اصفاد حديد حكـايـات أسمـا ×2
بعد سبع سنوات
“ماما… هو الشر فعلًا بيكسب أحيانًا؟”
رفعت أميرة رأسها عن الأوراق التي كانت تصححها على طاولة المطبخ.
كان ياسين يجلس أمامها.
سبع سنوات كاملة مرت منذ تلك الليلة.
سبع سنوات منذ خرج إلى الدنيا بين الموت والحياة.
أصبح الآن طفلًا ذكيًا بعينين واسعتين وشعر أسود كثيف.
والأغرب…
أن عينيه كانتا تشبهان عيني أميرة تمامًا.
ابتسمت وهي تنظر إليه.
“ليه بتسأل السؤال ده؟”
تنهد ياسين.
“ولد في المدرسة بيضرب العيال الصغيرة. وكل مرة يهرب من العقاب.”
أغلقت أميرة القلم.
ثم أشارت إليه أن يقترب.
جلس بجوارها.
وضعت يدها على شعره.
“بص يا ياسين… الشر ممكن يكسب جولة.”
سكتت لحظة.
“لكن عمره ما بيكسب الرحلة كلها.”
فكر قليلًا.
“يعني؟”
ابتسمت.
“يعني ممكن تشوف حد ظالم معاه فلوس أو سلطة أو ناس بتخاف منه.”
“آه.”
“لكن الحقيقة بتجري وراه حتى لو بعد سنين.”
لم يفهم ياسين تمامًا.
لكنه هز رأسه.
ثم عاد لواجباته.
أما أميرة…
فظلت تنظر إليه طويلًا.
كلما كبر أكثر…
كلما ازداد شبهًا بالحياة التي كادت تفقدها.
رن هاتفها.
كان كريم.
ردت مبتسمة.
“إزيك يا خالو البطل؟”
جاءها صوته الضاحك:
“أنا تحت البيت.”
نظرت من النافذة.
وجدت سيارة كريم.
وبجواره رجل طويل يرتدي معطفًا أسود.
ضحكت فورًا.
“وسليم معاك.”
رد كريم:
“عرفتي منين؟”
“لأن محدش غيره بينزل من العربية كأنه داخل يفتح دولة.”
سمعت ضحكة سليم في الخلفية.
وبعد دقائق كانا داخل المنزل.
قفز ياسين من مكانه.
“خالو كريم!”
حمله كريم بين ذراعيه بسهولة.
“كبرت يا راجل.”
ثم أشار إلى سليم.
“سلم على عم سليم.”
ركض ياسين نحوه فورًا.
كان يعتبره بطلًا حقيقيًا.
لا يعرف كل القصة.
لكنه يعرف أن هذا الرجل أنقذ أمه يومًا ما.
انحنى سليم وربت على رأسه.
“عامل إيه يا بطل؟”
قال ياسين بفخر:
“جبت الدرجة النهائية في العلوم.”
رد سليم:
“يبقى أنا اللي لازم أخاف منك.”
ضحك الجميع.
كان مشهدًا بسيطًا.
عاديًا.
لكن أميرة كانت تعرف قيمته.
لأنها عاشت زمنًا كانت فيه تحلم فقط بوجبة هادئة دون خوف.
بعد العشاء جلسوا في الشرفة.
نسيم القاهرة الليلي يمر بين الأشجار.
وأصوات السيارات بعيدة.
قال كريم فجأة:
“في حاجة لازم تعرفيها.”
رفعت أميرة حاجبها.
“خير؟”
نظر كريم إلى سليم.
ثم قال:
“طارق طلب يقابلك.”
ساد الصمت.
حتى الهواء بدا وكأنه توقف.
وضعت أميرة كوب الشاي ببطء.
“بعد سبع سنين؟”
هز كريم رأسه.
“وصلني طلب رسمي من إدارة السجن.”
سألت بهدوء:
“عايز إيه؟”
رد كريم:
“بيقول إنه عايز يعتذر.”
ضحك سليم ضحكة قصيرة.
واضح أنه لم يقتنع.
أما أميرة فظلت صامتة.
لم تشعر بالغضب.
ولا بالخوف.
ولا بالرغبة في الانتقام.
فقط شعرت بشيء غريب.
كأن الاسم لم يعد يخصها.
كأن طارق أصبح شخصًا من كتاب قديم.
قالت أخيرًا:
“مش هروح.”
نظر إليها كريم.
“متأكدة؟”
ابتسمت.
“آه.”
“حتى لو ندم؟”
هزت رأسها.
“الندم بينه وبين ربنا.”
ثم نظرت إلى ياسين الذي كان يلعب في الحديقة.
“أما أنا… فبقي عندي حياة أهم من الماضي.”
مر أسبوع.
ثم أسبوعان.
وانتهى الموضوع.
لكن في مساء أحد الأيام وصل ظرف صغير إلى منزلها.
لم يكن يحمل اسم المرسل.
فتحت أميرة الظرف.
وجدت بداخله رسالة قصيرة بخط مرتعش.
كانت من طارق.
قرأتها وحدها.
“أميرة…
قضيت سنوات ألوم الجميع.
ألومك.
وألوم كريم.
وألوم سليم.
وألوم ريم.
لكن لأول مرة فهمت أن السجن بدأ يوم حبستك في ذلك القفص.
أنا لم أكن أحبسك وحدك.
كنت أحبس آخر جزء إنسان بداخلي.
لا أطلب منكِ المغفرة.
ولا أتوقعها.
فقط أردت أن تعرفي أنني فهمت أخيرًا ما فعلته.”
انتهت الرسالة.
أغلقتها أميرة.
ثم وضعتها في الدرج.
دون دموع.
دون غضب.
دون أي شيء.
في الماضي كانت هذه الكلمات ستشغلها أسابيع.
أما الآن…
فكان لديها ما هو أهم.
في اليوم التالي كانت المدرسة تحتفل بتخرج دفعة جديدة.
وقفت أميرة على المسرح تلقي كلمة قصيرة.
ثم رأت فتاة صغيرة في الصفوف الأمامية تبكي.
نزلت إليها.
“مالك يا حبيبتي؟”
قالت الطفلة:
“بابا وماما بيتخانقوا طول الوقت.”
انكمش قلب أميرة للحظة.
جلست أمامها.
وقالت برفق:
“اسمعيني كويس.”
رفعت الطفلة عينيها.
“في ناس حوالينا ممكن يغلطوا.”
“آه.”
“لكن ده عمره ما يقلل من قيمتك.”
أومأت الصغيرة.
ثم مسحت دموعها.
ابتسمت أميرة.
في تلك اللحظة فهمت شيئًا مهمًا.
أن نجاتها لم تكن فقط لإنقاذ نفسها.
بل ربما لتصبح يدًا تمتد لغيرها.
عادت إلى البيت عند الغروب.
وجدت ياسين ينتظرها عند الباب.
ركض نحوها.
“ماما!”
حملته بين ذراعيها رغم أنه أصبح ثقيلًا.
فضحك.
“أنا كبرت!”
قالت:
“هتفضل صغير عندي.”
ضحك أكثر.
ومن خلفه ظهر كريم.
وخلف كريم ظهر سليم.
والحاجة أم حسن التي أصبحت تمشي بعصا لكنها ما زالت ترفض أن تفوت مناسبة واحدة.
وقف الجميع في الحديقة.
الشمس تغيب ببطء.
والسماء ملونة بالبرتقالي والذهبي.
نظر ياسين حوله وقال:
“إحنا عيلة كبيرة أوي.”
تبادل الجميع النظرات.
ثم ابتسموا.
لأن الطفل لم يكن يعرف أن هذه الجملة وحدها كانت أعظم انتصار.
ففي يوم من الأيام…
كانت أمه وحدها في قفص.
أما الآن…
فكانت محاطة بأشخاص يحبونها.
وهذا هو الفرق بين النجاة…
والحياة.
تم…يتبع
