خنت زوجتي حكايات أسما ×5
الفصل الخامس
فضلت أبص للفيديو أكتر من مرة.
مرة.
واتنين.
وعشرة.
في كل مرة كنت أركز على تفصيلة مختلفة.
وش سارة.
نظرتها.
الإضاءة.
الصوت.
لكن في الآخر كنت برجع لنفس الحاجة.
العلامة المحفورة على الحائط.
علامة قديمة على شكل مثلث مقلوب جواه خطين متقاطعين.
علامة شفتها قبل كده.
مش مرة.
ولا اتنين.
عشرات المرات.
كانت موجودة على باب مخزن قديم تابع لأول مشروع اشتغل فيه أبويا مع أبو هشام.
مكان مهجور من سنين طويلة.
مكان أغلب الناس نسيته.
لكن أنا ما نسيتوش.
لأننا كنا بنخزن فيه معدات زمان.
قفلت الفيديو.
وبصيت للخريطة اللي سارة باعتاها.
الموقع كان نفس المنطقة تقريبًا.
ساعتها فهمت.
الرسالة ما كانتش صدفة.
وسارة ما كانتش بترميني في طريق عشوائي.
كانت عايزة توصلني لحاجة.
لكن هل وصلت الرسالة قبل ما يحصل لها حاجة؟
ولا كانت متأخرة؟
السؤال ده فضل ياكل في دماغي طول الطريق.
اتصلت بالمحامي عادل.
حكيت له كل حاجة.
قال فورًا:
ـ متروحش لوحدك.
قلت:
ـ مفيش وقت.
قال:
ـ وده بالضبط اللي هشام عايزه.
سكت شوية.
وبعدين قال:
ـ استناني عشرين دقيقة.
أقابلك هناك.
وافقت.
لأول مرة من بداية الكابوس ده.
كنت بتعلم أسمع نصيحة حد.
وصلت قبل الموعد بعشر دقايق.
المكان كان في أطراف القاهرة.
منطقة صناعية قديمة.
مصانع مقفولة.
ورش مهجورة.
شوارع فاضية.
والضباب الخفيف مغطي المكان.
المخزن كان واقف وسط الأرض كأنه شبح.
مبنى ضخم من الخرسانة.
أبوابه الحديد صديت من الزمن.
لكن العلامة كانت موجودة.
نفس العلامة.
نفس المثلث.
نفس الخطين.
وقفت قدامه.
وقلبي بيدق بعنف.
بعد شوية وصلت عربية المحامي.
نزل منها هو ورجل تاني.
قال:
ـ ده كريم.
خبير تقني ومتخصص في الأدلة الرقمية.
صافحني بسرعة.
وبدون كلام كتير دخلنا.
الباب كان مفتوح نص فتحة.
وده لوحده كان شيء مقلق.
دخلنا بحذر.
التراب مالي الأرض.
وريحة الرطوبة خانقة.
لكن الغريب…
إن فيه آثار أقدام حديثة.
ناس دخلت المكان قريب.
قريب جدًا.
سلط كريم الكشاف على الأرض.
وقال:
ـ حد كان هنا من ساعات.
مش أيام.
ساعات.
بصيت للمحامي.
ما قالش حاجة.
بدأنا نفتش.
المخزن كان ضخم.
صفوف طويلة من الرفوف المعدنية.
صناديق قديمة.
أوراق.
معدات صدئة.
لكن بعد حوالي عشر دقائق لقينا حاجة غريبة.
خزانة معدنية في آخر المخزن.
مقفولة بقفل جديد.
جديد جدًا.
وسط كل الخراب ده.
كأن حد حطه امبارح.
كريم ابتسم.
وقال:
ـ دي مش صدفة.
بعد دقائق قليلة قدر يفتحها.
وأول ما الباب اتفتح…
اتجمدنا كلنا.
الخزانة كانت مليانة ملفات.
ملفات مرتبة بعناية.
كل ملف عليه اسم.
وتاريخ.
وصور.
مديت إيدي لأول ملف.
كان مكتوب عليه:
“سارة.”
فتحت الملف.
وشعرت بقلبي ينقبض.
صور لسارة.
من سنين.
صور قديمة وحديثة.
في الجامعة.
في النادي.
في شغلها.
في الشارع.
حتى يوم فرحنا.
صور ما كانش المفروض حد يملكها.
صور متصورة من بعيد.
من غير علمها.
من غير موافقتها.
سنين كاملة من المراقبة.
قال المحامي بصوت منخفض:
ـ يا نهار أبيض.
فتحت صفحات أكتر.
ملاحظات بخط اليد.
مواعيد.
أماكن.
تفاصيل يومية.
أكلها المفضل.
أماكن خروجها.
أسماء أصحابها.
كل حاجة.
كل حاجة.
كان فيه هوس مرضي.
مرض حقيقي.
مش مجرد حب.
ولا حتى انتقام.
حاجة أظلم بكتير.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لسه جاية.
لأن الملف اللي بعده كان مكتوب عليه:
“رامي.”
اتجمدت.
فتحته.
لقيت صور ليا أنا كمان.
تقارير.
تفاصيل.
تحركات.
اجتماعات.
حتى بعض الرسائل الخاصة.
قال كريم:
ـ ده مش شغل شخص عادي.
قلت:
ـ تقصد؟
قال:
ـ اللي جمع المعلومات دي صرف وقت وفلوس ومجهود سنين.
كان عامل مشروع كامل.
مش مجرد مراقبة.
فتحت ملف تالت.
وكان مكتوب عليه:
“مشروع الاسترداد.”
نظرت للمحامي.
قال:
ـ افتحه.
فتحت.
وفي اللحظة دي حسيت إن الأرض بتتحرك تحتي.
أول صفحة كانت عبارة عن خطة.
خطة كاملة.
مقسمة على مراحل.
مرحلة أولى.
التقرب من رامي.
مرحلة ثانية.
الدخول كشريك.
مرحلة ثالثة.
إضعاف العلاقة الزوجية.
مرحلة رابعة.
الاستحواذ على الشركة.
مرحلة خامسة.
استعادة سارة.
استعادة سارة.
الكلمة كانت مكتوبة بالحرف.
استعادة.
كأنها ممتلكات.
كأنها شيء ضاع منه.
وليس إنسانة.
قلبت الصفحة.
لقيت ملاحظات بخط هشام نفسه.
“رامي نقطة ضعفه فكرة الأبوة.”
“يمكن استغلال الرغبة في الإنجاب.”
“ياسمين مرشحة مناسبة.”
وقعت الورقة من إيدي.
المحامي أخدها.
قرأها.
وشتم لأول مرة من يوم ما عرفته.
أما أنا…
فما كنتش قادر أتكلم.
كل شيء كان متخطط.
كل شيء.
من أول يوم.
من أول خطوة.
من أول ابتسامة.
كنت لعبة.
أداة.
مجرد هدف داخل خطة بدأت قبل سنين.
وفجأة سمعنا صوت.
صوت معدني.
خفيف.
لكن واضح.
التفتنا كلنا.
الصوت جاي من آخر المخزن.
قال كريم:
ـ فيه حد هنا.
سكت المكان كله.
حتى أنفاسنا.
وبعدين اتكرر الصوت.
خطوات.
بطيئة.
تقترب.
المحامي أمسك هاتفه.
وأنا مسكت أول قطعة حديد لقيتها.
الخطوات قربت أكتر.
وأكتر.
لحد ما ظهر شخص من بين الظلال.
في البداية ما عرفتش ملامحه.
لكن أول ما قرب للنور…
شهقت.
ندى.
السكرتيرة.
كانت مرعوبة.
هدومها متربة.
وشها شاحب.
وعينيها مليانة خوف.
جريت ناحيتنا.
وقالت بصوت متقطع:
ـ لازم نمشي.
دلوقتي.
قلت:
ـ إنتِ كنتِ فين؟
قالت:
ـ بعدين.
لازم نمشي.
هنا خطر.
مسكها المحامي.
ـ اهدى.
إيه اللي حصل؟
قالت وهي بتلهث:
ـ هشام عرف إني سلمت الرسائل.
وبعت ناس ورايا.
استخبيت هنا.
ولقيت حاجة.
قلت بسرعة:
ـ إيه؟
بصت ناحيتي.
وقالت:
ـ سارة.
قلبي وقف.
ـ مالها؟
قالت:
ـ شفتها.
تجمدت الدنيا حواليا.
ـ فين؟
قالت:
ـ كانت هنا.
هنا في المخزن.
من يومين.
اتسعت عيني.
ـ إنتِ متأكدة؟
هزت رأسها.
ـ مليون في المية.
لقيت صور كاميرات.
وسمعتها في تسجيلات.
كانت هنا.
لكن…
سكتت.
قلت بعصبية:
ـ لكن إيه؟
قالت:
ـ اختفت.
في نفس الليلة.
اختفت من المكان.
ولا حد عارف راحت فين.
الصمت نزل علينا زي حجر.
قال المحامي:
ـ تقصدي إنها هربت؟
ندى هزت رأسها.
ـ معرفش.
لكن فيه حاجة أغرب.
ـ إيه؟
طلعت فلاشة صغيرة من جيبها.
وقالت:
ـ دي.
دي الحاجة اللي كانوا بيدوروا عليها.
أخدتها بسرعة.
قلت:
ـ إيه عليها؟
بصتلي.
وقالت الجملة اللي غيرت كل شيء.
ـ الحقيقة الكاملة.
مش عن هشام.
عن أبوك.
وأبو هشام.
وسارة.
وسبب الانتقام الحقيقي.
اتجمدت.
ـ إيه تقصدي؟
قالت:
ـ كلنا كنا فاكرين إن الموضوع بدأ بسبب شركة قديمة.
لكن ده كذب.
الحقيقة أقدم.
وأوسخ.
وأخطر.
وقبل ما حد فينا يسأل سؤال تاني…
دوى صوت انفجار هائل خارج المخزن.
اهتزت الأرض تحت أقدامنا.
وتكسرت نوافذ المبنى دفعة واحدة.
وسقط جزء من السقف على بعد أمتار قليلة منا.
صرخت ندى.
وقفز كريم بعيدًا.
أما أنا…
فجريت ناحية الباب.
وفي اللحظة اللي وصلت فيها للخارج…
شفت ألسنة النار بدأت تلتهم مقدمة المخزن.
وشفت سيارة سوداء تنطلق بأقصى سرعة بعيدًا عن المكان.
سيارة كنت أعرفها جيدًا.
سيارة هشام.
لكن قبل ما تختفي في الظلام…
لمحت شيئًا خلف الزجاج الخلفي.
شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقي.
امرأة جالسة في المقعد الخلفي.
وجهها شاحب.
ويداها مقيدتان.
وكانت تشبه سارة بشكل مرعب.
لكنني لم أستطع التأكد…
لأن السيارة اختفت وسط الدخان والنار.
يتبع
