أن تستجمع قواها.
أما أنا فكنت ما أزال غير قادرة على استيعاب ما يحدث.
سألتها:
“فين كنتِ كل السنين دي؟”
نظرت إلى آدم أولًا.
ثم قالت:
“في أماكن كتير.”
ساد الصمت.
ثم أضافت:
“أنا ما اتخطفتش لوحدي.”
شعرت بقشعريرة.
“إزاي؟”
أخفضت رأسها.
وقالت:
“كان فيه أطفال تانيين.”
نظر آدم إليها بصدمة.
أما ليان فأكملت:
“المؤسسة الخيرية كانت مجرد واجهة.”
شعرت أنني سمعت هذه الجملة من قبل.
لكن هذه المرة خرجت من شخص عاش الكابوس بنفسه.
قالت:
“كانوا بياخدوا أطفال من أسر فقيرة.”
“وبعدين؟”
أغلقت عينيها.
“ويبيعوهم.”
ساد الصمت.
صمت ثقيل.
مرعب.
ثم أكملت:
“بعضهم اتبعت لعائلات غنية.”
“وبعضهم اختفى.”
شعرت بالغثيان.
أما آدم فقبض يده بقوة.
حتى ابيضت مفاصله.
—
ثم نظرت ليان إليه مباشرة.
وقالت:
“في حاجة لازم تعرفها.”
رفع رأسه.
“إيه؟”
ترددت.
ثم قالت:
“عمك ما كانش يعرف.”
تجمد آدم.
“إيه؟”
أومأت.
“عمك حسين كان بيدور عليا.”
شحب وجهه.
لأن حسين المنصوري…
كان والد آدم.
الرجل الذي مات قبل سنوات وهو يعتقد أن ابنته غرقت.
قالت ليان:
“لما بدأ يشك في المؤسسة…”
توقفت لحظة.
ثم أكملت:
“قت..لوه.”
شعرت بأن الهواء اختفى من الغرفة.
أما آدم…
فجلس ببطء فوق الكرسي.
كأن ساقيه لم تعودا تحملانه.
—
لكن الصدمة الأكبر لم تأتِ بعد.
لأن ليان فتحت حقيبة صغيرة كانت بجوارها.
وأخرجت منها ملفًا سميكًا.
ثم وضعته أمام آدم.
وقالت:
“ده السبب اللي خلاني أرجع.”
فتح الملف.
وبدأ يقلب الصفحات.
ثم توقف فجأة.
وتغير وجهه بالكامل.
أمسك الصفحة بيد مرتجفة.
وأعاد قراءتها.
ثم نظر إلى ليان.
“إنتِ متأكدة؟”
أومأت.
شعرت بالتوتر.
“في إيه؟”
لم يجب أحد.
حتى سحبت الملف بنفسي.
ونظرت إلى الصفحة.
ثم شعرت بأن قلبي توقف.
كانت شهادة ميلاد.
قديمة.
وممزقة الأطراف.
لكن الاسم المكتوب فيها واضح جدًا.
اسم أخي الصغير.
عمر.
تجمدت.
“إيه ده؟”
قالت ليان بهدوء:
“أخوكي مش أخوكي.”
شعرت بأن العالم يدور حولي.
“إيه؟”
أشارت إلى الشهادة.
“اسمه الحقيقي مش عمر.”
ثم رفعت نظرها نحوي.
وقالت:
“هو واحد من الأطفال اللي اتاخدوا.”
لم أعد أسمع شيئًا بعدها.
كل الأصوات أصبحت بعيدة.
مشوشة.
غير حقيقية.
لأن عمر…
الطفل الذي ربيته.
وضحيت لأجله.
وعشت عمري كله أعتقد أنه أخي.
كان في الحقيقة ضحية من ضحايا الشبكة نفسها.
—
وفي تلك اللحظة بالذات…
رن هاتف ليان.
نظرت إلى الشاشة.
ثم اختفى اللون من وجهها.
قال آدم بسرعة:
“مين؟”
همست:
“مستحيل…”
“إيه؟”
رفعت الهاتف أمامنا.
وكان الرقم الظاهر مسجلًا باسم واحد فقط:
“طارق المنصوري.”
الرجل الذي كان الجميع يعتقد أنه في السجن ينتظر محاكمته.
لكن الرسالة التي وصلت في تلك اللحظة جعلت الدم يتجمد في عروقنا جميعًا:
“إذا وجدتم ليان…
فهذا يعني أن الوقت انتهى.
اهربوا فورًا.”
يتبع…
يتبع…
