خنت زوجتي حكايات اسما ×8 والاخير


الفصل العاشر

 

“اتفضل يا رامي… إحنا مستنيينك من زمان.”

 

صوت العجوز كان هادي.

 

هادئ بشكل مرعب.

 

كأنه مش بيتكلم مع راجل جاي ينقذ مراته.

 

كأنه بيتكلم مع ضيف متأخر عن موعده.

 

شعرت بإيد المحامي عادل وهي تشد على ذراعي.

 

يمنعني من الاندفاع.

 

لكن اللعبة انتهت.

 

هم عرفوا مكاننا.

 

وعرفوا إننا هنا.

 

ما بقاش فيه داعي للاستخباء.

 

خرجت من خلف العمود.

 

وبعدي المحامي وكريم.

 

كل العيون اتوجهت ناحيتنا.

 

أما أنا…

 

فما كنتش شايف غير سارة.

 

كانت مربوطة على الكرسي.

 

لكنها واعية.

 

وأول ما شافتني دموعها لمعت.

 

مش خوفًا.

 

ولا استغاثة.

 

كان في عينيها شيء تاني.

 

شيء قريب من الحزن.

 

كأنها عارفة الحقيقة اللي أنا لسه هعرفها.

 

العجوز أشار لأحد الرجال.

 

فأبعد الس*لاح عن هشام.

 

لكن هشام ظل واقفًا.

 

وجهه متوتر.

 

وعينيه بيني وبين سارة.

 

قلت للعجوز:

 

ـ إنت مين؟

 

ابتسم.

 

وقال:

 

ـ سؤال متأخر جدًا.

 

ثم نظر ناحية هشام.

 

ـ قول له يا هشام.

 

من أنا؟

 

هشام شد فكه.

 

ولأول مرة شفته مترددًا.

 

ثم قال:

 

ـ اسمه جلال السيوفي.

 

الاسم ما قالش لي حاجة.

 

لكن سارة أغمضت عينيها فورًا.

 

وكأنها كانت تتمنى ألا تسمعه.

 

قلت:

 

ـ ومين جلال السيوفي؟

 

العجوز ضحك.

 

وقال:

 

ـ الرجل اللي صنع كل الحكاية.

 

نزل الصمت على المكان.

 

وأكمل:

 

ـ قبل أربعين سنة كنت شريك فؤاد منصور وعبد الحميد الشاذلي.

 

اتجمدت.

 

أبويا.

 

وأبو هشام.

 

إذًا هو الرجل الثالث.

 

الرجل اللي لم يذكره أحد.

 

الرجل المختفي من كل الصور.

 

من كل الحكايات.

 

من كل الذكريات.

 

قال جلال:

 

ـ كنت الأذكى بينهم.

 

وده كان ذنبي الوحيد.

 

ضحك هشام بمرارة.

 

وقال:

 

ـ لا.

 

كان ذنبك إنك كنت أوطى منهم.

 

العجوز تجاهله.

 

وأكمل:

 

ـ المشروع اللي الكل فاكره سبب المصيبة…

 

ما كانش سبب أي حاجة.

 

كان مجرد بداية.

 

قلت:

 

ـ إذًا إيه السبب الحقيقي؟

 

نظر لي طويلًا.

 

ثم قال:

 

ـ سارة.

 

شعرت أن قلبي توقف.

 

ـ إيه؟

 

ابتسم.

 

وقال:

 

ـ أصل كل حاجة يرجع لسارة.

 

صرخت:

 

ـ سيبك من الألغاز!

 

اتكلم.

 

رفع يده بهدوء.

 

ثم أشار لرجل خلفه.

 

الرجل أخرج ملفًا قديمًا جدًا.

 

ووضعه على الطاولة.

 

فتح جلال الملف.

 

وأخرج شهادة ميلاد.

 

ثم رماها ناحيتي.

 

التقطتها.

 

ونظرت فيها.

 

في البداية لم أفهم.

 

ثم بدأت الكلمات تدخل عقلي.

 

الاسم.

 

اسم الأم.

 

التاريخ.

 

ثم اسم الأب.

 

واتجمدت.

 

لا.

 

مستحيل.

 

رفعت رأسي ببطء.

 

وبصيت لسارة.

 

كانت تبكي.

 

أما أنا…

 

فلم أعد قادرًا على التنفس.

 

لأن الشهادة كانت تقول شيئًا مستحيلًا.

 

شيئًا يقلب حياتنا كلها.

 

سارة…

 

لم تكن ابنة الرجل الذي رباها.

 

ولا حتى ابنة عائلتها رسميًا.

 

قلت بصوت مبحوح:

 

ـ ده مزور.

 

قال جلال:

 

ـ لا.

 

دي النسخة الأصلية.

 

سارة كانت طفلة تم تبديلها بعد ولادتها بأيام.

 

سقط الملف من يدي.

 

وشعرت أن الدنيا كلها تدور.

 

ـ تبديل؟

 

ـ أيوه.

 

ثم ابتسم.

 

ـ وسارة هي الوريثة الحقيقية الوحيدة لثروة اختفت من أربعين سنة.

 

ساد الصمت.

 

حتى الرجال حول الطاولة لم يتحركوا.

 

وأكمل:

 

ـ ثروة أكبر من الشركة.

 

وأكبر من الأراضي.

 

وأكبر من أي حاجة تتخيلها.

 

قلت:

 

ـ إنت مجنون.

 

ضحك.

 

ـ يمكن.

 

لكن الحقيقة ما بتتغيرش.

 

ثم نظر لسارة.

 

وقال:

 

ـ أبوك الحقيقي كان شريكي.

 

ومات قبل ما يعرف إن بنته عايشة.

 

شعرت أنني أغرق.

 

كل شيء أصبح أكبر من الانتقام.

 

أكبر من هشام.

 

أكبر من الخيانة.

 

كان هناك شيء آخر.

 

شيء قديم جدًا.

 

مدفون منذ عقود.

 

قال هشام فجأة:

 

ـ كفاية.

 

التفت الجميع نحوه.

 

وقال:

 

ـ سيبهم يمشوا.

 

جلال ابتسم.

 

ـ ولسه مصمم؟

 

ـ أيوه.

 

ـ بعد ما عرفت إنها مش هتبقى ليك؟

 

اتسعت عيناي.

 

أما هشام فقبض على يديه.

 

وقال:

 

ـ عمرها ما كانت ليا.

 

أول مرة.

 

أول مرة أسمعه يقولها.

 

أول مرة أراه يعترف بالحقيقة.

 

لكن جلال ضحك.

 

وقال:

 

ـ متأخر أوي يا ابني.

 

ثم نظر نحوي.

 

وقال:

 

ـ تعرف ليه كنت محتاجك يا رامي؟

 

هززت رأسي.

 

قال:

 

ـ لأن الثروة دي عليها شرط قانوني قديم.

 

وتنهد.

 

ثم أكمل:

 

ـ الشرط مرتبط بزواج سارة.

 

شعرت بقشعريرة.

 

قال:

 

ـ وجودك في حياتها كان ضروري.

 

وجود هشام كان ضروري.

 

وجود الكل كان ضروري.

 

كل حاجة حصلت كانت جزء من خطة بدأت قبل ما تتولدوا أصلًا.

 

في تلك اللحظة…

 

فقدت القدرة على التمييز بين الحقيقة والجنون.

 

هل يعقل أن يكون كل ما عشته مجرد قطعة داخل لعبة أكبر؟

 

لكن فجأة…

 

صدر صوت قوي من خلفنا.

 

انفجار باب معدني.

 

ثم صراخ.

 

والتفت الجميع.

 

رجال مسلحون اقتحموا المكان.

 

لكنهم لم يكونوا من رجال الشرطة.

 

ولا من رجال جلال.

 

ولا من رجال هشام.

 

وجوه جديدة تمامًا.

 

والرجل الذي دخل أولًا…

 

جعل الدم يتجمد في عروقي.

 

لأنه كان يشبه سارة بشكل مخيف.

 

نفس العينين.

 

نفس الملامح.

 

نفس الابتسامة.

 

حتى سارة نفسها شهقت.

 

أما الرجل فثبت نظره عليها.

 

وقال بصوت مرتجف:

 

ـ أخيرًا لقيتك.

 

وساد الصمت.

 

الصمت الذي يسبق كارثة جديدة.

 

لأن السؤال الذي انفجر في رأسي لحظتها كان واحدًا فقط:

 

من يكون هذا الرجل؟

 

ولماذا يبدو وكأنه نسخة أخرى من سارة؟

 

الفصل الأخير

 

“أخيرًا لقيتك.”

 

الصوت خرج مرتعشًا من الرجل الغريب.

 

كانت عيناه مثبتتين على سارة.

 

أما سارة نفسها فكانت تنظر إليه كأنها ترى شبحًا.

 

القاعة كلها سكتت.

 

حتى جلال السيوفي فقد ابتسامته لأول مرة.

 

أما هشام فبدا عليه الارتباك.

 

الرجل تقدم خطوة.

 

ثم خطوة أخرى.

 

وقال:

 

ـ أنا اسمي يوسف.

 

والدتك كانت أختي.

 

شعرت سارة أن أنفاسها انقطعت.

 

أما أنا فكنت أحاول استيعاب ما يحدث.

 

يوسف أخرج صورة قديمة من جيبه.

 

صورة لامرأة شابة.

 

هي نفسها المرأة التي رأيناها في ملفات الماضي.

 

ليلى.

 

لكن هذه المرة كانت تحمل طفلة رضيعة.

 

وقال:

 

ـ الطفلة دي إنتِ.

 

انهمرت دموع سارة.

 

أما يوسف فأكمل:

 

ـ أختي ما ماتتش قبل ما تكتب كل الحقيقة.

 

الحقيقة اللي جلال دفنها.

 

واللي نجيب ساعده يدفنها.

 

واللي فؤاد الحقيقي حاول يكشفها قبل موته.

 

ثم التفت نحو جلال.

 

وقال:

 

ـ انتهى كل شيء.

 

ابتسم جلال ابتسامة باردة.

 

وقال:

 

ـ متأكد؟

 

رفع يوسف ملفًا كبيرًا.

 

وقال:

 

ـ كل المستندات موجودة.

 

الوصية.

 

إثبات النسب.

 

شهادات الشهود.

 

وتسجيلات الاعتراف.

 

كل حاجة.

 

حاول بعض رجال جلال التحرك.

 

لكن الرجال الذين دخلوا مع يوسف كانوا مستعدين.

 

خلال دقائق تحولت القاعة إلى فوضى.

 

لكن هذه المرة لم يكن جلال مسيطرًا.

 

كانت اللعبة تخرج من يده.

 

التفت جلال إلى هشام.

 

وقال بغضب:

 

ـ كل ده بسببك.

 

وقف هشام صامتًا.

 

فأكمل جلال:

 

ـ ربيتك من طفل.

 

عملت منك راجل.

 

وده رد الجميل؟

 

ضحك هشام ضحكة موجوعة.

 

وقال:

 

ـ لا.

 

إنت ما ربتنيش.

 

إنت صنعت وحش.

 

وسكت لحظة.

 

ثم أكمل:

 

ـ وأنا تعبت.

 

لأول مرة رأيت هشام ينهار.

 

كل الغضب.

 

كل الكراهية.

 

كل الهوس.

 

بدأ يتساقط من فوق كتفيه.

 

نظر إلى سارة.

 

وقال:

 

ـ أنا آسف.

 

كانت كلمة صغيرة.

 

لكنها خرجت من مكان عميق جدًا.

 

ثم نظر إليّ.

 

وقال:

 

ـ وأنت كمان.

 

أنا ضيعت عمري كله وأنا بكرهك.

 

ولما عرفت الحقيقة…

 

اكتشفت إني ضيعت نفسي.

 

لم أرد.

 

لم أستطع.

 

لأنني أنا أيضًا كنت أحمل ذنوبي الخاصة.

 

في اللحظة التالية حاول جلال الهرب.

 

لكن رجال يوسف أمسكوا به.

 

وبعد دقائق وصلت الشرطة.

 

هذه المرة الشرطة الحقيقية.

 

بعد أن وصلت البلاغات والتسجيلات والملفات.

 

انتهت سنوات من الأكاذيب في ليلة واحدة.

 

تم القبض على جلال.

 

وتم فتح كل القضايا القديمة.

 

وتأكدت براءة عبد الحميد الشاذلي.

 

وبراءة فؤاد منصور الحقيقي.

 

وانكشفت جرائم كثيرة ظلت مدفونة لعقود.

 

أما الثروة التي كانت سببًا لكل هذا الجنون…

 

فاكتشف الجميع أنها أقل بكثير مما تخيلوا.

 

سنوات من الكراهية.

 

والانتقام.

 

والخيانة.

 

والدموع.

 

من أجل شيء لم يكن يستحق أصلًا.

 

—

 

بعد شهرين…

 

كانت الشمس هادئة فوق شرفة صغيرة تطل على النيل.

 

جلست سارة أمامي.

 

وبطنها أصبح أكبر.

 

والحياة بدأت تعود إلى وجهها.

 

أما أنا…

 

فلم أعد الرجل نفسه.

 

الشركة؟

 

خسرت جزءًا كبيرًا منها.

 

لكنني أنقذت ما يمكن إنقاذه.

 

المال عاد تدريجيًا.

 

لكن الشيء الذي كنت أحاول استعادته فعلًا…

 

كان ثقة سارة.

 

وذلك كان أصعب من أي قضية.

 

قلت لها بهدوء:

 

ـ عارف إني ما استحقش فرصة.

 

نظرت إليّ طويلًا.

 

ثم قالت:

 

ـ فعلًا.

 

ابتسمت بحزن.

 

فأكملت:

 

ـ لكن ابننا يستحق أب أحسن من اللي كنت عليه.

 

نزلت دمعة من عيني دون أن أشعر.

 

ولأول مرة منذ سنوات…

 

لم أخجل منها.

 

مددت يدي.

 

فترددت للحظة.

 

ثم وضعت يدها فيها.

 

لم يكن غفرانًا كاملًا.

 

ولا نهاية سحرية.

 

لكنها كانت بداية.

 

بداية حقيقية.

 

—

 

أما ياسمين…

 

فشهدت بكل شيء.

 

وساعدت في كشف الجرائم.

 

ثم اختفت من حياتنا بهدوء.

 

وأخذت طفلها.

 

وحاولت أن تبدأ من جديد بعيدًا عن الأكاذيب.

 

—

 

أما هشام…

 

فكانت نهايته مختلفة.

 

لم يدخل السجن بسبب ما كشفه من جرائم جلال وتعاونه مع التحقيق.

 

لكنه خسر كل شيء آخر.

 

خسر أوهامه.

 

وخسر سنوات عمره.

 

وفي آخر مرة رأيته فيها…

 

كان يجلس وحده.

 

ينظر إلى النيل.

 

وقال لي:

 

ـ تعرف إيه أسوأ حاجة؟

 

قلت:

 

ـ إيه؟

 

ابتسم ابتسامة مكسورة.

 

وقال:

 

ـ إن الحقيقة ما أنقذتنيش.

 

الحقيقة وصلت متأخرة.

 

ثم قام ومشى.

 

ولم أره بعدها مرة أخرى.

 

—

 

وبعد سبعة أشهر…

 

وقفت خارج غرفة الولادة.

 

أتنفس بصعوبة.

 

والخوف يأكلني.

 

لكن هذه المرة لم يكن خوف رجل يطارد حلم الأبوة.

 

كان خوف رجل يعرف قيمة ما يملكه.

 

ثم خرجت الممرضة.

 

وابتسمت.

 

وقالت:

 

ـ مبروك يا أستاذ رامي.

 

قمت واقفًا.

 

قلبي يكاد يقفز من صدري.

 

ـ ولد ولا بنت؟

 

ضحكت.

 

وقالت:

 

ـ بنت.

 

دخلت الغرفة.

 

وسارة تحمل طفلتنا الصغيرة.

 

اقتربت ببطء.

 

وحملتها بين يدي.

 

كانت صغيرة جدًا.

 

هادئة جدًا.

 

وملامحها لم تشبه أحدًا بعد.

 

لكنها كانت أجمل شيء رأيته في حياتي.

 

بكيت.

 

بكيت فعلًا.

 

لكن هذه المرة…

 

لم يكن خوفًا.

 

ولا رعبًا.

 

ولا صدمة.

 

كان امتنانًا.

 

لأن ربنا لم يعطِني ما أردته عندما كنت أظن أنني أستحقه.

 

بل أعطاني ما أحتاجه عندما تعلمت أخيرًا معنى الرحمة.

 

نظرت إلى سارة.

 

فابتسمت.

 

ثم نظرت إلى ابنتي.

 

وهمست:

 

ـ وعد مني…

 

إنك عمرك ما هتدفعي ثمن أخطاء أبوكي.

 

في الخارج كانت القاهرة كما هي.

 

زحام.

 

وضوضاء.

 

وحكايات لا تنتهي.

 

لكن داخل تلك الغرفة الصغيرة…

 

انتهت أخيرًا الحكاية التي بدأت بخيانة.

 

وانتهت بفرصة ثانية.

 

فرصة لم أكن أستحقها…

 

لكنني كنت مستعدًا هذه المرة ألا أضيعها أبدًا.

 

تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *