ابنة الزعيم حكايات اسما×5

الفصل الثالث عشر

ساد صمت مطبق داخل الغرفة.

حتى الحراس توقفوا عن الحركة.

وحتى أنفاس الجميع بدت وكأنها اختفت.

كانت ريم تحدق في الورقة.

مرة.

مرتين.

ثم عشر مرات.

لكن الكلمات لم تتغير.

“آدم ليس ابن أحمد عبدالسلام.”

ثم الجملة التي قالتها هناء:

“آدم ابنك أنت.”

رفعت ريم رأسها ببطء.

ونظرت إلى سليم.

ثم إلى ليلى.

ثم عادت إلى هناء.

وقالت بصوت مرتجف:

“إنتِ مجنونة.”

ابتسمت هناء.

“لا.”

“أنا الوحيدة هنا اللي بتقول الحقيقة.”

أمسك سليم الملف بعنف.

وقلب الصفحات بسرعة.

حتى وصل إلى تاريخ التحليل.

ثم تجمد.

لأن التاريخ يعود إلى سنوات طويلة.

قبل حادث ريم.

وقبل اختفاء آدم.

وقبل معظم الأحداث التي عرفوها.

قال بغضب:

“دي مزورة.”

لكن هناء هزت رأسها.

“راجع الختم.”

“وراجع المعمل.”

“وراجع رقم الق*ضية.”

أخذ أحد الحراس الأوراق.

وبدأ يراجعها بسرعة.

ثم نظر إلى سليم بتوتر.

“الختم حقيقي يا باشا.”

أما ريم…

فشعرت أن الغرفة تدور حولها.

لأنها تعرف شيئًا واحدًا فقط.

هي لم تخن أحمد يومًا.

ولم تعرف رجلًا غيره.

أبدًا.

فكيف يمكن أن يكون هذا صحيحًا؟

وكأن ليلى قرأت أفكارها.

اقتربت منها بسرعة.

وأمسكت يدها.

وقالت:

“متسمعيش كلامها.”

التفت الجميع إليها.

فأكملت:

“هي بتعمل كده من سنين.”

“تاخد جزء حقيقي من القصة…”

“وتبني عليه كذبة أكبر.”

اختفت ابتسامة هناء للحظة.

لكنها عادت سريعًا.

وقالت:

“طب قولي لهم الحقيقة كلها.”

ساد الصمت.

ونظرت ليلى إلى الأرض.

لأول مرة منذ ظهورها.

بدت مترددة.

خائفة.

وكأنها تحمل سرًا لا تريد إخراجه.

ثم رفعت رأسها أخيرًا.

وقالت:

“آدم مش ابن سليم.”

تنفست ريم براحة للحظة.

لكن ليلى أكملت:

“بس فيه سبب خلا هناء تقدر تعمل التحليل ده.”

تجمد الجميع.

أما هناء فضحكت.

ضحكة قصيرة.

وقالت:

“أخيرًا.”

أغمضت ليلى عينيها.

ثم قالت:

“قبل سنين…”

“كان فيه برنامج تبرع طبي سري للأطفال حديثي الولادة اللي محتاجين نقل دم أو إجراءات وراثية معقدة.”

نظر إليها سليم باستغراب.

وأكملت:

“فيه عينات وراثية كتير اتخزنت وقتها.”

“وهناء سرقت جزء من السجلات.”

بدأت الصورة تتضح.

ببطء.

لكنها تتضح.

قالت ليلى:

“هي جمعت عينات.”

“وغيرت نتائج.”

“ولعبت في ملفات.”

ثم نظرت مباشرة إلى ريم.

وأضافت:

“عشان في النهاية تخلينا نشك في بعض.”

صمتت هناء.

للمرة الأولى.

ولم تنكر.

لكن سليم لم يكن ينظر إليها.

كان ينظر إلى شيء آخر.

شيء داخل الملف.

صفحة أخيرة لم ينتبه إليها أحد.

سحبها ببطء.

وقرأها.

ثم تغير وجهه بالكامل.

“إيه؟”

سألت ريم.

لكنه لم يرد.

فأخذت الصفحة منه.

وقرأت.

ثم شهقت.

لأن الصفحة لم تكن تقرير DNA.

بل كانت قائمة تحويلات مالية.

بمبالغ ضخمة.

على مدار سنوات.

وكل الأموال خرجت من شركات الحديدي.

ووصلت إلى حساب واحد.

صاحب الحساب كان:

سعاد.

رفعت هناء حاجبها.

وكأنها لم تتوقع ظهور هذه الورقة.

أما سليم فابتسم لأول مرة.

لكنها لم تكن ابتسامة راحة.

كانت ابتسامة رجل وجد الخيط الأخير.

وقال بهدوء:

“عرفت.”

شحب وجه هناء.

فأكمل:

“إنتِ مش اللي كنتِ بتحركي كل حاجة.”

“إنتِ كنتِ واجهة.”

لأول مرة…

اختفت الثقة من عينيها.

أما ليلى فأغمضت عينيها.

وكأنها كانت تعرف أن هذه اللحظة ستأتي.

ثم قالت:

“قولها يا سليم.”

نظر إلى الجميع.

ثم قال ببطء:

“الشخص اللي خطط لكل حاجة…”

“واللي جمعكم كلكم في اللعبة دي…”

“واللي استفاد من كل حاجة…”

توقف لحظة.

ثم أكمل:

“مش هناء.”

في اللحظة نفسها…

جاء صوت إطلاق نار من خارج المستشفى.

ثم انفجار زجاج.

وصراخ الحراس.

وانطفأت الأنوار فجأة.

وغرق المكان كله في الظلام.

صرخت ريم.

وشدت آدم إلى صدرها.

أما سليم فاندفع نحوها فورًا.

وفي وسط الظلام…

سمع الجميع صوت امرأة يضحك.

ضحكة يعرفونها جيدًا.

ضحكة سعاد.

ثم جاء صوتها عبر مكبر صغير داخل الغرفة:

“مبروك…”

“أخيرًا وصلتوا للحقيقة.”

ثم أضافت بصوت بارد:

“بس متأخر جدًا.”

يتبع…

الفصل الرابع عشر

غرق المستشفى المهجور في ظلام كامل.

انقطعت الكهرباء.

وتردد صدى الإنذار القديم داخل الممرات.

أما ريم فكانت تضم آدم بكل قوتها.

كأنها تخشى أن يُنتزع منها مرة أخرى.

“متتحركوش!”

صرخ أحد الحراس.

وفي اللحظة نفسها اشتعلت كشافات الطوارئ الحمراء.

فأصبحت الجدران مغمورة بضوء أحمر مخيف.

يشبه ضوء الكوابيس.

وقف سليم أمام ريم وليلى وآدم.

كحاجز بشري.

وعيناه تمسحان المكان بسرعة.

أما هناء…

فكانت تنظر حولها بصدمة.

لأنها هي الأخرى لم تتوقع ما يحدث.

وهنا أدرك سليم شيئًا مهمًا.

سعاد لم تعد تعمل مع هناء.

من الواضح أنها تخلت عنها.

أو ربما…

كانت تستغلها منذ البداية.

دوى صوت سعاد من جديد عبر السماعات القديمة:

“أنا قلت لكم قبل كده إن هناء كانت مجرد واجهة.”

ضحكت.

ثم أضافت:

“زي ما كنتوا كلكم مجرد قطع شطرنج.”

صرخ سليم:

“إنتِ فين؟”

جاء الرد هادئًا.

باردًا.

“في المكان اللي المفروض أكون فيه من زمان.”

وفجأة…

أضاءت شاشة قديمة معلقة على الحائط.

وظهرت صورة مباشرة لسعاد.

كانت تقف داخل غرفة مجهولة.

وخلفها عشرات الملفات.

وصور كثيرة.

وصندوق حديدي ضخم.

نظرت إلى الكاميرا.

وقالت:

“تعبت.”

“بجد تعبت.”

ثم ضحكت ضحكة قصيرة.

“أربعين سنة وأنا بأصلح أخطاء غيري.”

اقتربت ليلى من الشاشة.

وقالت بغضب:

“أخطاء؟!”

“إنتِ خطفتي أطفال!”

“ودمرتي ناس!”

لكن سعاد هزت رأسها.

“أنا أنقذت ناس.”

ثم نظرت إلى ريم.

وقالت:

“حتى إنتِ.”

تجمدت ريم.

“إيه؟”

أخذت سعاد نفسًا عميقًا.

وقالت:

“يوم الحادث…”

“العربية اللي خبطت أسرتك ما كانتش صدفة.”

ساد الصمت.

صمت مرعب.

شحب وجه ريم.

أما سليم فقبض يده بقوة.

وقال:

“كملي.”

أجابت سعاد:

“كان فيه ناس عايزين يوصلوا لطفل معين.”

ثم أشارت نحو آدم.

“هو.”

ارتجف جسد ريم.

“ابني؟”

أومأت سعاد.

“أيوه.”

لم يعد أحد يفهم شيئًا.

حتى هناء نفسها كانت تنظر للشاشة بدهشة.

وكأنها تسمع القصة لأول مرة.

قال سليم بحدة:

“ليه؟”

ابتسمت سعاد ابتسامة متعبة.

ثم قالت:

“عشان آدم كان شاهد.”

ساد الصمت.

ثم انفجرت ريم:

“شاهد على إيه؟!”

أجابت سعاد:

“على حاجة شافها وهو صغير.”

“حاجة حصلت يوم موت والدته ليلى.”

التفت الجميع نحو ليلى.

أما هي فبدت مصدومة تمامًا.

وقالت:

“أنا؟”

لكن سعاد أكملت:

“في الليلة اللي اختفيتي فيها…”

“كان فيه حد تاني موجود.”

ثم نظرت مباشرة إلى سليم عبر الشاشة.

وأضافت:

“والحد ده هو اللي حاول يق*تلك.”

شحب وجه سليم.

لأنه تذكر شيئًا.

شيئًا دفنه في ذاكرته منذ سنوات.

في ليلة اختفاء ليلى…

تعرض فعلًا لمحاولة اغتيال غامضة.

نجا منها بأعجوبة.

لكن الفاعل لم يُعرف أبدًا.

همس:

“مستحيل.”

لكن سعاد أكملت:

“والطفل الوحيد اللي شاف القاتل…”

“كان آدم.”

ارتجفت ريم.

أما آدم فبدأ ينظر حوله بخوف.

وكأنه يتذكر شيئًا بعيدًا.

شيئًا حاول عقله الصغير نسيانه.

اقتربت ريم منه.

وركعت أمامه.

وقالت بلطف:

“آدم…”

رفع عينيه إليها.

“إنت فاكر حاجة؟”

ظل صامتًا للحظات.

ثم بدأت دموع صغيرة تتجمع في عينيه.

وقال:

“الرجل اللي كان لابس خاتم.”

تجمد المكان.

“إيه؟”

سألت ريم.

رفع الطفل يده الصغيرة.

ورسم دائرة في الهواء.

وقال:

“الخاتم الكبير.”

“كان عليه نسر.”

في اللحظة نفسها…

تغير وجه سليم بالكامل.

وكأن صاعقة ضربته.

لأن النسر الذهبي لم يكن شعارًا عاديًا.

بل شعار منظمة سرية قديمة.

مجموعة من رجال الأعمال والسياسيين النافذين.

مجموعة كان والده أحد أعضائها.

وغادرها قبل سنوات طويلة.

همست ليلى:

“لا…”

أما سعاد فأغمضت عينيها.

وقالت:

“أخيرًا افتكرت.”

ثم نظرت إلى الكاميرا للمرة الأخيرة.

وأضافت:

“دلوقتي بقى عندكم نصف الحقيقة.”

صرخ سليم:

“والنصف التاني؟!”

ابتسمت سعاد.

ثم قالت الجملة التي جمدت الدم في عروق الجميع:

“النصف التاني موجود عند الشخص اللي أسس المنظمة.”

توقفت لحظة.

ثم أكملت:

“والشخص ده…”

نظرت مباشرة إلى سليم.

“…أبوك.”

وفي اللحظة نفسها انطفأت الشاشة.

واختفت الصورة.

وعاد الظلام والصمت إلى المكان.

يتبع…الفصل الخامس عشر

ظل الجميع ينظر إلى الشاشة السوداء.

كأنهم ينتظرون أن تعود للحياة.

أن تظهر سعاد مرة أخرى.

أن تقول إن كل ما سمعوه مجرد كذبة.

لكن الشاشة بقيت مظلمة.

صامتة.

باردة.

مثل الحقيقة التي بدأت تتكشف أمامهم.

كان أول من تكلم هو سليم.

بصوت منخفض جدًا.

“أبويا مات من عشر سنين.”

رفعت ليلى عينيها نحوه.

وقالت بهدوء:

“إحنا متأكدين من ده؟”

تجمد.

لأن السؤال نفسه لم يخطر بباله يومًا.

والده، محمود الحديدي، أُعلن موته رسميًا.

أقيمت جنازته.

ودُفن.

لكن فجأة…

بعد كل ما حدث…

لم يعد سليم متأكدًا من أي شيء.

لا من موت ليلى.

ولا من حقيقة آدم.

ولا من ياسين.

فلماذا يكون موت والده استثناءً؟

قطع أفكاره صوت آدم.

كان ممسكًا بيد ريم بقوة.

وينظر إلى الأرض.

ثم قال فجأة:

“أنا فاكر المكان.”

التفت الجميع نحوه.

ركعت ريم أمامه.

“أنهي مكان يا حبيبي؟”

رفع رأسه ببطء.

وعيناه ممتلئتان بالخوف.

“المكان اللي فيه الراجل.”

شعرت بقشعريرة تسري في المكان كله.

أما سليم فاقترب فورًا.

“إيه اللي فاكره؟”

أخذ الطفل نفسًا عميقًا.

كما لو كان يحاول إخراج ذكرى دفنها داخله سنوات.

ثم قال:

“كان فيه بيت كبير.”

“وتماثيل.”

“وبحيرة.”

“والراجل كان بيقعد قدام النار.”

تبادل الجميع النظرات.

لكن ليلى هي التي شهقت أولًا.

“القصر القديم.”

همست.

التفت إليها سليم.

“إيه؟”

قالت:

“قصر والدك في الفيوم.”

شحب وجهه.

لأنه يعرف المكان جيدًا.

قصر ضخم بناه محمود الحديدي منذ ثلاثين سنة.

وأغلقه بالكامل بعد وفاة زوجته.

ومنذ موته…

لم يدخله أحد.

أو هكذا كانوا يعتقدون.

قال سليم ببطء:

“القصر مهجور.”

لكن ليلى هزت رأسها.

“مش بالضرورة.”

ثم أضافت:

“وأنا متأكدة إن سعاد كانت تقصد المكان ده.”

ساد الصمت.

قبل أن يخرج أحد الحراس هاتفه فجأة.

وينظر إلى الشاشة.

ثم يشحب وجهه.

“باشا.”

رفع سليم رأسه.

“في إيه؟”

أجاب الرجل:

“وصلتني صور من فريق الحراسة اللي راح القصر.”

فتح الصورة.

ثم مد الهاتف إلى سليم.

نظر سليم.

وتوقف قلبه للحظة.

لأن الصورة كانت حديثة.

ملتقطة قبل دقائق.

أمام القصر المهجور.

وكان هناك شيء واضح جدًا.

سيارات.

عشر سيارات سوداء فاخرة.

متوقفة داخل الساحة.

وأنوار مشتعلة في الطابق العلوي.

همست ريم:

“في حد هناك.”

لكن الصدمة الحقيقية كانت في الصورة الثانية.

كبر الحارس الصورة.

وأظهر مدخل القصر.

وكان هناك رجل يقف أمام الباب.

ظهره للكاميرا.

شعره الأبيض مرتب بعناية.

قامته مستقيمة.

ويرتدي بدلة سوداء فاخرة.

أما سليم…

فشعر بأن الدم اختفى من وجهه بالكامل.

لأنه يعرف ذلك الرجل.

يعرف طريقة وقوفه.

ويعرف شكل كتفيه.

ويعرف حتى طريقة إمساكه للعصا.

همس بصوت مبحوح:

“مستحيل.”

اقتربت ليلى من الصورة.

ثم وضعت يدها على فمها.

أما ريم فلم تفهم.

وقالت:

“مين ده؟”

أجاب سليم دون أن يرفع عينيه عن الصورة.

“أبويا.”

ساد صمت ثقيل.

ثم رفع رأسه ببطء.

وفي عينيه شيء لم تره ريم من قبل.

ليس الخوف.

ولا الغضب.

الخيانة.

لأن الرجل الذي قضى عشر سنوات ينعاه…

قد يكون حيًا طوال هذا الوقت.

والأسوأ من ذلك…

أنه قد يكون خلف كل شيء.

وفي اللحظة نفسها…

داخل القصر القديم في الفيوم…

كان الرجل ذو الشعر الأبيض يجلس أمام المدفأة.

يحمل كأسًا من الشاي.

وينظر إلى شاشة كبيرة تعرض بثًا مباشرًا من المستشفى المهجور.

ظهرت على الشاشة صورة سليم.

وريم.

وليلى.

وآدم.

فابتسم الرجل ببطء.

ثم قال لشخص يجلس في الظل:

“أخيرًا وصلوا.”

خرج الشخص من الظلام.

وكانت سعاد.

جلست أمامه.

وقالت:

“زي ما توقعت.”

ابتسم الرجل.

ثم نظر إلى صورة ابنه على الشاشة.

وقال بهدوء مرعب:

“دلوقتي تبدأ المرحلة الأخيرة.”

يتبع…الفصل السادس عشر

انطلقت السيارات في طريقها إلى الفيوم قبل أن يطلع الفجر.

لم يعد هناك وقت للتردد.

ولا وقت للأسئلة.

كل طريق أوصلهم في النهاية إلى اسم واحد.

محمود الحديدي.

الرجل الذي ظن الجميع أنه مات منذ عشر سنوات.

داخل السيارة الأولى…

كان سليم صامتًا.

ينظر من النافذة إلى الطريق المظلم.

لكن عقله كان يعود سنوات إلى الوراء.

إلى طفولته.

إلى والده.

إلى الرجل الذي كان يخشاه الجميع.

حتى داخل البيت.

لم يكن محمود الحديدي أبًا حنونًا.

كان قائدًا.

صارمًا.

باردًا.

وكان يؤمن أن المشاعر نقطة ضعف.

تذكر يومًا قال له فيه وهو طفل:

“الناس نوعين يا سليم… ناس بتحرك اللعبة… وناس بيتلعب بيها.”

وقتها لم يفهم.

أما الآن…

فبدأ يفهم أكثر مما يريد.

في السيارة الخلفية…

كانت ريم تحتضن آدم.

أما ليلى فجلست بجوارها.

لأول مرة منذ لقائهما.

بعيدًا عن الصدمات.

وبعيدًا عن المطاردات.

نظرت ريم إليها طويلًا.

ثم قالت:

“ليه ساعدتي ابني؟”

أغمضت ليلى عينيها.

ثم ابتسمت بحزن.

“لأني كنت أم.”

ساد الصمت.

ثم أكملت:

“لما شفت آدم أول مرة… افتكرت ملك.”

نظرت إلى الطريق.

وأضافت:

“افتكرت الخوف اللي كنت بحس بيه كل يوم.”

“وكنت عارفة إن الطفل ده اتاخد من أمه.”

امتلأت عينا ريم بالدموع.

لكنها لم تتكلم.

ثم قالت ليلى بصوت منخفض:

“سامحيني.”

تفاجأت ريم.

“على إيه؟”

أجابت ليلى:

“لأني معرفتش أرجعهولك.”

وقبل أن ترد ريم…

مد آدم يده الصغيرة.

وأمسك يد ليلى.

فانفجرت بالبكاء.

لأن الطفل الذي حاول الجميع استخدامه كقطعة في لعبة كبيرة…

ما زال يملك قلبًا أنقى من الجميع.

بعد ساعتين…

ظهرت أسوار القصر القديم.

ضخمة.

مرعبة.

وكأنها خرجت من زمن آخر.

لكن هذه المرة…

لم يكن القصر مظلمًا.

كانت الأضواء مشتعلة.

والبوابات مفتوحة.

وكأن صاحب المكان ينتظرهم.

توقفت السيارات.

وترجل الحراس.

لكن سليم رفع يده.

“محدش يدخل.”

نظروا إليه باستغراب.

أما هو فظل يحدق في القصر.

ثم قال:

“هو عايزني أنا.”

اعترضت ريم فورًا.

“مستحيل.”

لكن سليم هز رأسه.

“كل اللي حصل من البداية كان عشاني.”

ثم التفت إليها.

ولأول مرة منذ عرفته…

ابتسم.

ابتسامة هادئة.

وقال:

“خليكي مع آدم.”

ثم استدار.

ومشى وحده نحو البوابة.

داخل القصر…

كان محمود الحديدي جالسًا أمام المدفأة.

كما ظهر في الصورة.

وكأنه لم يتغير منذ عشر سنوات.

عندما فُتح الباب…

دخل سليم.

تلاقت أعينهما.

الأب.

والابن.

عشر سنوات من الغياب.

وعشرات الأسرار.

ومئات الأكاذيب.

اجتمعت كلها في تلك اللحظة.

ابتسم محمود.

وقال بهدوء:

“كبرت.”

أما سليم…

فلم يبتسم.

قال فقط:

“ليه؟”

ضحك الرجل العجوز.

“سؤال جميل.”

ثم أشار إلى المقعد المقابل.

“اقعد.”

لكن سليم بقي واقفًا.

فقال محمود:

“زي أمك تمامًا.”

اختفت الابتسامة من وجه سليم.

وقال بحدة:

“جاوب.”

تنهد محمود.

ثم نظر إلى النار المشتعلة أمامه.

وقال:

“لأن الإمبراطوريات ما بتتسابش للصدفة.”

ساد الصمت.

ثم أكمل:

“وأنت كنت ضعيف.”

اشتعل الغضب في عيني سليم.

لكن والده تابع:

“حبيت واحدة أكتر من شغلك.”

“اهتميت بطفل أكتر من السلطة.”

“وافتكرت إن الرحمة قوة.”

ثم رفع عينيه إليه.

وقال:

“وأنا كنت لازم أصلح ده.”

في الخارج…

كانت ريم تراقب القصر بقلق.

لكن فجأة…

شد آدم يدها.

وقالت:

“في إيه يا حبيبي؟”

نظر الطفل إلى أحد النوافذ في الطابق العلوي.

ثم شحب وجهه.

وهمس:

“هو هناك.”

تجمدت.

“مين؟”

ارتجف الطفل.

ثم قال الجملة التي جعلت الدم يتجمد في عروقها:

“الرجل اللي حاول يق-تل بابا سليم.”

رفعت ريم رأسها نحو النافذة.

وفي الظل…

رأت شخصًا يقف يراقبهم.

شخصًا لم يكن محمود الحديدي.

بل رجلًا آخر.

يرتدي خاتم النسر الذهبي.

ويبتسم.

وكأنه كان ينتظر وصولهم منذ البداية.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *