زوجي العجوز حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الثاني

 

الصبح دخل على البيت تقيل.

 

ماكانش شبه أي صباح عدى على نادية قبل كده.

 

الفيلا الكبيرة اللي كانت دايمًا مليانة صوت أوامر الحاج رفعت، ورنة تليفوناته، وخطواته التقيلة وهو نازل السلم كأنه نازل يستلم مملكة، كانت هادية بشكل يخوف.

 

نادية صحيت بدري كالعادة.

 

لكن المرة دي ماقامتش تعمل فطار لرفعت.

 

ماحضرتش له القهوة السادة اللي بيحبها.

 

ماطلعتش بدلته من الدولاب.

 

وماوقفتش قدام الباب تستنى تعليقه اليومي:

 

“الكرافتة دي مش لايقة.”

 

أو:

 

“القهوة باردة.”

 

أو:

 

“البيت عامل دوشة ليه؟”

 

المرة دي نزلت المطبخ بهدوء، عملت فطار بسيط لآدم، وحطتله ساندوتشات المدرسة في العلبة الزرقا اللي عليها ديناصور أخضر.

 

آدم كان قاعد على كرسي السفرة، بيحرك المعلقة في كوباية اللبن من غير ما يشرب.

 

وشه كان شاحب.

 

وعينيه تحتها هالات صغيرة.

 

نادية قربت منه ومسحت على شعره.

 

— مالك يا حبيبي؟

 

رفع عينيه لها وقال بصوت واطي:

 

— هو الحاج رفعت هيمشي النهارده؟

 

نادية سكتت لحظة.

 

السؤال كان بسيط.

 

لكن إجابته ماكنتش بسيطة.

 

رفعت ماخرجش من البيت امبارح.

 

بعد ما شاف الورق، وبعد مكالمة ابنه، وبعد ما اتكسرت هيبته قدام نفسه قبل ما تتكسر قدامهم، دخل أوضة مكتبه وقفل الباب عليه.

 

فضل طول الليل جواه.

 

لا أكل.

 

ولا نام.

 

ولا خرج.

 

نادية سمعت صوته أكتر من مرة بيتكلم في التليفون بعصبية.

 

مرة يزعق في محامي.

 

ومرة يتكلم مع كريم.

 

ومرة يصمت فجأة كأن اللي قدامه قاله كارثة.

 

وفي آخر الليل، سمعت صوت حاجة اتكسرت في المكتب.

 

يمكن كوباية.

 

يمكن برواز.

 

يمكن كبرياؤه.

 

قالت لآدم بهدوء:

 

— مش عارفة يا آدم.

 

بص لها بقلق:

 

— هو لو مشي… هتزعلِي؟

 

نادية قعدت قدامه.

 

— أنا هزعل على حاجات كتير يا حبيبي. بس مش هزعل على إني اخترتك.

 

آدم بلع ريقه.

 

— وأنا مش عايز أبقى سبب مشاكل.

 

نادية مسكت إيده الصغيرة.

 

— إنت مش سبب المشاكل. إنت السبب اللي خلاني أشوف الحقيقة.

 

آدم كان لسه صغير.

 

بس الجملة دخلت قلبه.

 

يمكن ما فهمهاش كلها.

 

لكن حس بيها.

 

في اللحظة دي، باب المكتب اتفتح.

 

نادية وآدم بصوا ناحية الصوت.

 

الحاج رفعت خرج.

 

كان لابس نفس هدوم امبارح.

 

القميص متكرمش.

 

وشعره الأبيض مش مترتب.

 

وعينيه حمرا كأنه ما نمش دقيقة.

 

المشهد كان غريب.

 

راجل طول عمره بيظهر قدام الناس كامل.

 

مكوي.

 

متظبط.

 

مسيطر.

 

وفجأة يخرج كده.

 

مكسور من غير ما يعترف.

 

بص عليهم.

 

نادية ثبتت مكانها.

 

وآدم نزل عينه في الطبق.

 

رفعت لاحظ.

 

وكان واضح إن الحركة وجعته.

 

قال بصوت أخف من العادة:

 

— آدم.

 

الولد ما ردش.

 

نادية ما تدخلتش.

 

رفعت قرب خطوة.

 

— رايح المدرسة؟

 

آدم هز راسه آه من غير ما يبصله.

 

رفعت بلع ريقه.

 

— السواق يوصلك.

 

آدم قال بسرعة:

 

— ماما هتوصلني.

 

جملة صغيرة.

 

لكنها كانت رفض واضح.

 

رفعت وقف مكانه.

 

كأن طفل عنده عشر سنين حط بينه وبينه باب حديد.

 

نادية قامت.

 

— يلا يا آدم.

 

آدم شال شنطته بسرعة، ومسك إيدها.

 

وهم خارجين، رفعت قال:

 

— نادية.

 

وقفت من غير ما تلف.

 

— عايز أتكلم معاكي لما ترجعي.

 

ردت بهدوء:

 

— لو الكلام عن آدم، مافيش كلام.

 

— وعن البيت؟

 

— مع المحامي.

 

— وعن الشركة؟

 

هنا لفتت له.

 

— الشركة مالها؟

 

رفعت سكت.

 

والسكات ده قال كل حاجة.

 

نادية بصتله شوية.

 

ثم قالت:

 

— لما أرجع.

 

وخرجت.

 

في العربية، آدم كان ساكت طول الطريق.

 

نادية حاولت تفتح معاه كلام عن المدرسة، عن الحصة، عن صاحبه يوسف، عن ماتش الكرة، لكنه كان بيرد بكلمة أو اتنين.

 

قبل ما ينزل من العربية، بص لها فجأة وقال:

 

— ماما.

 

— نعم يا قلب ماما.

 

— لو المدرس سألني عن واجب الرياضة أقول إيه؟

 

ابتسمت.

 

كان السؤال عادي جدًا.

 

وهذا العادي أنقذها.

 

لثواني حسّت إن ابنها لسه طفل.

 

لسه عنده واجب.

 

ومدرسة.

 

وشنطة.

 

ومسطرة ضايعة.

 

مش بس طفل اتكسر امبارح.

 

قالت:

 

— قوله إنك عملته وإن الكراسة في الشنطة.

 

— طب لو مالقيتهاش؟

 

— هتلاقيها في الجيب التاني.

 

ابتسم ابتسامة صغيرة.

 

ثم نزل.

 

وقبل ما يدخل بوابة المدرسة، رجع جري وحضنها.

 

حضن سريع.

 

لكن كان محتاجه.

 

وهي كمان كانت محتاجاه.

 

بعد ما دخل، فضلت واقفة بالعربية شوية.

 

لحد ما اختفى وسط الأطفال.

 

وبعدين أخدت نفس طويل ورجعت البيت.

 

لما وصلت الفيلا، لقت عربية غريبة واقفة بره.

 

سودا.

 

بسيطة.

 

مش من عربيات رفعت الفخمة.

 

دخلت وهي حاسة إن في حاجة غلط.

 

في الصالة كان فيه راجل في الخمسينات، لابس بدلة رمادي، وقاعد قدام رفعت.

 

أول ما شافها قام باحترام.

 

— مدام نادية؟

 

رفعت قال بسرعة:

 

— ده الأستاذ عادل. المحامي.

 

نادية بصتله.

 

— محاميك؟

 

الراجل رد قبل رفعت:

 

— محامي الشركة. أو كنت.

 

كلمة “كنت” خلت رفعت يبصله بغضب.

 

نادية قعدت على الكرسي المقابل.

 

— خير؟

 

المحامي عادل اتنحنح.

 

— بصراحة يا مدام نادية، وجود حضرتك بقى ضروري في الموضوع.

 

رفعت قال بعصبية:

 

— مافيش داعي تدخلها في التفاصيل.

 

نادية بصت لرفعت.

 

— إنت اللي قلت عن الشركة.

 

وبعدين بصت للمحامي.

 

— اتفضل.

 

المحامي فتح ملف كبير.

 

— من حوالي سبع سنين، الحاج رفعت دخل في شراكة مع مجموعة استثمارية. وقتها كان فيه توسعات ومشروعات كتير. بعض العقود اتعملت باسم الشركة، وبعض الضمانات اتحطت بأسماء شخصية.

 

نادية فهمت جزء.

 

لكن مش كله.

 

— يعني إيه؟

 

المحامي تردد.

 

رفعت ضرب بإيده على الترابيزة.

 

— خلّص يا عادل.

 

عادل بصله وقال:

 

— يعني الشركة عليها التزامات ضخمة. وفي تحقيق في تحويلات مالية قديمة. وفي احتمال تجميد أصول مرتبطة بالحاج رفعت.

 

نادية حسّت قلبها اتقبض.

 

— والبيت؟

 

رفعت رفع عينه لها بسرعة.

 

المحامي قال:

 

— البيت باسم حضرتك، وده يخليه بعيد عن الحجز المباشر حاليًا. لكن…

 

نادية ضيقت عينيها.

 

— لكن إيه؟

 

— في ناس ممكن تحاول تثبت إن التسجيل كان صوري.

 

رفعت قال بسرعة:

 

— وده مش هيحصل.

 

نادية بصتله.

 

— عشان كده كنت عايز تكلمني؟

 

رفعت سكت.

 

المحامي كمل:

 

— الحقيقة إن توقيع حضرتك على بعض الإقرارات ممكن يحمي الموقف.

 

نادية ضحكت ببرود.

 

— إقرارات؟

 

المحامي أخرج ورق.

 

— مجرد إقرار إن البيت تم تسجيله باسم حضرتك كترتيب عائلي، وإن الحاج رفعت له حق إدارة التصرف فيه.

 

نادية مدت إيدها خدت الورق.

 

قرأته بهدوء.

 

كل سطر كان فخ.

 

لو مضت، البيت يرجع فعليًا تحت سيطرته.

 

ولو حصلت مشكلة في الشركة، ممكن تلاقي نفسها وآدم في الشارع.

 

رفعت كان متابع وشها.

 

مستنيها تضعف.

 

مستني الست اللي عاشت معاه سنين وبتخاف من صوته ترجع تاني.

 

لكن نادية حطت الورق على الترابيزة.

 

وقالت:

 

— لا.

 

رفعت اتنفض.

 

— لا إيه؟

 

— مش همضي.

 

— نادية، دي مش لعبة.

 

— وأنا كمان مش لعبة.

 

المحامي حاول يتدخل:

 

— مدام نادية، الموضوع محتاج تفكير…

 

قالت وهي ثابتة:

 

— فكرت.

 

رفعت قام من مكانه.

 

— يعني عايزة تسيبيني أغرق؟

 

نادية رفعت عينها له.

 

— إنت امبارح كنت عايز تغرق ابني.

 

الكلمة سكتته.

 

المحامي حس إنه في وسط معركة عائلية مالوش فيها.

 

قفل الملف ببطء.

 

وقال:

 

— واضح إن الوقت مش مناسب.

 

رفعت بصله بغضب.

 

— اقعد.

 

لكن عادل قام.

 

— أنا قلت اللي عندي. القرار عند مدام نادية.

 

ومشى.

 

أول ما الباب اتقفل، رفعت انفجر.

 

— إنتِ فاهمة إنتِ بتعملي إيه؟

 

نادية قامت بهدوء.

 

— آه.

 

— لو الشركة وقعت، كل حاجة هتروح.

 

— شركتك.

 

— فلوسي.

 

— فلوسك.

 

— اسمي.

 

— اسمك.

 

قرب منها بعصبية.

 

— وأنا؟

 

نادية بصتله.

 

لأول مرة السؤال طلع منه عاري.

 

من غير سلطة.

 

من غير تهديد.

 

“وأنا؟”

 

قالت بهدوء:

 

— إنت اللي لازم تقرر هتبقى مين.

 

سكت.

 

فكملت:

 

— راجل بيهدد طفل عشان عايز راحته؟ ولا راجل يعترف بغلطه قبل ما يخسر كل حاجة؟

 

رفعت ضحك ضحكة قصيرة موجوعة.

 

— الاعتذار مش هيرجع الشركة.

 

— بس ممكن يرجع آدم.

 

وشه اتغير.

 

— هو مش عايزني.

 

— عنده حق.

 

الكلمة وجعته.

 

لكنها كانت حق.

 

نادية كملت:

 

— الطفل لما يتكسر، مايتصلحش بألعاب. ولا فلوس. ولا مشوار مدرسة. يتصلح بأمان. وإنت أخدت منه الأمان جوه بيته.

 

رفعت قعد على الكرسي.

 

حط إيده على رأسه.

 

وبدا لأول مرة عجوز فعلاً.

 

مش رجل أعمال.

 

مش صاحب شركة.

 

مش زوج متسلط.

 

عجوز تعب من نفسه.

 

قال بصوت واطي:

 

— أنا ماكنتش كده.

 

نادية سكتت.

 

— زمان كنت بحب الدوشة. كنت بحب لمّة العيال. كنت أرجع من الشغل ألاقيهم متعلقين في رقبتي. كنت أزعل لو حد نام قبل ما أشوفه.

 

ابتسم بحزن.

 

— كريم كان بيستنانى عند الباب كل يوم. كان بيجري عليا وهو شايل عربية لعبة مكسورة عايزني أصلحها.

 

سكت لحظة.

 

— وبعدين كبروا. وكل واحد بقى مشغول. وكل واحد بقى عايز مني حاجة. فلوس. منصب. توقيع. عربية. شقة.

 

بص لنادية.

 

— بقيت حاسس إني بنك. مش أب.

 

نادية ردت بهدوء:

 

— يمكن لأنك علمتهم كده.

 

رفع عينه.

 

الكلمة كانت قاسية.

 

بس صحيحة.

 

— إنت طول عمرك بتدي فلوس بدل الحنان. هدايا بدل الاعتذار. أوامر بدل الكلام. طبيعي يطلعوا شايفينك مصدر، مش أب.

 

رفعت ما ردش.

 

لأنه كان عارف.

 

كان عارف من زمان.

 

بس ماكانش عنده شجاعة يسمعها.

 

فجأة تليفونه رن.

 

كريم تاني.

 

رفعت بص للشاشة، ثم رد.

 

فتح السبيكر من غير ما يقصد.

 

صوت كريم جه متوتر:

 

— بابا، لازم تيجي الشركة حالًا.

 

— في إيه؟

 

— الموظفين اتجمعوا تحت. وفيه مندوبين من الرقابة المالية. والناس بتتكلم.

 

رفعت وقف.

 

— إزاي دخلوا؟

 

— مش عارف. بس فيه مستندات وصلت لهم.

 

وش رفعت اتغير.

 

— مستندات إيه؟

 

كريم سكت.

 

— كريم!

 

جاله الرد بصوت مهزوز:

 

— مستندات عليها توقيعك.

 

رفعت بص لنادية.

 

وفي عينيه خوف حقيقي.

 

— أنا جاي.

 

قفل.

 

اتجه ناحية الباب.

 

ثم وقف فجأة.

 

بص لنادية.

 

— محتاجك معايا.

 

قالتها عينه قبل لسانه.

 

لكن نادية ما اتحركتش.

 

— ليه؟

 

— لأنهم لو عرفوا إن البيت باسمك وإنك ضدي، ده هيضعف موقفي.

 

نادية ابتسمت بمرارة.

 

— يعني مش محتاجني كزوجة. محتاجني كواجهة.

 

رفعت اتكتم.

 

— أنا…

 

قاطعته:

 

— روح يا رفعت.

 

— ونادية…

 

— نعم؟

 

— ماتمضيش أي حاجة لحد ما أرجع.

 

ضحكت بهدوء.

 

— دي أول مرة تقول جملة عاقلة النهارده.

 

خرج بسرعة.

 

ونادية فضلت واقفة في الصالة.

 

الغريب إنها ماحستش بانتصار.

 

كان ممكن تحس إنها كسبت.

 

إن الراجل اللي كان فاكر نفسه فوق الكل بقى محتاجها.

 

لكن قلبها كان تقيل.

 

لأن الخراب لما يدخل بيت، ما بيفرقش بين مذنب وبريء.

 

رفعت يستاهل يتعلم.

 

لكن آدم ما يستاهلش يعيش وسط انهيار.

 

بعد ساعتين، كانت نادية قاعدة في أوضة آدم بترتب كتبه.

 

بتحاول تعمل أي حاجة تبعد دماغها.

 

فتحت درج مكتبه الصغير.

 

ولقت ورقة مطوية.

 

فتحتها.

 

وكانت بخط آدم.

 

“أنا آسف يا ماما لو أنا عملت دوشة. أنا ممكن أبقى هادي. ممكن ألعب من غير صوت. ممكن أذاكر لوحدي. بس ماتسبينيش.”

 

نادية وقعت على طرف السرير.

 

الورقة اترجت في إيدها.

 

مافيش ألم أصعب من إنك تلاقي ابنك بيعتذر عن وجوده.

 

حطت الورقة على صدرها وعيطت.

 

عيطت بصمت.

 

مش عشان رفعت.

 

ولا عشان الشركة.

 

ولا عشان البيت.

 

لكن عشان الطفل اللي بدأ يفاوض الدنيا على حقه في الحب.

 

ومن اللحظة دي، نادية عرفت إن الموضوع ماينفعش يخلص باعتذار بسيط.

 

لازم آدم يستعيد أمانه.

 

لازم يعرف إن البيت بيته.

 

وإن أمه مش هتسيبه.

 

وإن مافيش راجل، مهما كان سنه أو فلوسه أو اسمه، يقدر يطرده من حضنها.

 

قبل الظهر بشوية، وصلتها رسالة من رقم مجهول.

 

“لو عايزة تعرفي الحقيقة عن رفعت، تعالي عند الشركة. الدور السابع. مكتب الأرشيف القديم. ومتجيش لوحدك.”

 

نادية قرت الرسالة أكتر من مرة.

 

قلبها دق بسرعة.

 

مين بعت؟

 

وحقيقة إيه؟

 

كانت هتتجاهل الرسالة.

 

لكن بعدها بدقيقة، وصلت صورة.

 

صورة قديمة.

 

رفعت واقف مع كريم، ومع راجل تاني غريب.

 

وعلى الترابيزة قدامهم ورق.

 

وفي زاوية الصورة كان فيه صندوق صغير.

 

نفس الصندوق اللي شافته مرة زمان في مكتب رفعت.

 

صندوق حديد أسود كان دايمًا بيقفله بمفتاح صغير في سلسلة مفاتيحه.

 

وتحت الصورة رسالة تانية:

 

“اللي في الصندوق ده هو سبب كل اللي بيحصل. وهو كمان سبب إن رفعت عايز البيت يرجع تحت إيده.”

 

نادية حسّت إن في باب جديد اتفتح.

 

باب أغمق من كل اللي فات.

 

لبست بسرعة.

 

اتصلت بأمها وطلبت منها تستقبل آدم بعد المدرسة.

 

أمها سألت بقلق:

 

— في إيه يا بنتي؟

 

نادية ردت:

 

— بعدين يا ماما. خدي بالك من آدم بس.

 

— هو كويس؟

 

نادية سكتت لحظة.

 

— هيبقى كويس.

 

قفلت.

 

وأخدت شنطتها ونزلت.

 

طول الطريق للشركة، كانت بتحاول تفكر بعقل.

 

ماتثقش في رقم مجهول.

 

ماتروحش مكان مش معروف.

 

لكن كل حاجة في الرسالة كانت مرتبطة.

 

البيت.

 

الشركة.

 

الصندوق.

 

وخوف رفعت.

 

الشركة كانت في برج كبير في وسط البلد.

 

مبنى زجاجي فخم.

 

على بابه الأمن كانوا واقفين بارتباك.

 

كان واضح إن فيه أزمة.

 

ناس داخلة وخارجة.

 

موظفين بيهمسوا.

 

وجوه قلقة.

 

وأول ما نادية دخلت، الكل بص لها.

 

بعضهم عارفها.

 

زوجة الحاج رفعت.

 

لكن النظرات النهارده كانت مختلفة.

 

مش احترام بس.

 

فيها فضول.

 

وفيها شماتة خفيفة.

 

وفيها خوف.

 

طلعت الدور السابع.

 

الممر كان أهدى من باقي الأدوار.

 

في آخره باب قديم مكتوب عليه:

 

الأرشيف.

 

وقفت قدامه.

 

وقبل ما تخبط، الباب اتفتح.

 

كانت واقفة قدامها بنت في أوائل التلاتينات.

 

بملامح مرهقة.

 

وشعر مربوط بسرعة.

 

وعينين مليانين خوف.

 

قالت بصوت واطي:

 

— مدام نادية؟

 

— أيوة.

 

— ادخلي بسرعة.

 

دخلت نادية.

 

البنت قفلت الباب بالمفتاح.

 

الأوضة كانت مليانة دواليب حديد وملفات قديمة.

 

ريحة ورق ورطوبة.

 

نادية قالت بحذر:

 

— إنتِ مين؟

 

البنت ردت:

 

— اسمي نهى. كنت سكرتيرة الأستاذ كريم.

 

— كنتِ؟

 

نهى هزت راسها.

 

— فصلوني امبارح.

 

— ليه؟

 

نهى قربت من مكتب صغير وفتحت درج.

 

طلعت فلاشة.

 

— عشان شفت حاجة ماكانش لازم أشوفها.

 

نادية حسّت ببرودة في ضهرها.

 

— حاجة تخص رفعت؟

 

نهى بصت لها.

 

— تخص رفعت وكريم.

 

نادية خدت نفس.

 

— اتكلمي.

 

نهى قالت بسرعة:

 

— من شهرين، الأستاذ كريم بدأ يطلع ملفات قديمة من الأرشيف. عقود أراضي. تفويضات. شيكات. في الأول افتكرت ده طبيعي. لكن بعدين لقيته بيعدل نسخ ويمضي ناس على مستندات بتاريخ قديم.

 

نادية اتصدمت.

 

— تزوير؟

 

— آه.

 

— ورفعت عارف؟

 

نهى سكتت.

 

السكات كان إجابة.

 

نادية حست الأرض بتميل.

 

— كان عارف؟

 

نهى قالت:

 

— في الأول لا. بعدين عرف. ولما عرف حاول يوقفه. لكن كريم هدده.

 

— هدده بإيه؟

 

نهى مدت لها ملف صغير.

 

نادية فتحته.

 

وفيه صور إيصالات وتحويلات.

 

وأسماء شركات وهمية.

 

نهى قالت:

 

— كريم كان بيسحب فلوس من الشركة باسم مشروعات وهمية. ولما الحاج رفعت اكتشف، كريم قاله لو فتح بقه هيطلع كل الورق القديم اللي يثبت إن رفعت نفسه عمل نفس الحاجات زمان.

 

نادية قعدت على كرسي قريب.

 

دماغها دارت.

 

الأزمة مش بس شركة بتنهار.

 

دي حرب بين أب وابنه.

 

كل واحد ماسك سر على التاني.

 

نهى كملت:

 

— بس فيه حاجة أهم.

 

— إيه؟

 

— البيت.

 

نادية رفعت عينها بسرعة.

 

— مال البيت؟

 

نهى فتحت ملف تاني.

 

— كريم عرف إن الفيلا باسم حضرتك. ومن أسبوع بدأ يجهز ورق يثبت إن التسجيل صوري. عايز يضم البيت للأصول اللي ممكن يسيطر عليها بعد ما أبوه يقع.

 

نادية شهقت.

 

— يسيطر عليها إزاي؟

 

— بتوكيل مزور.

 

نهى طلعت صورة من ورقة.

 

نادية مسكتها.

 

وكانت المصيبة.

 

توكيل عام باسمها.

 

بتوقيع يشبه توقيعها.

 

لكن مش توقيعها.

 

نادية وقفت.

 

— ده مزور.

 

— عارفة.

 

— كريم عمل كده؟

 

نهى هزت راسها.

 

— وعايز يستخدمه خلال أيام.

 

نادية حسّت إن غضبها طلع لفوق.

 

آدم كان في خطر أكتر مما تخيلت.

 

مش بس من قسوة رفعت.

 

لكن من طمع كريم.

 

قالت بصوت حاد:

 

— ليه بتساعديني؟

 

نهى عينيها دمعت.

 

— عشان أنا عندي ابن.

 

نادية سكتت.

 

نهى كملت:

 

— عنده سبع سنين. ولما شفت الأستاذ كريم بيتكلم عن ابن حضرتك وقال “العيل ده يتشال من الصورة”، حسيت بخوف.

 

نادية اتجمدت.

 

— قال إيه؟

 

نهى بلعت ريقها.

 

— قال للحاج رفعت إن وجود آدم بيقوي موقف حضرتك عاطفيًا، وإن لازم يبعدوه عن البيت بأي طريقة.

 

نادية قبضت على الملف.

 

— بأي طريقة يعني؟

 

— ماعرفش.

 

لكن وش نهى قال إنها خايفة من معنى الكلام.

 

في اللحظة دي، سمعوا صوت خطوات في الممر.

 

نهى وشها اتخطف.

 

— حد جاي.

 

الباب اتخبط بقوة.

 

صوت رجالي من بره:

 

— افتحي يا نهى.

 

نادية عرفت الصوت.

 

كريم.

 

قلبها دق بعنف.

 

نهى همست:

 

— استخبي.

 

لكن نادية ما استخبتش.

 

وقفت في نص الأوضة.

 

الباب اتخبط تاني.

 

— عارف إنك جوه.

 

نهى بصت لنادية برعب.

 

نادية خدت الفلاشة والملفات وحطتهم في شنطتها.

 

ثم قالت:

 

— افتحي.

 

نهى اترددت.

 

— مدام نادية…

 

— افتحي.

 

نهى فتحت.

 

كريم دخل بعصبية.

 

كان في أواخر الأربعينات.

 

لابس بدلة غالية.

 

وشه شبه أبوه في القسوة.

 

لكن عينيه أضيق.

 

أبرد.

 

أول ما شاف نادية، اتجمد لحظة.

 

وبعدين ابتسم.

 

ابتسامة ماطمنتش.

 

— مرات بابا بنفسها؟ يا أهلا.

 

نادية قالت ببرود:

 

— كنت بدور على الحقيقة.

 

بص لنهى.

 

— ودي أكيد ساعدتك.

 

نهى رجعت خطوة لورا.

 

كريم قال لها:

 

— إنتِ لسه ما اتعلمتيش تسكتي؟

 

نادية دخلت بينه وبينها.

 

— كلمها باحترام.

 

كريم ضحك.

 

— واضح إنك واخدة دور البطولة بجد.

 

— لا. واخدة دوري كأم.

 

ابتسامته اختفت.

 

— آه. الأم العظيمة اللي فاكرة إن طفل صغير هيحميها.

 

نادية قربت منه خطوة.

 

— آدم بعيد عنك.

 

كريم رفع حاجبه.

 

— متأكدة؟

 

قلبها وقع.

 

طلعت موبايلها بسرعة.

 

اتصلت بأمها.

 

الرنة الأولى.

 

الثانية.

 

الثالثة.

 

ماحدش رد.

 

وش كريم فضل هادي.

 

هادئ بشكل مرعب.

 

نادية صرخت:

 

— عملت إيه؟

 

كريم قال بهدوء:

 

— أنا؟ ولا حاجة.

 

اتصلت تاني.

 

مفيش رد.

 

اتصلت بالمدرسة.

 

ردت موظفة الاستقبال.

 

نادية قالت بسرعة:

 

— آدم نادية محمود خرج؟

 

— لحظة يا فندم.

 

ثواني كانت أطول من العمر.

 

ثم رجعت الموظفة بصوت قلق:

 

— يا فندم آدم خرج من عشر دقايق مع السواق.

 

نادية اتجمدت.

 

— أنهي سواق؟

 

— قال إنه من طرف حضرتك. ومعاه تصريح مكتوب.

 

الموبايل كاد يقع من إيدها.

 

كريم ابتسم.

 

وقال:

 

— الأطفال سهل يتحركوا لما الكبار بيتخانقوا.

 

نادية بصتله بعينين مولعين.

 

وفي اللحظة دي…

 

دخل الحاج رفعت الأوضة.

 

كان واقف على الباب.

 

وسمع آخر جملة.

 

بص لكريم.

 

ثم لنادية.

 

وقال بصوت مرعب:

 

— آدم فين يا كريم؟

 

كريم اتلفت لأبوه.

 

ابتسامته اتشدت.

 

— كنت بحمي العيلة.

 

رفعت قرب منه ببطء.

 

— سألتك آدم فين؟

 

كريم رد ببرود:

 

— في مكان آمن.

 

نادية صرخت:

 

— ده ابن عشر سنين!

 

كريم قال:

 

— وابن حضرتك ده سبب مصايب كتير.

 

وقبل ما يكمل الجملة، رفعت ضربه بالقلم.

 

الصوت رن في الأرشيف كله.

 

نهى شهقت.

 

نادية اتجمدت.

 

وكريم حط إيده على وشه.

 

مش مصدق.

 

رفعت قال بصوت خارج من صدره كالرعد:

 

— الطفل ده لو جراله حاجة… أنا اللي هدفنك بإيدي.

 

كريم بصله بكره.

 

— دلوقتي بقيت بتدافع عنه؟

 

رفعت قرب منه.

 

— آه.

 

كريم ضحك بغضب:

 

— بعد ما بوظت كل حاجة؟ بعد ما علمتنا إن الضعيف يتداس عليه؟ بعد ما عمرنا كله كنت بتقول اللي يملك يقرر؟ أنا تلميذك يا بابا.

 

الكلمة وقعت على رفعت زي حكم.

 

“أنا تلميذك.”

 

كل القسوة اللي زرعها، وقفت قدامه في صورة ابنه.

 

بس المرة دي القسوة كانت موجهة لطفل بريء.

 

رفعت سحب نفس طويل.

 

وقال:

 

— يمكن أنا علمتك الغلط.

 

لكن لسه قادر أوقفك.

 

كريم قال:

 

— متقدرش.

 

ثم رفع موبايله.

 

— لأن آدم مش معايا أنا.

 

نادية صرخت:

 

— أومال مع مين؟

 

كريم ابتسم.

 

— مع حد هيخليكي تمضي كل الورق برجليكي.

 

وفي نفس اللحظة، موبايل نادية رن.

 

رقم مجهول.

 

إيدها كانت بترتعش وهي بترد.

 

جالها صوت آدم.

 

بيعيط.

 

— ماما؟

 

نادية حست روحها اتسحبت.

 

— آدم! إنت فين يا حبيبي؟

 

صوته كان مرعوب:

 

— مش عارف. الراجل قال إنك بعتيه ياخدني.

 

— اسمعني يا آدم. ماما ما بعتتش حد. إنت سامعني؟

 

قبل ما يرد، صوت رجل غريب مسك الموبايل.

 

وقال بهدوء:

 

— مدام نادية. عايزين الورق اللي معاكي. وعايزين توقيعك على التوكيل. قدامك ساعة.

 

نادية صرخت:

 

— لو لمست شعرة من ابني…

 

الراجل قاطعها:

 

— ساعة واحدة.

 

وقفل.

 

نادية وقفت وسط الأوضة.

 

مش شايفة حد.

 

مش سامعة حد.

 

كل حاجة اختفت.

 

إلا صوت ابنها وهو بيقول:

 

“ماما.”

 

رفعت كان واقف جنبها.

 

وشه أبيض.

 

لأول مرة ماكانش في عينه غرور.

 

كان في عينه رعب.

 

رعب أب.

 

أو رعب راجل فهم متأخر إن طفل بريء دفع ثمن خطايا الكبار.

 

نادية بصت له.

 

وقالت بصوت هادي جدًا:

 

— لو آدم ما رجعش…

 

أنا مش هسامحك.

 

رفعت ما دافعش عن نفسه.

 

ما قالش “أنا مالي”.

 

ما قالش “ابني هو السبب”.

 

لأنه عارف.

 

كل ده بدأ من جملة واحدة.

 

“يا هو يا أنا.”

 

والنهارده…

 

الجملة رجعتله على هيئة كابوس.

 

ابن نادية اختفى.

 

والساعة بدأت تعد.

 

يتيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *