عزومة خطوبتنا حكـايـات روماني ×2

صوت الحاج جلال كان طالع من سماعة التليفون وهو بيتحنحن، ونبرته فيها هدوء مصطنع، قال:

“مساء الخير يا حاج أحمد، عاش من سمع صوتك يا راجل يا طيب.. أنا بكلمك بخصوص اللي حصل النهاردة في البيت، وطريقة هبة بنتك مع فريدة وتامر.”

أبويا بص لعمي وأشار له يستنى، ورد بصوت قوي وثابت ومفيهوش أي تهاون:

“أهلاً يا حاج جلال، ماله اللي حصل النهاردة؟ بنتي راحت لخطيبها تسأله عن تصرف مش رجالي حصل منه في المطعم، فسمعت من والدته كلام لا يقبله راجل على بنته وأهله.”

الحاج جلال اتنهد وقال ببرود مستفز:

“يا حاج أحمد، إحنا ناس بنفهم في الأصول، وتامر ابني حب يعملكم مفاجأة في مكان غالي، وكان العشم إنك كراجل كبير تفهم الواجب وتدفع، ومفيش داعي للفضايح اللي بنتك عملتها في بيتي.. على العموم، تامر شاري برضه، وإحنا عشان خاطر القرابة والنسب مستعدين نعدي الموضوع، بس هبة تيجي تعتذر لفريدة وتامر، والفلوس اللي إنت دفعتها في المطعم هنعتبرها جزء من مهرها ونخصمها من المؤخر وقت كاتب الكتاب عشان النفوس تصفى.”

أبويا ضحك ضحكة قوية سخرت من كلامه كله، ورد عليه بكلم,,ات حاسمة زي السيف:

“تعتبروها من المهر؟ وتخصموها من المؤخر؟ هو إنتوا فاكرين نفسكم بتشتروا بضاعة ولا بتناسبوا رجالة؟ اسمع يا جلال.. بنتي هبة مش هتعتب بيتكم تاني، والخطوبة دي من اللحظة دي انتهت. والشبكة بتاعت ابنك اللي فرحان بيها دي، هتوصلكم لحد باب البيت، بس بالطريقة اللي تليق بأصلكم.”

وقبل ما الحاج جلال يرد، أبويا قفل السكة في وشه.

البيت كله حس براحة بعد كلام بابا، لكن عمي الكبير قال بنظرة كلها مكر:

“الخطوبة تنتهي طبعاً، بس الخمسين ألف جنيه والكرامة اللي اتهدرت في المطعم لازم يرجعوا، والناس دي لازم تتربى عشان يعرفوا يعني إيه بيوت ناس محترمة.”

بدأنا نرتب لرد الصاع صاعين، والخطرة كانت من تدبير عمي اللي بيشتغل في التجارة وعارف إزاي يجيب حقنا تالت ومتلت من غير ما نغلط غلطة واحدة تمسك علينا.

تاني يوم الصبح، تامر بعتلي رسالة على الواتساب كلها غرور وكبرياء:

“أبوكي قفل في وش أبويا السكة، وده تصرف مش مقبول. لو فاكرة إنك هتلوي دراعي بالشبكة، فالشبكة دي من حقي القانوني طالما إنتوا اللي بتنهوا الخطوبة، وأنا مش هسيب حقي.”

ما ردتش عليه، وبناءً على خطة عمي، بابا اتصل بالحاج جلال تاني وقال له بنبرة هادية تماماً:

“يا حاج جلال، أنا فكرت في كلامك ولقيت إننا أهل ومفيش داعي للمشاكل. إحنا عازمينكم بكرة بالليل عندنا في البيت، تامر وإنت والحاجة فريدة، عشان ننهي الموضوع ده ودي، وتامر ياخد شبكته وحاجته، ونتفق على تصفية النفوس، والصلح خير.”

الحاج جلال وتامر طبعاً صدقوا إننا خفنا على الشبكة وراجعين نعتذر، ووافقوا فوراً والغرور مالي قلوبهم.

يوم العزومة، جه تامر وأبوه وأمه، ودخلوا شقتنا وهما رافعين راسهم وعلام,,ات النصر على وشوشهم. الحاجة فريدة قعدت وبصت لي بابتسامة صفرا وقالت:

“كويس إنكم عرفتوا الصح يا أم هبة، البنت ملهاش غير بيت جوزها، والأصول أصول برضه.”

ماما ابتسمت ومردتش. بابا وعمي رحبوا بيهم ودخلوا ليهم عشا فاخر جداً من برة، وفضلوا يأكلوهم ويضايفوهم بكل كرم لحد ما خلصوا وأكلوا وشربوا والشاي نزل.

هنا عمي وقف، ودخل الأوضة وخرج وهو شايل علبة القطيفة الصغير اللي فيها الشبكة، وحطها على التربيزة قدام تامر.

تامر ابتسم بانتصار ومد إيده عشان ياخدها، لكن عمي حط إيده فوق العلبة ومنعه، وقال بنبرة صوت اتغيرت 180 درجة للجدية الصارمة:

“استنى يا تامر.. الشبكة دي مش هتمشي من هنا غير لما تدفع الفاتورة اللي عليك.”

والد تامر اتنفض من مكانه وقال:

“فاتورة إيه؟ إنتوا مش جايبيننا عشان تصالحونا وتدونا الشبكة؟”

عمي طلع من جيبه ورقة، وحطها قدامهم على التربيزة.. الصدمة لجمت تامر وأمه وأبوه أول ما شافوا المكتوب في الورقة، ووشوشهم اتقلبت لألوان..

الورقة اللي عمي حطها على الترابيزة ما كانتش فاتورة المطعم القديمة، دي كانت كشف حساب مفصل ومختوم ومكتوب فيه:

“شيك بمبلغ 55 ألف جنيه قيمة عشاء التعارف بالفندق، مضافًا إليه 15 ألف جنيه قيمة العشاء الحالي بمنزل حماك، بالإضافة لـ 10 آلاف جنيه رسوم استهلاك وتعب نفسي وأدبي لأهل العروسة.. الإجمالي: 80 ألف جنيه”.

الحاج جلال وقف على رجليه وعروقه ناطرة من العصبية وزعق:

“إيه الجنان ده؟! إنتوا نصابين ولا إيه؟ عشاء إيه اللي بـ 15 ألف في البيت؟ وشبكة ابني اللي تمنها عدي الـ 150 ألف جنيه دي إزاي تحجزوها؟ ده إحنا نوديكم في داهية ونعملكم محضر تبديد!”

عمي ضحك ببرود شديد، وسند ضهره على الكرسي وقال بمنتهى الثقة:

“محضر إيه يا حاج جلال؟ إحنا ناس بنفهم في القانون كويس قوي. الشبكة دي والدة تامر بنفسها قالت قدام هبة إنها هديته لينا وجزء من المهر اللي هتمشوا بيه أموركم، وتامر قال إنه هيخصم تمن العشا من المؤخر، يعني إنتوا معترفين إن الفلوس دي دين في رقبتكم! ده غير إننا هنا في بيتنا، ومعانا وصل استلام وتنازل عن الشبكة تامر مضى عليه أول ما خطب هبة كنوع من توثيق الهدايا بين العائلات.. تحب أوريك صوته؟”

تامر وشه بقى أزرق وبص لأبوه برعب، لأنه افتكر الورقة الصورية اللي عمي خلاه يمضي عليها وقت قراية الفاتحة بحجة إنها “بروتوكول عائلي” لتوثيق الدهب ومكانش مركز فيها من فرحته.

 

الحاجة فريدة قامت من مكانها تصرخ وصوتها جاب آخر الشارع:

“يا ناس يا ظل,,مة! عايزين تس,,رقوا شقا ابني؟ ده إحنا اللي جينا نتشرف بيكم ونعلمكم الأصول! ابني ما يدفعش مليم واحد، والشبكة دي هناخدها غصب عن عين أي حد!”

هنا بابا وقف، وبكل هيبة وقار غطى على صوتها وقال بلهجة حاسمة زلزلت الصالون:

“صوتك ما يعلاش في بيتي يا مدام فريدة! لحد هنا والزمي حدودك. إنتوا جيتوا بيتي وأكلتوا من خيري ودلوقتي بتتبجحوا؟ ابنك خطط ودبر ولغى الحجز القديم وحجز في مكان غالي عشان يظهر قدامنا بمظهر مش بتاعه، وفي الآخر هرب وساب حماه وحم,,اته يتدبسوا في مبلغ هما مش عاملين حسابه، ولما بنتي راحت تعاتبه أهنتوها وطردتوها!”

بابا قرب من تامر، وبص في عينه مباشرة وقال:

“الشبكة دي قدامنا تمنها 150 ألف جنيه.. هتدفع الـ 80 ألف جنيه كاش حالاً، هتاخد شبكتك وتمشي إنت وأهلك.. مش هتدفع؟ يبقى الشبكة دي هتقعد هنا تمن قلة أصلك، واعلى ما في خيلكم اركبوه، واطلعوا برة بيتي!”

تامر حس إن الأرض بتهرب من تحت رجليه، الخطة اللي رسمها هو وأمه عشان يذلونا ويطلعوا هما الكسبانين والمنظرين، اتقلبت فوق دماغهم. وبقى محطوط في موقف لا يحسد عليه؛ يا إما يخسر شبكته وشقا عمره كله، يا إما يضطر يدفع كاش في اللحظة دي مبلغ مكانش عامل حسابه فيه خالص!

الحاج جلال بص لتامر وقال بغض,,ب أعمى:

“إتصرف يا فالح! شفت آخرة تدبيرك وتدبير أمك؟ ورينا بقى هتجيب الفلوس دي منين حالاً عشان ننقذ الدهب بتاعك!”

تامر مسك تليفونه وإيده بترتعش، وبدأ يتصل بأصحابه عشان يشوف مين يقدر يحول له المبلغ ده فوراً على المحفظة الإلكترونية.. وطبعاً الوقت كان متأخر والكل كان بيتهرب منه.

في اللحظة دي، عمي بص لساعة إيده وقال بمكر:

“قدامك بالضبط عشر دقائق يا تامر.. لو الفلوس ما نزلتش كاش في إيد حماك، العلبة دي هتدخل الخزنة، والموضوع هيتحول لطريقة تانية خالص مش هتعجبكم..”

تامر كان عرقان ومطاطي راسه، وأمه واقفة تندب حظها والغرور كله اتمسح من على وشها.. ولم يكن متبقي سوى دقائق معدودة على نهاية المشهد الصادم ده..

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

مرت الدقائق العشر وكأنها دهر على تامر وأهله. كان تامر يتنقل في زاوية الصالون وعرقه يسيل بغزارة، يرجو هذا الصديق ويتحايل على ذاك القريب، حتى نجح أخيرًا في جمع المبلغ من ثلاثة من أصدقائه الذين حوّلوا له الأموال على محفظته الإلكترونية بعد توسلات مخجلة.

بخطوات ثقيلة ورأس منكّس، اقترب تامر من عمي وقال بصوت مخنوق خافت:

“الفلوس جيت.. حولتها حالا على حساب الحاج أحمد.. 80 ألف جنيه بالتمام والكمال.”

أبويا مسك موبايله، وانتظر ثواني لحد ما جت رسالة التأكيد من البنك بتمام التحويل. بص للرسالة، وبعدها بص لتامر ونبرة صوته مليانة عزة ونفاسة وقال:

“تمام.. الفلوس وصلت.”

عمي شال إيده من على علبة القطيفة، وزقها على الترابيزة ناحية تامر وقال ببرود:

“خد شبكتك يا تامر.. مبروك عليك الدهب، ومبروك علينا إننا اشترينا كرامة بنتنا وباعنا الغش والخداع بأرخص تمن.”

الحاجة فريدة خطفت العلبة بسرعة وفتحتها عشان تتأكد إن الدهب كامل، ولما اطمنت حطتها في شنطتها وبصت لنا بغل وقالت وهي بتعدل هدومها:

“يلا بينا من هنا.. ناس ما تعرفش الواجب، والحمد لله إننا ما كملناش مع عيلة مادية زيكم!”

لكن جوزها الحاج جلال شدها من إيدها بعن,,ف وقال لها بزعيق وهو خارج:

“اسكتي بقى! خربتي بيت ابنك بجهلك وطمعك، وضيعتي شقانا في ليلة واحدة بسبب منظرتك الكدابة!”

خرجوا من باب الشقة، ورزعوا الباب وراهم، وفي اللحظة دي بس.. حسيت إن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح. دموعي نزلت، بس المرة دي ما كانتش دموع قهر، كانت دموع راحة ونصرة. بابا قرب مني، أخدني في حض,,نه وباس رأسي وقال لي:

“دموعك غالية يا هبة، والحمد لله إن ربنا كشفهم وعرّاهم قدامنا من أول الطريق.. الفلوس بتروح وتيجي، لكن الكرامة لو راحت مش هيرجعها مال الدنيا.”

## 💡

 الحكمة من القصة

هذه التجربة القاسية لم تكن مجرد نهاية لخطوبة فاشلة، بل كانت درسًا عميقًا في الحياة خرجت منه بالحقائق التالية:

* **الأصول والمظاهر لا تلتقيان بالخداع:** الرجل الحقيقي لا يتجمل بما لا يملك، ومن يبدأ حياته بـ “الفشر” والمنظرة الكدابة على حساب كرامة الآخرين، سينتهي به المطاف مكشوفًا ومطرودًا من حياة أولاد الأصول.

* **السند يظهر في المواقف الصعبة:** الخطيب الذي يهرب ويترك أهل خطيبته في مأزق مالي واجتماعي ليتهرب من المسؤولية، لا يمكن أن يكون سكنًا أو أمانًا في المستقبل؛ لأن من يبيعك في “عزومة” سيبيعك عند أول أزمة حقيقية في الحياة.

* **حماية الأهل وعزوتهم هي الدرع الحقيقي:** كرامة الفتاة من كرامة أهلها، والبيت الذي يقف خلف ابنته ويحمي حقها بحكمة وقوة هو النعمة التي لا تعوض، فالمال فداء للكرامة، والحق لا يضيع طالما وراءه من يطالب به بذكاء وأصول.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *