بعد وفاة جوزي حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الرابع
اتثبتت عيون الكل على الباب الحديد الصغير…
ولا حد نطق.
حتى حماتها…
اللي من شوية كانت بتوزع البيت كأنه بقى ملكها…
رجعت خطوة لورا.
المستشار حط المفتاح في القفل…
ولفه بهدوء.
صدر صوت “تك”.
واتفتح الباب.
جوه…
كانت فيه خزنة إلكترونية.
وفوقها ظرف أبيض كبير.
مكتوب عليه بخط أحمد:
“يتفتح في وجود الجميع.”
ناول المستشار الظرف لندى.
وقالت المحامية:
“اتفضلي.”
فتحت ندى الظرف…
وكان أول اللي فيه فلاشة.
وبعدين ملف أزرق.
وبعدين جواب.
بدأت تقرأ.
“لو وصلتوا للمرحلة دي…
يبقى للأسف…
الطمع كان أقوى من صلة الدم.”
حماتها صرخت:
“خلصينا بقى.”
لكن المستشار قال بحزم:
“هتسمعي للآخر.”
كملت ندى.
“أنا كنت عارف…
إن أول ناس هيدخلوا بيتي بعد وفاتي…
مش هيكونوا أصحاب ولا جيران…
هيكونوا أقرب الناس ليا.”
دموع ندى نزلت.
أما أخوه…
فبدأ يبص في الأرض.
“وعشان كده…
عملت حاجة واحدة…
حميت بيها كل اللي تعبت فيه.”
أشار المستشار للموظف.
وصل الفلاشة بالتلفزيون.
ظهر أحمد…
قاعد في مكتبه.
واضح إنه كان تعبان.
لكن بيبتسم.
قال:
“السلام عليكم…
لو بتشوفوا الفيديو ده…
يبقى أنا خلاص في مكان أحسن.”
ندى ماقدرتش تمسك نفسها.
قعدت على الكنبة وهي بتبكي.
أحمد كمل:
“أمي…
لو إنتِ واقفة قدام الشاشة…
أنا بحبك…
وربنا يعلم إني عمري ما قصرت معاكي.”
حماته بدأت تبكي.
لكن أحمد أكمل:
“بس الحب…
غير الطمع.”
الصالة كلها سكتت.
“أنا صرفت عليكم سنين…
وسددت ديون…
وعالجت ناس…
وفتحت بيوت.”
“لكن عمري…
ما حسيت إنكم حبيتوني…
قد ما حبيتوا اللي في جيبي.”
وشوشهم كلها اتغيرت.
“ولو إنتوا دلوقتي بتجمعوا حاجتي…
يبقى للأسف…
أنا كنت صح.”
ثم ابتسم ابتسامة هادئة.
وقال:
“بس أنا مجهزلكم مفاجأة.”
ضغط الموظف على الملف التالي.
ظهر كشف طويل.
كل حاجة كانت متسجلة.
تاريخ.
ساعة.
اسم كل قطعة.
وصورة ليها.
المستشار قال:
“قبل وفاة الأستاذ أحمد…
تم توثيق كل محتويات الفيلا رسميًا.”
ثم أخرج ورقة أخرى.
“وأي قطعة خرجت من مكانها…
بتعتبر محاولة استيلاء على ممتلكات.”
أخو أحمد قال بعصبية:
“إحنا عيلته.”
رد المستشار:
“وده لا يديش أي حد حق ياخد حاجة من البيت.”
ثم فتح الظرف الأخير.
وقال:
“وده أهم مستند.”
ندى بصت باستغراب.
المستشار ابتسم.
وقال:
“الأستاذ أحمد أنشأ صندوقًا خيريًا يحمل اسم والده.”
وسكت لحظة.
“وأوصى إن جزءًا كبيرًا من ثروته يروح للصندوق…
ولعلاج مرضى السرطان…
وتجهيز بنات الأيتام…
ومنح دراسية لطلاب غير القادرين.”
حماته شهقت.
وقالت:
“يعني… الفلوس؟”
رد المستشار:
“الفلوس راحت في المكان اللي أحمد اختاره بنفسه.”
“أما الحقوق القانونية لزوجته…
فمحفوظة بالكامل.”
في اللحظة دي…
واحد من أولاد العم حاول يخرج بهدوء وهو شايل شنطة.
لكن أول ما فتح الباب…
دخل ضابط شرطة.
ومعاه فردان.
بص للشنطة.
وقال:
“ممكن نفتشها؟”
فتحها.
طلع منها ساعتين…
وجهاز لوحي…
وأوراق تخص أحمد.
الضابط قال بهدوء:
“دي متعلقات مش من حقك.”
اتحول وش الراجل للأصفر.
وبدأ يبرر.
لكن الضابط طلب من الجميع يسيبوا اللي في إيديهم.
خلال دقائق…
كل اللي اتاخد…
رجع مكانه.
خرجوا واحد ورا التاني…
من غير ما يبصوا في وش ندى.
أما حماتها…
وقفت قدام صورة أحمد.
وبكت لأول مرة…
وقالت بصوت مكسور:
“سامحني يا ابني…
أنا خسرتك…
وخسرت نفسي.”
ندى ما ردتش.
كل اللي عملته…
إنها قربت من صورة أحمد.
عدلتها.
وحطت قدامها وردة بيضا.
وهمست:
“اطمن…
أنا هنفذ كل وصية كتبتها…
وهخلي اسمك يفضل عايش بالخير…
مش بالخلاف.”
قفلت باب الفيلا بهدوء.
ولأول مرة منذ أيام…
حست إن البيت رجع بيتها.
لكن الأهم…
إن أحمد…
حتى بعد رحيله…
عرف يحميها للمرة الأخيرة.
الفصل الخامس
عدّى أسبوع…
والفيلا رجعت هادية…
لأول مرة من يوم وفاة أحمد.
ندى كانت كل يوم تصحى بدري…
تفتح الشبابيك…
وتسقي الورد اللي أحمد كان بيزرعه بإيده.
كل ركن في البيت…
كان بيفكرها بيه.
كوباية القهوة المفضلة…
الكرسي اللي كان بيقعد عليه…
حتى المفاتيح اللي كان دايمًا ينساها فوق الكونسول.
لكن رغم الوجع…
كانت حاسة إن في حاجة لسه مخلصتش.
الساعة كانت حوالي عشرة الصبح…
لما المحامية سارة كلمتها.
وقالت:
“ممكن تيجي الشركة النهارده؟”
استغربت ندى.
وقالت:
“الشركة؟”
ردت سارة:
“أيوه…
في اجتماع مجلس الإدارة…
وأحمد كان سايب تعليمات تخصك.”
بعد ساعة…
كانت ندى داخلة مبنى الشركة.
الموظفين أول ما شافوها…
وقفوا كلهم.
واحدة من الموظفات قربت منها.
وقالت وهي بتبكي:
“البقاء لله يا مدام ندى.”
ندى ابتسمت بالعافية.
وشكرتها.
لكنها لاحظت حاجة غريبة…
كل الناس كانوا بيبصولها باحترام.
مش بشفقة.
دخلت قاعة الاجتماعات.
ولقت كل أعضاء مجلس الإدارة قاعدين.
وفي آخر الترابيزة…
كان فيه كرسي أحمد…
فاضي.
أول ما قعدت…
قام المستشار القانوني.
وقال:
“قبل ما نبدأ…
لازم ننفذ آخر قرار إداري وقعه الأستاذ أحمد.”
فتح ظرف مختوم.
وبدأ يقرأ.
“اعتبارًا من تاريخ وفاتي…
تتولى زوجتي…
ندى…
رئاسة مجلس الإدارة…
والإدارة التنفيذية للشركة…
إلى حين انتخاب رئيس جديد…
إذا رغبت هي في ذلك.”
سكتت القاعة كلها.
أحد الشركاء قال بدهشة:
“يعني… مدام ندى؟”
المستشار رد:
“ده قرار الأستاذ أحمد.”
واحد تاني اعترض.
“لكن هي ما اشتغلتش في الإدارة.”
ابتسم مدير الحسابات…
وقال:
“حضرتك واضح إنك ما تعرفهاش.”
وبص لندى.
وقال:
“الأستاذ أحمد كان بيقول دايمًا…
إن ندى هي أول واحدة بتراجع معايا الميزانيات…
وأول واحدة بتعرف أرقام الشركة.”
ندى افتكرت.
أحمد كان كل ليلة…
يحكي لها عن الشغل.
وكانت تساعده في ترتيب الأفكار.
من غير ما تحس…
كانت بتتعلم.
في آخر الاجتماع…
دخل سكرتير أحمد القديم.
وشايل صندوق صغير.
وقال:
“ده كان في مكتب الأستاذ أحمد.”
“وكان موصيني…
أسلمه لحضرتك…
بعد أول اجتماع.”
فتحت الصندوق.
كان فيه ساعة أحمد.
وقلمه.
ودفتر ملاحظاته.
وفوقهم…
رسالة.
فتحتها.
“ندى…
لو وصلتي لهنا…
يبقى عرفتي إني كنت واثق فيكي.”
“الناس هتبصلك على إنك أرملة أحمد.”
“لكن أنا…
كنت بشوفك شريكتي.”
“متخليش حد يخوفك…
ولا يخليكِ تتنازلي عن حقك.”
“ولو احتجتيني في يوم…
بصي في وش أي موظف اشتغل معايا بإخلاص…
هتلاقيني لسه موجود.”
ندى حضنت الرسالة.
وبكت.
لكن كانت دموع مختلفة.
مش دموع ضعف…
دموع امتنان.
في نفس الوقت…
كانت حماتها قاعدة في بيتها.
تتابع الأخبار.
وفجأة…
طلع تقرير عن شركة أحمد.
المذيع قال:
“مجلس الإدارة يعلن استمرار الشركة تحت قيادة السيدة ندى النجار…
تنفيذًا لوصية مؤسسها الراحل.”
حماتها بصت للشاشة…
وسكتت.
أما أخو أحمد…
فقال بغضب:
“إحنا لازم نرفع قض..ية.”
لكن المحامي اللي كان قاعد معاهم…
قفل الملف.
وقال:
“أنصحكم بلاش.”
“كل أوراق أحمد سليمة…
ولو دخلتوا أي قض..ية…
ممكن تخسروا أكتر.”
ساد الصمت.
لأول مرة…
عرفوا إن أحمد…
كان مرتب كل خطوة…
قبل ما يرحل.
وفي نفس اللحظة…
كانت ندى واقفة في مكتب أحمد.
بصت من الشباك على الشركة.
وابتسمت وهي تهمس:
“وعد يا أحمد…
هحافظ على كل حاجة بنيتها…
وهخليهم يفتكروك…
بالنجاح…
مش بالخلاف.”
يتبع…الفصل السادس
مرت ستة شهور…
والشركة كانت مختلفة تمامًا.
ندى ما حاولتش تبقى نسخة من أحمد…
كانت نفسها.
قريبة من الموظفين…
تسمع قبل ما تقرر…
وتراجع كل حاجة بنفسها.
الغريب…
إن الأرباح زادت.
والعملاء الكبار…
بدأوا يرجعوا من تاني.
كل ما حد كان يسألها:
“إزاي قدرتي؟”
كانت تبتسم وتقول:
“أنا بنفذ اللي أحمد كان بيحلم بيه.”
في صباح هادئ…
دخل عليها مدير الموارد البشرية.
وقال:
“يا مدام ندى…
في ست كبيرة بره…
مُصرة تشوف حضرتك.”
استغربت.
“مين؟”
قال:
“مش راضية تقول اسمها.”
قالت:
“دخلها.”
بعد لحظات…
دخلت حماتها.
لكنها ما كانتش نفس الست.
وشها باين عليه التعب…
وشعرها بقى كله أبيض تقريبًا.
ولأول مرة…
كانت داخلة من غير صوت عالي.
ولا أوامر.
وقفت قدام المكتب.
وقالت بصوت مكسور:
“ممكن أقعد؟”
ندى أشارت لها بالكرسي.
قعدت حماتها…
وسكتت شوية.
وبعدين قالت:
“أنا جاية أعتذر.”
ندى بصتلها…
من غير ما تتكلم.
قالت:
“بعد ما أحمد مات…
افتكرت إن الفلوس هتعوضني.”
“لكن كل يوم كنت بصحى…
وأفتكر إني آخر حاجة عملتها مع ابني…
إني خلت مراته تبكي يوم جنازته.”
بدأ صوتها يتهز.
“أنا ظلمتك.”
“وظلمته.”
“وخسرت ابني…
قبل ما أخسره بالموت.”
ندى فضلت ساكتة.
حماتها طلعت ظرف من شنطتها.
وقالت:
“دي كل المفاتيح اللي كانت معايا.”
“ونسخة من أي ورقة كانت تخص أحمد.”
“ومش جاية أطلب حاجة.”
“جاية أقول…
سامحيني لو تقدري.”
ندى فتحت الظرف.
كان فعلًا فيه كل المفاتيح.
حتى المفتاح القديم…
اللي دخلوا بيه الفيلا يوم الجنازة.
قفلت الظرف.
وقالت بهدوء:
“أنا مش قادرة أنسى اللي حصل.”
حماتها نزلت رأسها.
ندى كملت:
“لكن علشان أحمد…
مش هفضل شايلة كراهية.”
بدأت دموع حماتها تنزل.
ندى قامت.
ومدت لها إيديها.
وقالت:
“ابدئي صفحة جديدة.”
حماتها حضنتها…
وبكت بحرقة.
بعد سنة كاملة…
كان افتتاح أول مركز خيري…
باسم “مؤسسة أحمد النجار للخير والتنمية.”
المكان كان مليان أطفال…
وأسر محتاجة…
وشباب بياخدوا منح تعليمية.
على مدخل المؤسسة…
كانت صورة كبيرة لأحمد.
وتحتها جملة اختارتها ندى من إحدى رسائله:
“الثروة الحقيقية… هي الخير اللي تسيبه بعدك.”
وقفت ندى قدام الصورة.
وحطت وردة بيضا.
وقالت بابتسامة هادئة:
“وعدك اتنفذ يا أحمد.”
في اللحظة دي…
قرب منها طفل صغير.
وقال ببراءة:
“هو الأستاذ أحمد ده كان بابا حضرتك؟”
ابتسمت وهي تنظر للصورة.
وقالت:
“لأ…”
“كان الإنسان…
اللي علمني إن المحبة…
أكبر من أي ميراث.”
رفعت عينيها للسماء.
وكان قلبها لأول مرة…
هادئ.
أما الفيلا…
اللي دخلها الناس يومًا ينهبوا محتوياتها…
فبقيت بيتًا دافئًا…
مليئًا بالذكريات الجميلة.
وأما الذين دخلوا طمعًا…
فخرجوا بلا شيء.
لأن أحمد…
ترك لهم آخر مفاجأة فعلًا:
أن المال قد يورَّث…
لكن الاحترام…
والوفاء…
والسيرة الطيبة…
لا يملكها إلا من عاش بها.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *