انقذت طفلا حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الرابع

لثانية واحدة فقط وقفت ريم في مكانها.

عقلها يرفض استيعاب ما يحدث.

قبل أقل من أربع وعشرين ساعة كانت عائدة من نوبة عمل عادية.

والآن هناك سيارات تطاردها.

وشاحنة حاولت دهسها.

ورجال مجهولون يريدون قتلها.

وسليم الحديدي بنفسه يطلب منها الصعود إلى سيارته.

لكن صوت الرصاص أنهى ترددها.

دوّى فجأة في الشارع.

وتحطم زجاج إحدى السيارات القريبة.

صرخ المارة واندفعوا هاربين.

فتح سليم الباب بنفسه وقال بحدة:

“دلوقتي يا ريم!”

قفزت إلى الداخل.

وفي اللحظة التالية انطلقت السيارة بسرعة هائلة.

بينما أغلق أحد الحراس الباب بقوة.

التفتت ريم للخلف.

فرأت الرجال المسلحين يركضون نحوهم.

لكن سيارات الحراسة اعترضت طريقهم.

واختفى المشهد خلفهم بسرعة.

ساد الصمت داخل السيارة.

كانت أنفاس ريم متسارعة.

وقلبها يكاد يخرج من صدرها.

أما سليم فبقي ينظر عبر النافذة.

هادئًا بصورة غريبة.

وكأنه اعتاد هذا النوع من الفوضى.

قالت أخيرًا:

“حد يفهمني إيه اللي بيحصل؟”

نظر إليها.

ثم قال:

“في ناس كانوا مستنيين تموتي.”

ارتفع صوتها دون إرادة:

“وليه؟!”

أجاب:

“عشان شوفتي حاجة ما كانش المفروض تشوفيها.”

تذكرت الحادث.

السيارة.

الطفل.

الرجل المغمى عليه.

وقالت:

“أنا ما شفتش حاجة.”

لكن سليم هز رأسه.

“دي المشكلة.”

نظرت إليه بعدم فهم.

فأكمل:

“إنتِ فاكرة إنك ما شوفتيش.”

شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.

ثم قال:

“الراجل اللي كان سايق العربية ما ماتش في الحادث.”

اتسعت عيناها.

“إيه؟”

“اختفى.”

“بس أنا شفته قدام.”

“وأنا كمان.”

ساد الصمت.

ثم أضاف سليم:

“ولحد دلوقتي محدش لاقيه.”

بدأت قطع الصورة تتجمع ببطء.

الرجل.

الحادث.

الخطف.

المطاردة.

كل شيء مترابط بطريقة ما.

لكنها ما زالت لا ترى الصورة كاملة.

بعد نصف ساعة وصلت السيارات إلى مكان لم تره ريم من قبل.

بوابة حديدية ضخمة.

أسوار مرتفعة.

وحراسة في كل مكان.

دخل الموكب.

ثم توقف أمام قصر هائل تحيط به حدائق واسعة.

قالت ريم بدهشة:

“إحنا فين؟”

أجاب سليم:

“بيتي.”

نظرت إليه وكأنه فقد عقله.

“وأنا هعمل إيه هنا؟”

“هتفضلي هنا مؤقتًا.”

“مستحيل.”

قالتها فورًا.

لكن سليم لم يبدُ منزعجًا.

بل قال بهدوء:

“برة البوابة في ناس مستنية الفرصة المناسبة عشان تقتلك.”

صمتت.

لأنها تعلم أنه لا يبالغ.

لقد رأتها بنفسها.

داخل القصر…

كانت الأجواء مختلفة تمامًا.

هدوء.

فخامة.

لكن خلف كل ذلك شعرت ريم بشيء آخر.

الخوف.

ليس خوفها هي.

بل خوف الناس الذين يعملون هنا.

الجميع يتحرك بحذر.

الجميع يراقب الجميع.

كأن القصر يخفي أسرارًا أكثر مما يظهر.

وأثناء صعودها الدرج…

سمعت صوتًا صغيرًا يصرخ:

“رييييم!”

التفتت.

ورأت آدم يركض نحوها بأقصى سرعة.

اصطدم بها وعانقها بقوة.

فضحكت رغم كل شيء.

وقالت:

“إزيك يا بطل؟”

رفع رأسه مبتسمًا.

لكن ابتسامته اختفت سريعًا.

ثم همس:

“كنت عارف إنهم هييجوا.”

تجمدت.

“مين؟”

نظر الطفل حوله.

ثم قال:

“الناس الوحشين.”

قبل أن تتمكن من السؤال أكثر…

ظهر رجل مسن من نهاية الممر.

كان أنيقًا.

شعره أبيض بالكامل.

لكن عينيه حادتان بصورة لافتة.

وما إن رآه سليم حتى تغيرت ملامحه.

قال الرجل:

“لازم نتكلم.”

نظر سليم إلى ريم.

ثم إلى آدم.

وأجاب:

“بعد شوية.”

لكن الرجل هز رأسه.

“دلوقتي.”

كان في صوته شيء جعل حتى الحراس يتوترون.

فأخذ سليم نفسًا عميقًا.

ثم التفت إلى ريم.

“خدي آدم واقعدوا في المكتبة.”

بعد دقائق…

كانت ريم تجلس مع آدم داخل مكتبة ضخمة.

آلاف الكتب.

وسقف مرتفع.

ونوافذ تطل على الحديقة.

لكن عقلها لم يكن مع أي شيء من ذلك.

كان منشغلًا بما يحدث خارج الغرفة.

أما آدم فكان يرسم على ورقة أمامه.

فجأة سألته:

“آدم.”

رفع رأسه.

“نعم؟”

“إنت كنت عايز تقول لي حاجة يوم الحادث.”

ساد الصمت.

ثم وضع القلم ببطء.

وقال:

“أنا شفت الراجل.”

شعرت بقلبها يتسارع.

“مين؟”

ابتلع ريقه.

ثم أجاب:

“الراجل اللي حاول يخطفني.”

“تعرفه؟”

هنا حدث شيء غريب.

انخفضت عينا الطفل.

وبدا وكأنه خائف من مجرد الإجابة.

ثم قال أخيرًا:

“أيوة.”

اقتربت منه.

“مين هو؟”

رفع آدم عينيه إليها.

وكان الخوف واضحًا فيهما.

ثم نطق باسم جعل الدم يتجمد في عروقها.

اسم شخص يعيش داخل القصر نفسه.

شخص يثق فيه سليم الحديدي منذ سنوات طويلة.

وفي اللحظة نفسها…

انفتح باب المكتبة بعنف.

ودخل سليم.

كانت ملامحه شاحبة لأول مرة.

وكأنه سمع خبرًا مستحيلًا.

نظر مباشرة إلى آدم.

ثم قال بصوت منخفض:

“آدم…”

رفع الطفل رأسه.

فقال سليم الجملة التي غيرت كل شيء:

“الجد فريد مات.”

ساد الصمت.

لكن الصدمة الحقيقية لم تكن وفاة الرجل.

بل أن آدم همس فورًا:

“هو ما ماتش…”

نظر الجميع إليه.

ثم أكمل الطفل بصوت مرتجف:

“هو اللي كان عايز يخطفني.”

وتجمدت الأنفاس داخل الغرفة.

لأن فريد…

كان الرجل الذي اعتبره سليم أقرب شخص إليه طوال عشرين عامًا.

يتبع…

الفصل الخامس

سقط الصمت على المكتبة كالصاعقة.

حتى عقارب الساعة القديمة المعلقة على الجدار بدت وكأنها توقفت عن الحركة.

حدق سليم في ابنه.

بلا رمشة.

بلا حركة.

وكأن عقله يرفض سماع ما قيل للتو.

أما ريم فشعرت بقشعريرة تعبر جسدها بالكامل.

قالت بصوت منخفض:

“آدم… إنت متأكد من اللي بتقوله؟”

أومأ الطفل ببطء.

ثم ضم ذراعيه إلى صدره.

كما يفعل الأطفال عندما يحاولون حماية أنفسهم من ذكرى مخيفة.

اقترب سليم منه.

وجثا أمامه.

“بصلي يا آدم.”

رفع الطفل عينيه.

وكان الخوف ما زال فيهما.

سأله سليم:

“إنت شفت فريد بنفسك؟”

أجاب الطفل:

“أيوة.”

“إمتى؟”

“قبل الحادث بيوم.”

ازدادت ملامح سليم توترًا.

“قول كل حاجة.”

أخذ آدم نفسًا عميقًا.

ثم بدأ يتكلم.

في الليلة السابقة للحادث…

كان آدم قد استيقظ بعد منتصف الليل.

كان يبحث عن لعبة نسيها في غرفة الألعاب.

وأثناء مروره قرب المكتب الكبير في الطابق الأرضي…

سمع أصواتًا.

توقف.

كان الباب مواربًا.

ومن خلال الفتحة رأى فريد.

الجد فريد.

الرجل الذي يعرفه منذ ولادته.

الرجل الذي كان يحمله على كتفيه.

ويحضر له الهدايا في كل عيد.

لكن فريد لم يكن وحده.

كان يتحدث مع رجلين غريبين.

وكان غاضبًا.

غاضبًا جدًا.

سمع آدم إحدى الجمل بوضوح.

“بكرة الصبح كل حاجة هتنتهي.”

ثم قال رجل آخر:

“والولد؟”

أجاب فريد:

“الولد لازم يختفي.”

توقف آدم عن الكلام.

وارتجفت شفتاه.

أما ريم فشعرت بأنفاسها تتجمد.

وسليم…

بدا وكأن أحدهم ضربه في صدره.

سأل بصعوبة:

“وبعدين؟”

قال آدم:

“أنا خفت.”

“فكملت؟”

أومأ.

“سمعتهم بيتكلموا عن العربية.”

هنا أغلق سليم عينيه لثانية.

ثم فتحهما ببطء.

وكأن كل قطعة من اللغز بدأت تستقر في مكانها.

في تلك اللحظة دخل صاحب الندبة إلى المكتبة.

كان وجهه متوترًا.

قال:

“في مشكلة.”

رفع سليم رأسه.

“إيه؟”

أجاب الرجل:

“الدكتور الشرعي أكد الوفاة.”

“فريد مات فعلًا.”

ساد الصمت.

ثم أضاف:

“بس…”

توقف.

نظر إليه سليم بحدة.

“اتكلم.”

ابتلع الرجل ريقه.

وقال:

“الج*ثة مش كاملة.”

تجمد الجميع.

حتى ريم.

“يعني إيه؟”

أجاب:

“في آثار عملية جراحية حديثة.”

اقترب سليم خطوة.

“مش فاهم.”

قال الرجل:

“بصماته مطابقة لفريد.”

“والحمض النووي مطابق.”

“لكن بعض الأنسجة المزروعة في جسمه جديدة جدًا.”

اتسعت عينا ريم.

فهي طبيبة.

وتعرف جيدًا معنى ذلك.

همست:

“حد كان بيحاول يغير شكله؟”

نظر إليها الرجل.

ثم أومأ.

وهنا فقط بدأ الرعب الحقيقي.

لأن السؤال أصبح واضحًا.

إذا كان فريد قد خطط لكل شيء…

فهل الشخص الذي مات فعلًا هو فريد؟

أم شخص آخر يشبهه؟

في المساء…

كانت ريم تقف في شرفة غرفتها داخل القصر.

تحاول ترتيب أفكارها.

لكن عقلها كان عاجزًا عن مواكبة الأحداث.

سمعت خطوات خلفها.

التفتت.

فوجدت سليم.

وقف للحظات دون كلام.

ثم قال:

“أنا مدين ليكي بحياة ابني.”

ردت بهدوء:

“أي حد مكاني كان هيعمل نفس الحاجة.”

هز رأسه.

“لا.”

ثم نظر إلى الحديقة المظلمة.

وأضاف:

“معظم الناس بيجروا بعيد عن النار.”

نظرت إليه.

ورأت للمرة الأولى التعب الحقيقي في وجهه.

ليس تعب رجل أعمال.

بل تعب رجل تعرض للخيانة.

قالت:

“كنت بتثق فيه.”

لم يحتج أن تسأله عن فريد.

فهم فورًا.

وأجاب:

“أكتر من نفسي.”

ساد الصمت.

ثم قال:

“لما أبويا مات… فريد هو اللي رباني.”

شعرت ريم بالحزن رغم كل شيء.

لأنها أدركت حجم الضربة.

وفجأة…

انطفأت أنوار القصر بالكامل.

غرق المكان في الظلام.

وفي اللحظة نفسها دوى صوت انفجار بعيد.

ثم صرخات.

ثم أصوات إطلاق نار من جهة البوابة الرئيسية.

رفع سليم رأسه فورًا.

وتحول وجهه إلى الصلابة التي عرفتها الصحف.

ضغط على سماعة صغيرة في أذنه.

“إيه اللي بيحصل؟”

جاءه صوت متوتر:

“اقتحام يا فندم!”

“عدد كبير!”

“دخلوا من الجهة الغربية!”

أمسك سليم بذراع ريم.

وقال:

“ادخلي جوة.”

لكنها لم تتحرك.

لأنها رأت شيئًا جعله هو نفسه يتجمد.

في الحديقة.

تحت المطر.

وسط الظلام.

وقف رجل واحد.

بمعطف أسود طويل.

بلا حراسة.

بلا خوف.

يراقب القصر.

وعندما أضاء البرق السماء للحظة…

ظهر وجهه بوضوح.

وجه فريد.

حيًا.

ينظر مباشرة إلى سليم.

ويبتسم.

يتبع…

الفصل السادس

تجمد الزمن لثوانٍ.

وقف سليم عند الشرفة.

عيناه مثبتتان على الرجل الواقف في الحديقة.

أما ريم فشعرت بأن الدم ينسحب من وجهها.

لأنها رأت ما رآه سليم تمامًا.

لم يكن شبحًا.

ولم يكن وهمًا.

كان فريد.

بملامحه نفسها.

وقفته نفسها.

وابتسامته الباردة نفسها.

الرجل الذي أعلن الجميع موته قبل ساعات فقط.

دوى صوت رصاصة في مكان قريب.

فتحطم زجاج إحدى النوافذ.

وعادت الحركة إلى المكان فجأة.

أمسك سليم بجهاز الاتصال.

وقال بحدة:

“اقفلوا كل المداخل.”

“محدش يخرج من القصر.”

“ومحدش يقرب من الراجل اللي واقف في الجنينة إلا بأوامري.”

لكن عندما عاد لينظر إلى الحديقة…

كان فريد قد اختفى.

كأنه لم يكن موجودًا أصلًا.

في الطابق السفلي…

تحول القصر إلى خلية نحل.

حراس يركضون.

أجهزة اتصال تصدر أصواتًا متواصلة.

شاشات مراقبة تعرض صور عشرات الكاميرات.

دخل سليم غرفة العمليات الخاصة بالقصر.

وتبعته ريم رغم اعتراض بعض الحراس.

قال صاحب الندبة:

“هاجموا البوابة الغربية بعربيتين.”

“لكنهم انسحبوا بعد دقايق.”

سأل سليم:

“كاميرات الحديقة؟”

أجاب الرجل:

“شغالة.”

“بس في حاجة غريبة.”

ظهرت صورة على الشاشة.

الحديقة.

الأشجار.

المطر.

لكن المكان الذي وقف فيه فريد كان فارغًا.

تمامًا.

لا أثر لأي شخص.

لا دخول.

لا خروج.

لا شيء.

همست ريم:

“مستحيل.”

لكن سليم لم يرد.

لأنه رأى بعينيه ما لا يمكن إنكاره.

بعد ساعة…

وصل تقرير جديد.

وكان أكثر غرابة.

دخل أحد رجال الأمن مسرعًا.

وقال:

“لقينا ده.”

ووضع ملفًا سميكًا فوق الطاولة.

فتح سليم الملف.

ثم بدأ يقلب الصفحات.

وفجأة توقف.

تغيرت ملامحه.

أخذت ريم الورقة من يده.

وشعرت بقلبها يتوقف.

كانت صورة قديمة.

عمرها أكثر من ثلاثين سنة.

ظهر فيها شابان متشابهان بشكل مذهل.

نسختان من بعضهما.

وتحت الصورة اسمين.

فريد الحديدي.

وفارس الحديدي.

قالت ريم:

“توأم؟”

أومأ صاحب الندبة.

“أيوة.”

ارتفع حاجباها.

“بس محدش عمره ذكر ده.”

أجاب الرجل:

“لأن فارس اختفى من أكتر من خمسة وعشرين سنة.”

تبادل الجميع النظرات.

وبدأت الحقيقة تظهر ببطء.

قالت ريم:

“يعني اللي مات ممكن يكون فارس.”

أجاب سليم بصوت منخفض:

“أو العكس.”

في نفس الوقت…

كان آدم نائمًا داخل غرفته.

أو هكذا اعتقد الجميع.

لكن الطفل فتح عينيه ببطء.

ونظر نحو النافذة.

ثم جلس فجأة.

لأنه سمع صوتًا يعرفه.

صوتًا سمعه في تلك الليلة المشؤومة.

صوتًا جعله يرتجف.

جاء الهمس من الخارج.

هادئًا جدًا.

“آدم…”

اتسعت عينا الطفل.

وتراجع إلى الخلف.

“آدم…”

اقترب الصوت أكثر.

ثم ظهرت يد على زجاج النافذة.

يد رجل.

تبعتها ملامح وجه.

وجه فريد.

أو الرجل الذي يشبه فريد.

ابتسم.

ثم أشار بإصبعه إلى فمه.

كأنه يطلب من الطفل الصمت.

وفي اللحظة التالية…

انطفأت الأنوار داخل الغرفة.

في غرفة العمليات…

رن جرس الإنذار فجأة.

قفز الجميع من أماكنهم.

صرخ أحد الحراس:

“غرفة آدم!”

اندفع سليم خارج الغرفة كالسهم.

وتبعته ريم.

صعدوا الدرجات بسرعة.

ثم وصلوا إلى الجناح الخاص بالطفل.

كان الباب مفتوحًا.

والحراس المكلّفون بالحراسة ممددين على الأرض فاقدي الوعي.

توقف قلب سليم تقريبًا.

دخل الغرفة.

ونظر إلى السرير.

كان فارغًا.

اختفى آدم.

لكن شيئًا واحدًا كان موجودًا فوق الوسادة.

مظروف أبيض.

فتح سليم الظرف بيد مرتجفة.

وأخرج ورقة واحدة.

قرأ السطر الأول.

فتحول وجهه إلى اللون الرمادي.

أخذت ريم الورقة منه.

وكان مكتوبًا عليها:

“إذا أردت أن ترى ابنك حيًا مرة أخرى… تعال وحدك إلى المكان الذي دفنت فيه الحقيقة قبل خمسة وعشرين عامًا.”

وفي أسفل الرسالة…

توقيع واحد فقط.

فارس الحديدي.

لكن الصدمة الحقيقية لم تكن الرسالة.

بل الصورة المرفقة معها.

صورة قديمة باهتة.

تُظهر رجلًا يحمل طفلًا رضيعًا حديث الولادة.

وعندما اقتربت ريم من الصورة أكثر…

شعرت بأنفاسها تتوقف.

لأن الطفل الرضيع لم يكن آدم.

بل كان سليم نفسه.

أما الرجل الذي يحمله بين ذراعيه…

فلم يكن والده المعروف.

بل فارس الحديدي.

الرجل الذي يفترض أنه اختفى منذ ربع قرن.

يتبع…الفصل السابع والأخير

ساد الصمت داخل الغرفة.

كان الجميع يحدق في الصورة.

أما سليم فبدا وكأن العالم كله انهار تحت قدميه.

أعاد النظر إلى الصورة مرة.

ثم مرتين.

ثم عشر مرات.

لكن الحقيقة لم تتغير.

كان الطفل هو نفسه.

نفس الملامح.

نفس العلامة الصغيرة أسفل الأذن.

أما الرجل الذي يحمله…

فلم يكن والده.

بل فارس الحديدي.

همست ريم:

“يعني…”

لكن الكلمات خانتها.

أكمل سليم بصوت مبحوح:

“يعني كل اللي أعرفه عن حياتي ممكن يكون كدب.”

بعد دقائق…

كان سليم داخل مكتبه السري بالقصر.

فتح خزنة قديمة لم يلمسها منذ سنوات.

وأخرج صندوقًا خشبيًا تركه له والده قبل وفاته.

كان صندوقًا رفض فتحه طوال حياته.

لأن والده أوصاه ألا يفتحه إلا إذا فقد ثقته بكل شيء.

واليوم…

لم يعد يثق بأي شيء.

فتح الصندوق.

فوجد عشرات المستندات.

وصورًا.

ورسائل قديمة.

وفي أسفل الصندوق…

وجد رسالة مختومة باسمه.

فتحها ببطء.

وبدأ يقرأ.

ومع كل سطر…

كان وجهه يزداد شحوبًا.

حتى انتهى.

ثم أغلق عينيه.

طويلًا.

وعندما فتحهما…

لم يعد الرجل نفسه.

رفعت ريم الرسالة.

وبدأت تقرأ.

وكانت الحقيقة صادمة.

قبل خمسة وعشرين عامًا…

كان لفارس وفريد إمبراطورية مشتركة.

لكن فارس اكتشف شبكة فساد ضخمة داخل شركات العائلة.

سياسيون.

ورجال أعمال.

وأموال بمليارات الجنيهات.

وحين قرر فضح الجميع…

حكموا عليه بالموت.

لكن فريد لم يقتله.

بل ساعده على الاختفاء.

وفي المقابل…

تولى فريد حياته وهويته علنًا.

بينما عاش فارس في الظل.

أما الطفل الصغير سليم…

فقد تربى على أنه ابن فريد لحمايته.

لأن أعداء فارس كانوا سيقتلونه لو عرفوا الحقيقة.

ولهذا السبب…

لم يعرف سليم أبدًا من هو والده الحقيقي.

انتهت الرسالة بجملة واحدة:

“إذا كنت تقرأ هذه الكلمات الآن… فاعلم أن أخاك خاننا جميعًا.”

تجمدت ريم.

“أخوك؟”

أجاب سليم:

“يقصد فريد.”

هنا فهم كل شيء.

فريد لم يمت.

فريد اكتشف مكان أخيه.

واستخدم السنوات كلها ليبني سلطته.

ثم قرر أخيرًا التخلص من فارس.

وخطف آدم.

والاستيلاء على كل شيء.

بعد ساعة واحدة فقط…

وصلت رسالة جديدة.

موقع مهجور في أطراف الإسماعيلية.

مصنع قديم مغلق منذ عشرين عامًا.

وهناك…

كان آدم.

نظر الجميع إلى سليم.

لكن الرجل كان قد اتخذ قراره.

قال:

“أنا رايح.”

اعترض الحراس.

اعترض الجميع.

حتى ريم.

لكنه لم يتراجع.

ثم حدث شيء لم يتوقعه أحد.

قالت ريم:

“أنا جاية معاك.”

التفت إليها.

“مستحيل.”

ابتسمت.

“أنا دخلت عربية مولعة عشان أنقذ ابنك.”

“فاكر إني هخاف من مصنع قديم؟”

ولأول مرة منذ أيام…

ظهرت ابتسامة حقيقية على وجه سليم.

قبل منتصف الليل بقليل…

وصلوا إلى المصنع.

كان المكان مهجورًا.

ضخمًا.

ومظلمًا.

لكنهم وجدوا آدم سريعًا.

كان مقيدًا داخل غرفة قديمة.

وعندما رأى والده…

ركض نحوه باكيًا.

احتضنه سليم بقوة.

وكأنه لن يتركه أبدًا مرة أخرى.

لكن التصفيق الذي دوى خلفهم قطع اللحظة.

استدار الجميع.

وكان فريد واقفًا هناك.

حيًا.

بكل وضوح.

وخلفه عدة رجال مسلحين.

ابتسم.

وقال:

“مشهد مؤثر جدًا.”

وقف سليم أمام ابنه مباشرة.

وقال:

“خلصت اللعبة.”

ضحك فريد.

“لسه بدأت.”

ثم رفع مس*دسه.

لكن قبل أن يضغط الزناد…

انطلق صوت آخر من الظلام.

“بل انتهت فعلًا.”

خرج رجل مسن من بين الظلال.

شعره أبيض.

وجسده منهك.

لكن عينيه قويتان.

تجمد فريد.

أما سليم…

فشعر بالدموع تملأ عينيه لأول مرة منذ سنوات.

همس:

“أبويا…”

كان فارس.

حيًا.

لم يمت.

لم يختف.

بل ظل يجمع الأدلة طوال تلك السنوات.

وأخيرًا عاد.

خلال الدقائق التالية…

انكشف كل شيء.

التسجيلات.

الحسابات السرية.

أوامر الخطف.

محاولات القتل.

كل الجرائم التي ارتكبها فريد.

وكانت الشرطة قد وصلت بالفعل.

بمساعدة الأدلة التي جمعها فارس طوال ربع قرن.

حاول فريد الهرب.

لكن الرجال أحاطوا به.

وحين أدرك أن النهاية جاءت…

نظر إلى أخيه.

ثم إلى سليم.

وقال:

“أنا اللي ربيته.”

اقترب فارس.

وقال بهدوء:

“وأنا اللي حميته.”

ثم اقتادته الشرطة بعيدًا.

لتنتهي أخطر لعبة خداع عرفتها العائلة.

مرت ستة أشهر.

هدأت العاصفة.

وعادت الحياة تدريجيًا إلى طبيعتها.

تم القبض على جميع المتورطين.

واستعادت الشركات استقرارها.

وعاد فارس إلى حياة ابنه وحفيده.

أما آدم…

فعاد أخيرًا لطفولته.

دون خوف.

دون مطاردات.

دون أسرار.

وفي مساء ربيعي هادئ…

كانت ريم تقف في حديقة القصر.

تتأمل غروب الشمس.

عندما سمعت خطوات خلفها.

التفتت.

فوجدت سليم.

اقترب بهدوء.

ثم قال:

“فاكرة أول مرة شفتك؟”

ضحكت.

“وأنا خارجة من عربية بتنفجر؟”

ابتسم.

“أيوة.”

سادت لحظة صمت جميلة.

ثم أضاف:

“من يومها حياتي كلها اتغيرت.”

نظرت إليه.

وكانت تعرف أنه لا يتحدث عن الحادث فقط.

قالت بخفة:

“وأنا كمان.”

مد يده إليها.

وأكمل:

“يمكن آدم كان السبب اللي جمعنا.”

نظرت إلى يده.

ثم إلى عينيه.

ورأت فيهما للمرة الأولى رجلًا لا تحكمه القوة ولا النفوذ.

بل القلب.

فوضعت يدها في يده.

وفي الجهة الأخرى من الحديقة…

كان آدم يركض ضاحكًا مع جده فارس.

تحت شمس الغروب.

بعيدًا عن النار.

وبعيدًا عن الخوف.

وبعيدًا عن الأسرار التي كادت تدمر الجميع.

أما ريم…

فأدركت أن الليلة التي سمعت فيها صرخة طفل وسط المطر لم تنقذ حياة آدم فقط.

بل قادتها إلى عائلة لم تكن تتوقع أن تصبح جزءًا منها يومًا.

تمت النهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *