زوجة اخي حكايات اسما×5
الفصل التاسع
“فيه إطلاق نار هناك دلوقتي.”
الجملة خلت كل اللي في الغرفة يتحركوا في نفس اللحظة.
الضباط جَروا ناحية الباب.
وأحمد اندفع واقفًا.
أما أنا فقلبي كان هيخرج من صدري.
“أنا جاية.”
الضابط رفض فورًا.
“مستحيل.”
لكنني نظرت له بعينين مليئتين بالإصرار.
وقلت:
“إذا كان ابن أخويا هناك… محدش هيمنعني.”
بعد أقل من ساعة كانت سيارات الشرطة تشق الطريق بسرعة جنونية.
المكان كان مزرعة قديمة مهجورة على أطراف المدينة.
سور متهالك.
مبانٍ قديمة.
ومخازن مهجورة.
وأصوات الطلقات ما زالت تُسمع من بعيد.
أحمد نزل من العربية قبل ما تقف بالكامل.
والضباط حاولوا يوقفوه.
لكن مفيش أب يكتشف إن ابنه عايش بعد أربع سنين ويقدر يستنى.
دخلنا وسط الفوضى.
أضواء سيارات الشرطة.
صراخ.
وأوامر متلاحقة.
وفجأة سمعنا صوت طفل يبكي.
الكل اتجمد.
ثم جرى الضباط ناحية المصدر.
وأحمد كان أول واحد وصل.
دخل مخزنًا صغيرًا في نهاية المزرعة.
وأنا خلفه.
ولما دخلنا…
وقف الزمن.
كان هناك طفل صغير.
نحيف.
خائف.
جالس في زاوية ويضم ركبتيه إلى صدره.
بمجرد ما رفع رأسه…
شعرت أنني أرى نسخة مصغرة من أحمد.
نفس العينين.
نفس النظرة.
حتى طريقة عقد الحاجبين.
أحمد سقط على ركبتيه.
والدموع انفجرت من عينيه.
همس:
“ابني…”
الطفل لم يفهم.
ظل ينظر إليه بخوف.
ثم اقترب أحد الضباط بهدوء.
وقال:
“متخافش يا بطل.”
لكن قبل أن تكتمل اللحظة…
سمعنا صرخة في الخارج.
ثم صوت طلقة أخيرة.
الجميع التفت.
وركض الضباط إلى الخارج.
أما أنا وأحمد فبقينا مع الطفل.
لكن بعد دقائق عاد أحد الضباط.
وشكله متوتر.
قلت بسرعة:
“إيه اللي حصل؟”
سكت.
ثم قال:
“لقينا كريم.”
توقفت أنفاسي.
“فين؟”
رد بصوت منخفض:
“بره.”
خرجنا بسرعة.
وكانت سيارات الإسعاف وصلت.
وفي منتصف الفناء الترابي…
كان كريم ممددًا على الأرض.
مصابًا.
لكنه ما زال حيًا.
اقتربت منه.
ولأول مرة منذ اكتشفت الخيانة رأيته ضعيفًا.
منهارًا.
خائفًا.
فتح عينيه بصعوبة.
ولما شافني حاول يبتسم.
لكن الألم منعه.
همس:
“لقيتوه؟”
لم أرد.
أما أحمد فقال:
“لقيناه.”
دمعت عينا كريم.
وأغمضهما للحظة.
ثم قال:
“الحمد لله.”
نظرت إليه بعدم فهم.
كل هذا الخراب…
ثم يقول الحمد لله؟
لكن كريم رفع يده المرتعشة.
وأشار إلى أحمد.
وقال:
“سامحني.”
أحمد لم يتكلم.
فأكمل كريم:
“أنا خنتك.”
“وظلمتك.”
“ودمرت حياتك.”
ثم نظر نحوي.
وقال:
“وظلمتك أكتر من أي حد.”
دموعي نزلت رغمًا عني.
لكن ليس حبًا.
بل حزنًا على السنوات الضائعة.
سنوات عشناها فوق أكوام من الأكاذيب.
وفجأة أمسك كريم بذراع أحمد.
وقال بصعوبة:
“في حاجة أخيرة.”
اقترب أحمد.
وكريم همس بكلمات لم يسمعها أحد غيره.
اتسعت عينا أحمد.
وقال:
“إيه؟!”
لكن كريم كان قد بدأ يفقد وعيه.
حاول أحمد يهزه.
“كريم!”
لكن المسعفين أسرعوا نحوه.
وأخذوه إلى سيارة الإسعاف.
أما أحمد فظل واقفًا مكانه.
شاحب الوجه.
مصدوماً.
اقتربت منه.
وقلت:
“قالك إيه؟”
بصلي طويلًا.
ثم قال:
“قال إن ماجدة عمرها ما كانت بتحبه.”
عقدت حاجبي.
فأكمل:
“قال إنها كانت بتحاول تخرج من كل اللي حصل.”
“وإن فؤاد هو اللي كان ماسك عليهم ملفات وصور وبيهددهم طول السنين.”
سكت لحظة.
ثم أكمل:
“وقال إن نص الخيانة كانت خوف… مش حب.”
لم أعرف ماذا أشعر.
غضب؟
شفقة؟
كره؟
كل شيء اختلط ببعضه.
لكن النهاية الحقيقية لم تكن قد جاءت بعد.
لأن الضابط المسؤول اقترب منا.
وفي يده ملف جديد.
وقال:
“فيه مفاجأة أخيرة.”
نظرنا إليه.
ففتح الملف.
ثم ابتسم لأول مرة منذ بداية القض..ية.
وقال:
“نتيجة التحاليل النهائية وصلت.”
أحمد قال بسرعة:
“وبعدين؟”
رد الضابط:
“الطفل الرضيع فعلًا مش ابن أحمد.”
سكت لحظة.
ثم أكمل:
“لكن بعد مراجعة كل الملفات اتضح إنه مش ابن كريم ولا فؤاد ولا أي شخص من اللي شكينا فيهم.”
شهقت.
“أمال ابن مين؟”
أغلق الضابط الملف.
ونظر إلى أحمد مباشرة.
وقال:
“الطفل الرضيع… ابنك أنت كمان.”
ساد الصمت.
صمت كامل.
أما أحمد فبقي يحدق فيه غير مصدق.
وقال:
“إزاي؟”
ابتسم الضابط وقال:
“لأن التحليل الأول كان مزور.”
انتهى الفصل التاسع.
الفصل العاشر والأخير
“لأن التحليل الأول كان مزور.”
لثوانٍ طويلة محدش فينا نطق.
أحمد كان واقف كأنه مش مستوعب.
وبعدين قال بصوت مخنوق:
“يعني… الطفل ابني؟”
الضابط هز رأسه.
“التحليل اللي وصلك كان متبدل.”
“وإحنا اكتشفنا أثناء التحقيق إن المعمل نفسه كان جزء من شبكة التزوير.”
نزل أحمد على ركبتيه.
وبكى.
بكى لأول مرة من قلبه.
مش بسبب الخيانة.
ولا بسبب الصدمة.
لكن لأنه عرف إن ابنه الرضيع ابنه فعلًا.
وإن الطفل الأكبر كمان ابنه.
يعني رغم كل اللي ضاع…
أولاده لسه أولاده.
أما أنا فحسيت لأول مرة إن حملًا ثقيلًا انزاح من على صدري.
لكن كان لسه فيه حسابات كتير.
حسابات مؤجلة من سنين.
—
بعد أسابيع قليلة…
التحقيقات كشفت كل شيء.
فؤاد الجبالي اعترف بمعظم جرائمه مقابل تخفيف بعض العقوبات.
واتضح إنه كان يدير شبكة ضخمة من التزوير وغسيل الأموال.
وإنه استخدم ناس كتير كأدوات.
منهم كريم.
ومنهم ماجدة.
لكن ده ماكانش معناه إنهم أبرياء.
كريم اعترف بكل حاجة.
وواجه عشرات التهم.
تزوير.
نصب.
إخفاء مستندات.
والاشتراك في جرائم مالية.
أما ماجدة فاعترفت بدورها هي كمان.
واعترفت بخيانتها.
واعترفت إنها سمحت للخوف والطمع يدمروا حياتها وحياة ناس كانت بتحبها.
—
بعد ثلاثة أشهر…
وقفت في المحكمة.
أمام القاضي.
وأمام كريم.
لآخر مرة.
كان أضعف بكتير من الرجل اللي اتجوزته.
شعره بدأ يشيب.
وعينيه فقدوا اللمعة اللي كانت فيهم.
نظر لي طويلًا.
وقال:
“أنا آسف.”
كلمة كنت مستنياها سنين.
لكن لما سمعتها…
محستش بحاجة.
لا فرحة.
لا انتصار.
ولا حتى راحة.
بعض الجروح بتوصل لمرحلة الاعتذار ما يعالجهاش.
اكتفيت إني أبصله.
ثم استدرت ورحلت.
وخرجت من حياتي للأبد.
—
أما أحمد…
فكانت رحلته أصعب.
عرف إن أولاده أولاده فعلًا.
لكن الخيانة ما اختفتش.
والذكريات ما اختفتش.
احتاج وقت طويل جدًا عشان يقدر يقف على رجليه من جديد.
لكن وجود الطفلين ساعده.
كل يوم كان يقضيه معاهم كان بيرجع له جزء صغير من روحه.
جزء من نفسه اللي انكسر.
—
وماجدة؟
اتحكم عليها في القضايا المرتبطة بالتزوير.
لكن أكتر عقوبة أخدتها ما كانتش من المحكمة.
كانت من نفسها.
كانت نظرة أحمد الأخيرة ليها.
النظرة اللي فهمت منها إنها خسرت الشخص الوحيد اللي كان بيحبها بصدق.
وخسرته للأبد.
—
بعد سنة كاملة…
كنت قاعدة في جنينة بيت أمي.
الشمس كانت هادية.
والجو جميل.
وأحمد كان بيلعب مع الطفلين.
واحد على كتفه.
والتاني ماسك إيده.
وأمي بتضحك لأول مرة من شهور طويلة.
بصيت للمشهد.
وحسيت إني برجع أتنفس من جديد.
يمكن ما رجعناش زي الأول.
يمكن في حاجات عمرها ما هتتصلح.
لكننا نجينا.
وده كان كفاية.
في اللحظة دي أحمد قعد جنبي.
وقال:
“فاكرة يوم ما كنت بقولك إنتِ بنتي قبل ما تكوني أختي؟”
ابتسمت وسط دموعي.
وقلت:
“فاكرة.”
ابتسم هو كمان.
وقال:
“لسه عند كلامي.”
ضحكت لأول مرة من قلبي.
وبصيت للسماء.
وحسيت إن أبويا لو كان شايفنا دلوقتي…
كان هيبقى مطمن.
لأن الحقيقة اتكشفت.
والظلم انتهى.
واللي اتكسر…
بدأ يلتئم.
تمت.
