روماني مكرم ×3
الجزء الخامس:
اتسمرت إيد محمود والقلم على الورقة، وعينيه اتعلقت بوش المحامي اللي اتقلب في ثانية وجاب ألوان. مروة كمان برودها اتهز لأول مرة، ولمت حواجبها وبصت للمحامي بنظرة حادة وقالت: “في إيه يا أستاذ؟ مين بيتكلم؟”
المحامي حط إيده على المايك بتاع التليفون وبص لمحمود بذهول وصدمة وقال: “ده الأستاذ وائل المحامي زميلنا من أسيوط.. بيقول إن الحاجة فاطمة والدتك، راحت من ساعتين الشهر العقاري هناك، ومعاها عقود تنازل وبيع نهائي لشقة الدور الأرضي والبيت كله باسمك يا محمود! مش بس كده.. دي بعتت له صور العقود وبتقول إنها عملت ده عشان ترفع عنك أي مديونية أو تهديد من مروة!”
محمود القلم وقع من إيده على المكتب، وبص للمحامي وهو مش مصدق: “أمي؟ أمي تنازلت ليا عن البيت كله؟”
المحامي كمل كلامه وهو بيبص في الموبايل: “والأخطر من كده.. الأستاذ وائل بيقول إن الحاجة فاطمة لما رجعت البيت، لقت “أم أحمد” الجارة واقفة على الباب بتبارك لها برضه بضحكة صفرا وتقولها إن مروة مكنتش بتحجز عمرة لأهلها من فلوسها.. دي باعت دهبها اللي محمود جابهولها في شبكتها وفي أيام جوازهم الأولى عشان تسفر أبوها وأمها!”
الكلمة نزلت على محمود ومروة زي الصاعقة. مروة وشها اتقلب وبان عليه التوتر، ومحمود قام وقف على حيله، عينيه كانت بتطلع شرار، وبص لمروة بنظرة ميكس بين الصدمة والانتصار وقال بصوت جهوري هز المكتب: “بِعتي دهبي يا مروة؟ دهبي اللي طافح فيه الدم في الغربة ومعامل التحاليل عشان أجيبهولك؟ بتبيعيه من ورايا ومن غير علمي عشان تسفري أهلك؟ وتعملي فيها الست الإنترناشونال اللي بتصرف من جيبها وتلوي دراعي بالقوانين والمحاضرين؟”
مروة وقفت بكل قوتها وحاولت تداري تترها وقالت بصوت عالي: “الدهب ده بتاعي! شرعاً وقانوناً دهب الست ملكها، وتعمل فيه اللي هي عايزاه! ومحدش ليه شوق في حاجة!”
محمود ضحك بسخرية ووجع، ومسك ورقة الشروط اللي كان هيمضيها وفضّلها حتت وراها في وشها وقال: “بتاعك لما تبيعيه في زنقة بيتك وعيالك! مش تبيعيه من ورا جوزك عشان تظهري قدام الناس إنك ست هانم وتكسري كرامتي وكرامة أمي! أمي اللي كنتِ بتقولي عليها حيزبونة وبتطردينا من شقتنا، نزلت النهاردة الصبح وكتبت لي البيت كله باسمي عشان تحميني منك ومن قضاياكِ! البيت اللي إنتِ دافعة نص الشقة الفوقانية فيه.. الأرض اللي واقفة عليها دي كلها بقت ملكي أنا! يعني المحضرين بتوعك دول يبلوا ورقهم ويشربوا ميته، ومفيش مخلوق يقدر يهوب ناحية البيت ده!”
المحامي بتاع مروة لم الورق بسرعة وحطه في الشنطة وقال: “أستاذة مروة.. الموقف القانوني اتغير تماماً دلوقتي. الحجز التحفظي وفك الشراكة على الشقة الفوقانية هيبقى صعب جداً لأن الأرض والعقار كله بقى ملك الأستاذ محمود، وده بيدخّلنا في قضايا تانية هتاخد سنين في المحاكم.”
مروة بصت لمحمود بنظرة كلها غل وتحدي، وقالت له: “فاكر نفسك كسبت يا محمود؟ البيت ده أنا مش هعتبة تاني، وولادك مش هتشوفهم إلا بحكم رؤية في نادي، والشركات الإنترناشونال والمحامين بتوعي هيعرفوا يربوك من أول وجديد في قضايا النفقة.. هخليك تدفع دم قلبك.”
محمود قرب منها وبص في عينيها بثقة لأول مرة من يوم الأزمة وقال: “أعلى ما في خيلك وخيل محامينك اركبيه يا ست مروة. النفقة هدفعها لولادي بـ يـدّي ورجلي فوق رقبتي لأنهم ولادي، بس إنتِ.. مبقاش ليكي مكان في حياتي ولا في بيتي. القطر فات فعلاً.. بس فات عليكي إنتِ.”
سابها محمود في المكتب واقفة بتغلي من الغيظ، ونزل جري على الشارع. ركب أول مواصلة ورجع على بيته في أسيوط. كان حاسس إن جبل انشال من على كتافه، بس جواه وجع كبير من مروة اللي هانت عشرتهم وباعت دهبه من وراه.
وصل البيت، دخل لقى الصالة منورة، والحاجة فاطمة قاعدة على الكنبة الكبيرة، ماسكة سبحتها وبتسبح بهدوء، ووشها كان رايق ومفيش فيه الخوف والكسرة بتوع الأيام اللي فاتت. محمود جري عليها، اترمي تحت رجليها وفضل يبوس إيدها وراسه وهو بيعيط: “سامحيني يا أمي.. أنا ظلمتك وقلت إنك خربتي بيتي، وإنتِ اللي صنتيني وحميتيني في الآخر.”
فاطمة طبطبت على راسه وقالت بحنان: “يا قلب أمك، الأم بتزعل من ابنها بس عمرها ما تكرهه ولا تسيبه يتكسر قدام الغريب. البيت بيتك يا محمود، والارض أرضك، ورأسك تفضل مرفوعة وسط الناس. مروة افتكرت إن فلوسها تعليها علينا، وماتعرفش إن الأصول والدم مبيتمنوش بفلوس.”
في اللحظة دي، تليفون محمود رن تاني.. بص في الشاشة لقى رقم غريب، رد وقال: “ألو.. مين معايا؟”
صوت راجل غريب وجاد جه من الناحية التانية وقال: “أنت الأستاذ محمود جوز الأستاذة مروة؟”
محمود قال بنبرة ناشفة: “أيوا أنا، خير؟”
الراجل قال: “أنا مدير الشؤون القانونية في الشركة الإنترناشونال اللي مدام مروة شغال فيها.. بنبلغك إن الأستاذة مروة موقوفة عن العمل من ساعة وجاري التحقيق معاها بتهمة اختلاس مبالغ كبيرة من حسابات الشركة، وفي قوة من مباحث الأموال العامة بتدور عليها دلوقتي!”
محمود وقف ومبقاش سامع صوت تكتكة الساعة.. وبص لأمه بذهول ورعب، والورق اللي في إيده اتهز..
#الكاتب_رومانى_مكرم
الجزء السادس:
الدنيا لفت بمحمود، والخط قطع. فضل حاطط الموبايل على ودنه وهو مش سامع غير صوت صفير في دماغه، وصوت دقات قلبه اللي بقت أسرع من تكتكة الساعة اللي في الصالة. الحاجة فاطمة وقفت بخضة، سابت السبحة من إيدها وقربت منه وهزت كفته: “في إيه يا محمود؟ وشك اتخطف ليه يا ابني؟ الراجل ده قالك إيه؟”
محمود بلع ريقه بصعوبة، وبص لأمه بعينين مبرقة من الصدمة: “مروة يا أمي.. مروة موقوفة عن الشغل، وبتوع الأموال العامة بيدوروا عليها بتهمة اختلاس مبالغ كبيرة من الشركة!”
فاطمة شهقت وحطت إيدها على صدرها: “يا مصيبتي! اختلاس؟ يعني سرقة؟ الهانم اللي كانت بتتنطط علينا بفلوسها وشغلها والشركات الإنترناشونال، طلعت بتاكل حرام؟”
في اللحظة دي، تليفون محمود رن تاني، بس المرة دي كان رقم أبو مروة. محمود رد بسرعة: “ألو.. يا عمي.”
صوت أبو مروة جه مخنوق وبيعياط ومرعوب: “الحقني يا محمود يا ابني.. إحنا في البيت لسه راجعين من المطار، ولقينا الشرطة واقفة تحت العمارة ومعاهم أمر ضبط وإحضار لمروة! مروة منهارة وفاقدة النطق وجالها انهيار عصبي.. تعالى ارجوك، مهما كان دي مراتك وأم عيالك، إحنا ملناش غيرك في المحنة دي!”
محمود اتلخبط، الغضب اللي كان جواه من لوي الدراع والتهديد اتمسح فجأة وحل محله الخوف على ولاده وعلى اسم بيته. بص لأمه، فاطمة لقت في عينه نظرة الحيرة، لوت بوزها وقالت بنبرة حازمة: “إياك تروح يا محمود! إياك تروح ترمي نفسك في النار عشان وحدة بغت عليك ودمرت بيتك وكانت عايزة ترميك في السجن! ربنا جابلك حقك لحد عندك، سيبها تتدبر في اللي عملته.”
محمود مسك إيد أمه وقال بوجع: “يا أمي، ولادي! عيالي هناك وشايفين أمهم والبوليس بياخدها! اسمي واسم ولادي هيتمرمط في الأرض! أنا لازم أروح أشوف العيال على الأقل.”
ساب محمود أمه ونزل يجري، ركب أول عربية وطلع على بيت أهل مروة. لما وصل، لقى الشارع مقلوب، وعربية البوكس واقفة قدام العمارة والناس متجمعة بتتفرج. محمود زق الناس ودخل بسرعة، طلع الشقة لقى الباب مفتوح، وأبو مروة قاعد على الكرسي حاطط راسه بين إيديه وبيعيط، وأمها نايمة في الأرض ومغمى عليها من الصدمة.
مروة كانت واقفة في النص، بس مكنتش مروة بتاعة الصبح.. مكنتش الست الأنيقة القوية اللي بترفع حاجبها وتتحدّى بالورقة والقلم. كانت لابسة عباية بيتي بسيطة، شعرها منكوش، وعينيها مليانة رعب ودموع، وإيدها بتترعش والكلابشات الحديد بتتحط في إيدها من عساكر المباحث.
أول ما عينيها جت في عين محمود، صرخت بأعلى صوتها وارتمت عليه والحديد في إيدها: “محمود! الحقني يا محمود! والله العظيم مظلومة! هما اللي لبسوني القضية في الشركة عشان يداروا على الحيتان الكبيرة! متسيبنيش يا محمود عشان خاطر عيالك!”
محمود بصلها بوجع وقهر، الست اللي من كام ساعة كانت بتمضيه على قرار إلغاء وجوده، دلوقتي بتستنجد بيه وبتتمسح في رجولته. الضابط بص لمحمود وقال: “أنت جوزها يا أستاذ؟” محمود قال: “أيوة يا فندم.” الضابط قال: “المدام متهمة بتحويل مبالغ ضخمة لحسابات برة مصر، وفي عقود وشيكات باسمها ثبت إنها مزورة. اتفضل معانا على القسم لو عاوز تتابع الإجراءات.”
محمود بص على أوضة الأطفال، لقى عياله قاعدين في الركن بيبكوا وركبهم في سدرهم من الخوف. جري عليهم وأخذهم في حضنه وفضل يبوس فيهم، ودموعه نازلة على وشوشهم. مروة أخدوها العساكر ونزلوا بيها وسط زفة من همس وتفرج الجيران، المشهد كان كفيل يكسر أي حد.
عدت ساعات الليل في القسم تقيلة كأنها دهور. محمود وقف مع المحامين، وعياله أخذهم معاه وروح بيهم على بيت أمه في أسيوط عشان يبعّدهم عن الفضيحة.
لما دخل البيت والعيال نايمين في حضنه، الحاجة فاطمة أول ما شافت عيال ابنها، قلبها حن، جريت عليهم وأخذتهم في حضنها وقعدت تعيط: “يا حبيبي يا واد أنت وهي.. ذنبكم إيه في اللعبة دي؟” بصت لمحمود وقالت: “المحامين قالوا إيه يا محمود؟”
محمود قعد على الكنبة بتعب وهلاك: “الموضوع كبير قوي يا أمي.. مروة باعت الدهب عشان تكمل الفلوس اللي كانت ناقصة من العهدة اللي تحت إيدها في الشركة عشان تداري على العجز قبل ما تسافر العمرة، بس المراجعة السنوية للشركة الإنترناشونال كشفت كل حاجة في نفس اليوم اللي سافرت فيه. يعني العمرة دي كانت هروب وتغطية، مش بر بأبوها وأمها!”
فاطمة لطمت على صدرها: “يا مري! يعني كانت بتلعب بينا وكل القوة والورق اللي عملته ده عشان تداري على مصيبتها؟”
محمود أخد نفس طويل، وبص للورقة القديمة اللي كانت مروة مقطعاها في مكتب المحامي، ولقى في جيبه ورقة تانية الضابط ادهالها كانت مروة كاتباها بخط إيدها وهي في الحجز وبتبعت هاله مع العسكري..
محمود فتح الورقة يقرأها، ولتاني مرة في نفس اليوم، ملامح وشه اتقلبت بس المرة دي مكنش خوف.. كانت صدمة من سر جديد مروة مخبياه ومكتوب في السطور.. سر لو طلع للنور، هيقلب كيان البيت كله من تاني!
#الكاتب_رومانى_مكرم