ياسمين حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الثاني
ــ سليم الحديدي كذاب!
الصوت دوّى في البهو الرخامي للقصر كطلقة.
اتجمدت مكاني فوق السلم، وإيديا اتشبكت في الدرابزين بقوة لدرجة حسيت أظافري هتتكسر. الساعة كانت حوالي عشرة الصبح، وضوء البحر داخل من الشبابيك العالية، لكن فجأة كل المكان بقى بارد.
الست اللي واقفة تحت كانت في أوائل الثلاثينات، شعرها منكوش كأنها جاية بعد ليلة كاملة من البكاء، وعينيها حمرا ومتورمة. وفي إيديها صورة كبيرة لسليم… ومعاها طفل عنده تقريبًا ست سنين، واقف لازق في رجلها وهو مرعوب من كل الناس اللي حوالينا.
والأصعب؟
الطفل فعلًا كان شبه سليم بطريقة تخوف.
نفس العينين الغامقين. نفس الحاجبين. حتى طريقته وهو واقف ساكت كأن عنده حذر أكبر من سنه.
الخدم كانوا متوترين، والحرس واقفين مستنيين أوامر، ومدير القصر بيحاول يهدي الست وهي بتصرخ:
ــ قولوله ينزل! قوله يواجهني بدل ما مستخبي فوق!
قلبي بدأ يدق بعنف.
وللحظة… كل كلام الناس رجع يرن في ودني.
“أكيد فيه حاجة مستخبية.” “راجل زيه مستحيل يكون ملاك.” “ليه ما اتجوزش كل السنين دي؟”
بلعت ريقي بصعوبة ونزلت أول درجة في السلم.
الست أول ما شافتني سكتت لحظة. ثم بصت لفستاني الأبيض البسيط اللي لسه كنت لابساه من بعد الفطار… وابتسمت بسخرية موجوعة.
ــ إنتِ العروسة الجديدة؟
ماعرفتش أرد.
قالت وهي ترفع الصورة: ــ مبروك… اتجوزتي راجل عنده ابن مخبيه بقاله سنين.
الكلمة نزلت عليّ كأن حد سكب تلج جوه صدري.
في اللحظة دي… سمعت خطوات ورايا.
هادية. ثابتة.
لفيت ببطء.
وسليم كان نازل السلم.
لابس قميص أبيض وبنطلون أسود بسيط، شعره لسه مبلول من الشاور، لكن أول ما شاف الست… ملامحه اتغيرت بالكامل.
مش صدمة.
الأخطر.
معرفة.
هو يعرفها.
وقف في آخر السلم، وبص للطفل طويلًا. ثم قال بهدوء مخيف: ــ مين سمحلك تدخلي هنا يا نهى؟
الست ضحكت بمرارة: ــ خايف على صورتك قدام العروسة الصغيرة؟
كنت ببص بينهم وأنا حاسة الأرض بتميل.
نهى؟
يعني فعلًا يعرفها.
الطفل شد طرف هدومها بخوف وهمس: ــ ماما… عايز أمشي.
لكنها مسكت إيده أقوى وقالت وهي تبص لسليم: ــ لا يا آدم… خليه يبص عليك كويس. يمكن ضميره يفوق أخيرًا.
آدم.
حتى الاسم وجعني.
لأن الطفل كان حقيقي. مش إشاعة. مش كذبة صحافة.
طفل من لحم ودم واقف قدامي.
وسليم… ما أنكرش.
ولا كلمة.
نزل آخر درجة ببطء، ثم قال للحرس: ــ سيبونا لوحدنا.
الحرس بصوا لبعض بتوتر. لكن محدش يقدر يعارضه.
خلال ثواني… البهو فضي تقريبًا.
فضلت أنا. وسليم. ونهى. والطفل.
حسيت إني دخيلة على مشهد بدأ قبل وجودي بسنين.
بصيت لسليم أخيرًا وقلت بصوت مهزوز: ــ سليم… مين دي؟
عينيه اتحركت ناحيتي. وفيهم حاجة أول مرة أشوفها.
خوف.
قال بهدوء: ــ لازم تسمعيني للآخر.
نهى انفجرت ضاحكة: ــ للآخر؟ هتقولها إيه؟ إنك ما تعرفش ابنك؟ ولا إنك دفعت فلوس علشان نختفي؟
شهقت بدون وعي.
بصيت له بسرعة. لكنه قال بحدة لأول مرة: ــ كفاية يا نهى.
ــ لا مش كفاية! إنت اتجوزت وكملت حياتك وأنا وابنك بنضيع!
الطفل بدأ يعيط بهدوء وهو ماسك إيد أمه.
وفي اللحظة دي… كل حاجة جوايا اتكسرت.
مش لأن سليم ممكن يكون عنده ابن. لكن لأنه ما قاليش.
بعد كل الكلام عن الصراحة والأمان… في سر بالحجم ده مستخبي؟
لفيت أبصله، وعيني مليانة دموع: ــ كنت ناوي تقولي إمتى؟
صمت.
والصمت كان أسوأ من أي إجابة.
حسيت نفسي بتخنق.
فنزلت السلم بسرعة، وعديت جنبهم وأنا بسحب نفسي بالعافية.
سمعته بينادي: ــ ياسمين.
لكنني ماوقفتش.
طلعت أجري ناحية الجناح، وقفلت الباب ورايا بعنف.
وفور ما الباب اتقفل… انهرت.
وقعت على الأرض وأنا بحاول أتنفس.
قلبي كان بيوجعني بطريقة مرعبة.
إزاي خلال يومين بس… من بنت حاسة إنها أخيرًا لقت الأمان… لبنت حاسة إنها اتخدعت؟
فضلت أبكي يمكن نص ساعة كاملة.
لحد ما سمعت خبط هادي على الباب.
سليم.
طبعًا.
ما رديتش.
بعد ثواني قال من برا: ــ مش هدخل غير لو سمحتيلي.
غمضت عيني بقهر.
حتى وهو غلطان… لسه بيستأذن.
وده اللي وجعني أكتر.
قلت بصوت متقطع: ــ ادخل.
فتح الباب ببطء.
دخل لوحده. من غير غضب. من غير تبريرات سريعة.
بس أول ما شفته… افتكرت الطفل.
وشبهه.
فبصيت بعيد فورًا.
قرب خطوة. ثم وقف.
كأنه فاهم إن المسافة دلوقتي أهم من الكلام.
قال أخيرًا: ــ آدم مش ابني.
ضحكت بمرارة وأنا أمسح دموعي: ــ بجد؟ هتضحك عليا للدرجة دي؟
ــ أنا ما كدبتش عليكي.
بصيت له بعصبية: ــ الطفل نسخة منك!
هز راسه ببطء. ثم قال: ــ لأنه ابن أخويا.
الصمت اللي حصل بعدها كان ثقيل جدًا.
رمشت باستيعاب بطيء: ــ إيه؟
تنفس بعمق. وقعد على الكنبة المقابلة بعيد عني.
ثم بدأ يحكي.
ــ أخويا الأكبر… سامح الحديدي… كان مختلف عني تمامًا. متهور… مدلل… وكل حاجة عنده لعبة. قبل سبع سنين دخل علاقة مع نهى.
نهى.
الاسم بقى يرن في ودني.
كمل: ــ كانت بتحبه بجد. وهو وعدها بالجواز… وبعدها سابها واختفى برا مصر شهور.
همست: ــ والطفل؟
خفض عينيه: ــ آدم ابنه فعلًا.
شهقت وأنا بحط إيدي على بقي.
قال بصوت متعب: ــ سامح مات في حادث بعد ولادة آدم بأربع شهور.
الأوضة سكتت.
ثم كمل: ــ بعد موته… نهى حاولت تتواصل مع عيلتنا. لكن أبويا وقتها رفض يعترف بالطفل لأن الجوازة ماكنتش رسمية.
قلبي انقبض.
ــ وإنت؟
قفل عينيه لحظة. ثم قال: ــ أنا كنت الوحيد اللي بيساعدها.
افتكرت كلام نهى: “دفعت فلوس علشان نختفي.”
سألته: ــ يعني إيه؟
طلع نفس طويل: ــ كنت بصرف عليهم من غير ما حد يعرف… لأن عيلتي كانت رافضة وجود آدم بالكامل.
اتلخبطت مشاعري كلها.
غضب. ارتياح. حزن. ارتباك.
قلت ببطء: ــ طب ليه ماقولتليش؟
رفع عينيه ليا أخيرًا.
وكان واضح إنه عارف إن دي أصعب نقطة.
ــ لأن دي مش حكايتي لوحدي. دي حياة طفل… وكنت مستني الوقت المناسب.
ضحكت بسخرية موجوعة: ــ الوقت المناسب بعد الجواز؟
قام من مكانه ببطء. ثم قرب.
ــ كنت خايف.
الكلمة فاجأتني.
سليم الحديدي؟ خايف؟
قال وهو باصصلي بثبات: ــ خايف تسمعي نص الحقيقة وتهربي قبل ما تعرفي الباقي.
همست: ــ والباقي إيه؟
سكت ثواني.
ثم قال: ــ نهى رجعت مش علشان الفلوس.
قلبي دق بعنف.
ــ أومال علشان إيه؟
بصلي مباشرة.
وقال الجملة اللي خلت جسمي كله يبرد:
ــ لأن حد من عيلتي بيحاول ياخد آدم منها بالقوة.
شهقت: ــ إيه؟!
ــ وفيه ناس مستعدة تدمر أي حد يقف ضدهم… حتى أنا.
في اللحظة دي… فهمت ليه نهى كانت مرعوبة بالشكل ده.
وليه الطفل متعلق بيها كأنه خايف يختفي لو ساب إيدها.
وسليم كمل بصوت منخفض: ــ وجودك دلوقتي في وسط الحرب دي… أخطر مما تتخيلي.
كنت لسه بحاول أستوعب… لكن قبل ما أتكلم—
صوت تكسير ضخم دوّى من تحت.
بعده صرخة.
ثم صوت الحرس وهم بيجروا.
سليم اتلفت فورًا ناحية الباب. ملامحه كلها اتشدت.
وقبل ما ألحق أسأله…
دخل مدير الأمن وهو بيصرخ: ــ باشا! الولد اختفى!
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *