امنية حياتي حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الثاني

الطريق من المسجد للعربية كان أقصر مشوار في حياتي… وأطولهم وجع.

كل خطوة بالكعب العالي كانت كأنها بتدق جوه صدري. الناس واقفة تبص. بعضهم متعاطف. بعضهم مستمتع بالفضيحة. وبعضهم بيصور بالموبايل من بعيد كأن اللي بيحصل مسلسل مش حياة بني آدمين.

أمي كانت ماشية جنبي ماسكة إيدي بقوة. وأخويا آدم ماشي ورايا وشه كله غضب مكتوم.

أما أنا… فكنت حاسة بتنميل غريب. كأني خرجت من جسمي وبقيت بتفرج على بنت تانية لابسة فستان أبيض بيتسحل فوق الأرض.

أول ما ركبت العربية، قلعت الكعب بعصبية ورميت نفسي على الكرسي الخلفي. حاولت أمسك دموعي… بس أول شهقة طلعت مني كسرتني.

انهرت.

عيط هستيري. النوع اللي بيطلع من قاع الروح. النوع اللي بيخليك تحس إن كرامتك نفسها بتنزف.

أمي حضنتني فورًا. كانت ريحتها أمان طفولتي. وقالت وهي تمسح على شعري: — اعيطي يا حبيبتي… اطلعي القهر كله.

آدم ضرب الدريكسيون بإيده بعنف: — الحيوان ده ما يستاهلش ضفرك!

صرخت فيه: — كنت شايفه يا آدم؟! كنت شايف الناس وهي بتبصلي؟!

صوتي كان بيتقطع.

— أنا كنت واقفة زي الهبلة… وهو شايل أمه وبيضحك!

أمي شدّتني ليها أكتر: — الحمد لله إن وشه الحقيقي ظهر بدري.

ضحكت ضحكة مكسورة. — بدري؟ بعد كتب الكتاب؟ بعد الفستان؟ بعد ما الناس كلها حضرت؟

أمي بصتلي بثبات: — بدري قبل ما تخلفي منه.

الكلمة سكتتني.

لأنها عندها حق.

كنت على بعد خطوة واحدة من إني أبقى مربوطة بالراجل ده طول عمري.

العربية سكتت شوية… لحد ما موبايل أمي رن.

سهير.

الاسم ظهر على الشاشة.

آدم قال فورًا: — مترديش.

بس أمي ردت. وحطت الاسبيكر.

صوت سهير طلع حاد وعالي: — إنتوا فاكرين نفسكم مين؟!

أمي ردت بهدوء: — خير؟

— خير؟! إنتوا فضحتونا قدام الناس!

أمي ضحكت بسخرية: — لا والله؟ اللي شال أمه بدل عروسته هو اللي اتفضح لوحده.

سمعت صوت كريم في الخلفية: — ماما بالله عليكِ وطي صوتك.

بس سهير كانت مولعة: — بنتك دي قليلة أصل! داخلة تفرق بيني وبين ابني!

آدم انفجر: — اخرسي وانتي بتتكلمي عن أختي!

أمي أشارتله يسكت.

وبعدين قالت أخطر جملة: — محدش يقدر يفرق بين أم وابنها… إلا لو العلاقة بينهم أصلًا مش طبيعية.

الصمت اللي حصل بعدها خوّفني.

ثانيتين… تلاتة…

وبعدين سهير قفلت السكة فجأة.

أمي بصتلنا من غير كلام.

وأنا حسيت بحاجة باردة بتزحف جوايا.

“العلاقة مش طبيعية.”

الجملة فضلت تلف في دماغي.

افتكرت حاجات كنت دايمًا بحاول أتجاهلها.

افتكرت أول مرة رحت بيتهم بعد الخطوبة. كنت قاعدة جنب كريم على الكنبة… وفجأة سهير دخلت وقعدت بينا حرفيًا.

وقالت وهي تضحك: — أنا أغار على ابني حتى من الهوا.

وقتها كل الناس ضحكت. حتى أنا.

بس دلوقتي؟ الذكرى بقت تخوف.

افتكرت كمان يوم ما كنت بكلمه فيديو بالليل… ولقيتها داخلة أوضته من غير خبط وهي لابسة روب نوم خفيف جدًا. وقتها اتوتر وقال: — ماما عادي جدًا معايا.

كنت حسيت بعدم راحة… بس أقنعت نفسي إني بأوفر.

افتكرت إنه عمره ما كان ياخد قرار من غيرها. حتى لون بدلة الفرح هي اللي اختارته. حتى نوع العربية اللي هنركبها النهاردة.

كل حاجة.

وفجأة… حسيت بغثيان.

العربية وقفت قدام بيتنا. وأنا كنت منهارة لدرجة مش قادرة أنزل.

أمي قالت: — تعالي نطلع فوق.

لكن أول ما فتحنا باب العمارة… لقينا اتنين من قرايبنا مستنيين تحت.

خالتي منى وابنتها.

أول ما شافتني خالتي شهقت: — يا نهار أبيض! صحيح اللي الناس بتقوله؟

آدم قال بعصبية: — يا ريت مش وقته.

بس خالتي قربت مني بسرعة: — يا بنتي ارجعي لعقلك. كل الرجالة عندها مشاكل مع أمهاتهم. هتطلقي نفسك عشان لقطة بايخة؟

كنت لسه هرد… لكن أمي سبقتني.

— اللقطة البايخة دي كشفت مستقبل كامل.

خالتي لوت بوقها: — يا نوال بلاش شغل النسويات ده. البنت لازم تستحمل علشان بيتها.

أمي بصتلها ببرود: — البيت اللي يبدأ بإهانة… يكمل بعذاب.

وسابتهم وطلعت بيا.

أول ما دخلت أوضتي… وقعت على السرير وأنا لسه بفستان الفرح.

كل تفصيلة فيه بقت خانقاني. حتى الطرحة حسيتها كفن.

بدأت أفك الدبابيس بعصبية. لحد ما جرحت صوابعي.

أمي كانت قاعدة جنبي بهدوء. وقالت: — عايزة تعرفي أنا خوفت إمتى؟

بصيتلها.

قالت: — يوم ما كريم قالك بعد الخطوبة “ماما تزعل بسرعة”.

استغربت. — يعني إيه؟

— يعني من أول يوم وهو بيحملك مسؤولية مشاعره ومشاعر أمه. الراجل الناضج ما يقولش لمراته “استحملي علشان ماما”. الراجل الناضج يحط حدود.

كلامها دخل جوايا زي السم البطيء.

لأني طول الفترة اللي فاتت… كنت فعلًا أنا اللي دايمًا بتنازل.

سهير تقل أدبها؟ استحملي.

كريم يلغي معادنا علشانها؟ استحملي.

تدخل بينا؟ استحملي.

كنت فاكرة إن الحب تضحية.

بس يمكن الحب الحقيقي… مايبقاش فيه إهانة أصلًا.

وفجأة… موبايلي رن.

كريم.

بصيت للشاشة وقلبي وجعني رغم كل حاجة.

لأن للأسف… لسه بحبه.

أمي قالت: — القرار قرارك.

رديت.

صوته كان متوتر جدًا: — سارة… بالله عليكِ اسمعيني.

سكت.

قال بسرعة: — اللي حصل غباء مني. أنا آسف.

دموعي نزلت تاني. — ليه عملتها يا كريم؟

اتنهد. — علشان أمي ضغطت عليا.

غمضت عيني.

حتى اعتذاره كان بيرمي المسؤولية على غيره.

قلت بصوت ضعيف: — وأنا؟ أنا مالوش أي قيمة إحساسي؟

سكت ثانية… وبعدين قال: — انتي عارفة ماما مريضة بالقلب.

الجملة دي خلت أمي ترفع حاجبها فورًا.

وأنا حسيت بالغضب لأول مرة.

— يعني لو أمك طلبت أي حاجة تهينّي هتعملها علشان قلبها؟

— لا طبعًا بس…

قاطعته: — بس عملتها فعلًا.

سكت.

وبعدين قال جملة قت*لت آخر حتة أمان جوايا: — خلاص يا سارة… اعتبريها غلطة وعدّت.

غلطة وعدّت.

يعني هو مش فاهم أصلًا حجم اللي عمله.

قلت بهدوء مرعب: — إنت شايف اللي حصل مجرد لقطة محرجة… وأنا شايفاه عمر كامل.

وقبل ما يقفل… سمعت صوت سهير في الخلفية.

كانت بتزعق: — قولها ترجع عقلها بدل ما تبقى مطلقة قبل الدخلة!

قفلت السكة فورًا.

إيدي كانت بتترعش.

وأمي خدت الموبايل من إيدي بهدوء وحطته بعيد.

قالت: — نامي شوية.

بس النوم كان مستحيل.

بعد ساعة تقريبًا… كنت قاعدة قدام المراية أبص لنفسي.

المكياج سايح. العينين حمرا. والفستان الأبيض بقى شكله حزين.

وفجأة… وصلتلي رسالة من رقم غريب.

“لو عايزة تعرفي الحقيقة عن سهير وكريم… اقابليني بكرة الساعة ٦ في كافيه لوران.”

اتجمدت.

الرسالة كملت:

“في حاجات لازم تعرفيها قبل ما ترجعي له.”

قلبي بدأ يدق بسرعة.

مين ده؟

وليه حاسس إني داخلة على مصيبة أكبر؟

ورغم الخوف… حسيت إني لازم أعرف.

لأن جوايا إحساس مرعب… إن اللي شوفته النهاردة كان مجرد أول القشرة.

أما الحقيقة اللي تحتها… فكانت أسوأ بكتير.

وفي نفس الليلة… وأنا بحاول أخلع دبلة كتب الكتاب من صباعي…

اكتشفت حاجة غريبة جدًا.

حاجة ماكنتش موجودة الصبح.

حرفين محفورين من الداخل.

“K & S”

لكن الـ S… ماكانتش مقصود بيها “سارة”.

لأن تحتها مباشرة… كان فيه أثر اسم قديم متشال.

اسم بدأ بحرف: “س”.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *