ليلة العمر حكـايـات أسمـا ×3
الفصل الرابع: الحقيقة التي كانت مدفونة
دوى الانفجار خلف السيارة كالرعد.
اهتزت السيارة المصفحة بعنف.
وصرخت سلمى وهي تشعر بجسدها يرتطم بالمقعد.
أما عمر فمد ذراعه فورًا أمامها ليحميها.
صرخ السائق:
“كمين!”
وفي اللحظة التالية…
انطلقت رصاصات عدة نحو الزجاج.
لكن الزجاج المصفح صمد.
قال عمر بغضب:
“انطلق!”
ضغط السائق على دواسة الوقود بكل قوته.
واندفعت السيارة عبر الطريق بسرعة جنونية.
خلفهم كانت النيران تلتهم سيارة الحراسة الثانية.
أما المهاجمون فاختفوا في الظلام.
مرت دقائق طويلة قبل أن يتأكد الجميع أنهم ابتعدوا عن الخطر.
كانت سلمى ترتجف.
ما زالت غير قادرة على استيعاب ما حدث.
التفتت نحو عمر.
وقالت بصوت مبحوح:
“أنت قلت إن لي أختًا.”
ساد الصمت.
نظر إليها عمر طويلًا.
ثم قال:
“نعم.”
هزت رأسها بعنف.
“لا.”
“سلمى…”
“لا.”
بدأت الدموع تتجمع في عينيها.
“أنا ليس عندي أخت.”
تنهد عمر.
وأخرج ملفًا صغيرًا من حقيبته الجلدية.
ثم وضعه أمامها.
“اقرئي.”
فتحت الملف بيد مرتجفة.
وفي الصفحة الأولى…
وجدت شهادة ميلاد قديمة.
ثم تجمدت.
لأن الاسم المكتوب كان اسم والدتها.
أما الأب…
فكان والدها نفسه.
لكن الطفلة لم تكن سلمى.
كان اسمها…
سارة عبد الرحمن.
شهقت.
وأخذت تقلب الأوراق بسرعة.
صور.
مستندات.
تقارير.
كلها تؤكد الشيء نفسه.
كانت هناك طفلة أخرى.
ابنة أخرى.
أكبر منها بثلاث سنوات.
جلست سلمى عاجزة عن الكلام.
همست:
“ليه مخبوش عليا؟”
قال عمر بهدوء:
“لأنهم ظنوا أنها ماتت.”
رفعت رأسها بسرعة.
“إيه؟”
“قبل أكثر من عشر سنوات اختفت.”
بدأ قلبها ينبض بعنف.
“اختفت؟”
“نعم.”
“إزاي؟”
نظر إليها مباشرة.
وقال:
“تم اختطافها.”
شعرت سلمى وكأن العالم كله ينهار فوق رأسها.
أخت.
مخطوفة.
وعائلتها لم تخبرها يومًا.
قالت بصدمة:
“أمي وأبويا يعرفوا؟”
أومأ عمر.
“يعرفون.”
نزلت دموعها.
“ليه؟”
“لأنهم لم يتحملوا الألم.”
أغمضت عينيها.
وتخيلت أمها.
وتذكرت أوقاتًا كثيرة كانت تراها تبكي ليلًا دون سبب.
وتذكرت صورة قديمة كانت معلقة في المنزل واختفت فجأة.
وتذكرت أشياء كثيرة لم تفهمها وقتها.
أما الآن…
فكل شيء أصبح منطقيًا.
وصلت السيارة إلى فيلا ضخمة على أطراف القاهرة.
نزل رجال الأمن بسرعة.
وأحاطوا المكان.
دخل عمر وسلمى إلى الداخل.
كانت الفيلا أشبه بقلعة.
حراسة في كل مكان.
كاميرات.
بوابات إلكترونية.
قالت سلمى:
“هل نحن سجناء؟”
ابتسم عمر.
“بل نحاول البقاء أحياء.”
في منتصف الليل.
لم تستطع النوم.
خرجت إلى الشرفة.
وكان النيل يلمع بعيدًا تحت ضوء القمر.
وفجأة سمعت صوتًا خلفها.
كان عمر.
وقف بجوارها بصمت.
ثم قال:
“بردانة؟”
هزت رأسها بالنفي.
وبقي الصمت بينهما للحظات.
ثم سألته:
“ليه راقبتني سبع سنين؟”
تجمد.
كان يعلم أن هذا السؤال سيأتي يومًا.
قالت مرة أخرى:
“عاوزة الحقيقة.”
نظر إلى النهر.
ثم قال:
“لأنني وقعت في حبك.”
توقفت أنفاسها.
شعرت وكأن الزمن توقف.
التفتت نحوه ببطء.
“إيه؟”
ابتسم ابتسامة حزينة.
“من أول مرة شفتك فيها.”
اتسعت عيناها.
“قبل الحفلة؟”
“نعم.”
“وأنت لم تقل شيئًا؟”
هز رأسه.
“لم أستطع.”
“لماذا؟”
أجاب بهدوء:
“لأن حياتي كانت أخطر من أن أسمح لفتاة مثلك بالدخول إليها.”
ساد الصمت.
ثم أضاف:
“لكنني فشلت.”
شعرت سلمى بقلبها يخفق بقوة.
ولأول مرة…
فهمت لماذا كان ينظر إليها بتلك الطريقة.
ولماذا لم يتزوج طوال تلك السنوات.
ولماذا لم يستطع نسيانها.
لكن قبل أن تنطق بكلمة واحدة…
سمع الجميع صوت إنذار حاد داخل الفيلا.
واندفع رجال الأمن في كل اتجاه.
خرج أحد الحراس راكضًا وهو يصرخ:
“لقيناها!”
تجمد عمر.
وقال بسرعة:
“مين؟”
أجاب الحارس:
“سارة.”
شعرت سلمى بأن قلبها توقف.
أما الحارس فأكمل الجملة التي غيرت كل شيء:
“أختها ما زالت حية… وهي في القاهرة.”
الفصل الخامس: الأخت التي عادت من الموت
لم تستطع سلمى الوقوف.
شعرت بأن ساقيها فقدتا القدرة على حملها.
أمسكت بحافة الطاولة القريبة حتى لا تسقط.
أما عمر فكان أول من استعاد هدوءه.
سأل الحارس بسرعة:
“أين هي؟”
أجاب الرجل:
“في مستشفى خاص شرق القاهرة.”
شهقت سلمى.
“مستشفى؟”
أومأ الحارس.
“وصلت قبل ساعات وهي في حالة سيئة.”
أغلق عمر عينيه للحظة.
وكأنه كان يحاول استيعاب الخبر.
ثم قال:
“جهزوا السيارة.”
—
بعد أقل من ثلاثين دقيقة كانت السيارة تشق طريقها عبر شوارع القاهرة.
لم تتوقف سلمى عن البكاء طوال الطريق.
كانت تحاول تخيل وجه أختها.
لكنها لم تكن تعرف كيف تبدو.
لم ترها يومًا.
لم تعرف حتى بوجودها.
كيف يمكن لإنسان أن يكتشف فجأة أن له أختًا مفقودة منذ سنوات؟
وكيف يمكن أن تكون تلك الأخت ما زالت حية؟
سألت عمر بصوت مرتجف:
“هل تعتقد أنها ستعرفني؟”
نظر إليها.
ثم قال بهدوء:
“الدم يعرف أصحابه.”
—
وصلوا إلى المستشفى.
كان المبنى محاطًا برجال الأمن.
شعرت سلمى بأن الأمر أكبر بكثير مما كانت تتخيل.
صعدوا إلى الطابق الخامس.
ثم توقفوا أمام غرفة مغلقة.
قال الطبيب:
“حالتها مستقرة الآن.”
سألت سلمى:
“هل أستطيع رؤيتها؟”
نظر الطبيب إلى عمر أولًا.
ثم أومأ.
فتح الباب ببطء.
ودخلت.
—
كانت المرأة مستلقية فوق السرير.
شاحبة.
ضعيفة.
لكن ملامحها…
كانت الصدمة.
كأن سلمى تنظر إلى نسخة أكبر منها.
نفس العينين.
نفس الأنف.
نفس شكل الوجه.
تجمدت في مكانها.
وانهمرت الدموع من عينيها.
همست:
“يا الله…”
فتحت المرأة عينيها ببطء.
ونظرت إليها.
ثوانٍ طويلة مرت.
ثم بدأت الدموع تتجمع في عينيها هي الأخرى.
وقالت بصوت مبحوح:
“سلمى؟”
شهقت سلمى.
“أنتِ تعرفين اسمي؟”
ابتسمت المرأة رغم ضعفها.
وقالـت:
“كنت أبحث عنك منذ سنوات.”
—
جلست سلمى بجوار السرير.
وأمسكت يد أختها.
كانت ترتجف.
أما سارة فظلت تنظر إليها وكأنها تخشى أن تختفي.
سألت سلمى:
“فين كنتِ؟”
ساد الصمت.
ثم بدأت سارة تحكي.
حكاية جعلت الجميع يصمت.
حكاية مليئة بالخوف والدموع والسنوات الضائعة.
حكاية فتاة اختُطفت وهي في الثالثة عشرة من عمرها.
ونُقلت بين دول ومدن عديدة.
وحُرمت من عائلتها.
ومن اسمها.
ومن طفولتها.
قالت سارة بصوت متقطع:
“كنت أعيش كل يوم وأنا أحاول ألا أنسى وجوهكم.”
انفجرت سلمى بالبكاء.
أما عمر فكان يقف قرب النافذة بصمت.
يستمع.
ويبدو عليه الغضب أكثر من أي شخص آخر.
—
وبعد ساعات من الحديث…
وصلت الشرطة.
ووصل والدا سلمى.
كانت والدتها أول من دخل الغرفة.
وما إن رأت سارة حتى أطلقت صرخة مزقت القلوب.
ثم ارتمت فوق ابنتها تبكي.
أما الأب…
فبكى لأول مرة أمام الجميع.
بكى كطفل صغير.
كأن السنوات العشر الماضية خرجت دفعة واحدة.
—
في تلك الليلة.
وقفت سلمى في شرفة المستشفى.
وكان عمر يقف بجوارها.
قالت بهدوء:
“شكراً.”
نظر إليها.
“على ماذا؟”
“لأنك أنقذتها.”
هز رأسه.
“لم أفعل.”
“بل فعلت.”
ابتسم ابتسامة خفيفة.
ثم قال:
“هناك شيء لم أخبرك به.”
شعرت بأن قلبها انقبض.
“ماذا؟”
نظر إليها مباشرة.
وقال:
“سارة ليست السبب الوحيد الذي جعلني أبحث طوال هذه السنوات.”
تسارعت نبضات قلبها.
كانت تعرف ما سيقوله.
لكنه أكمل قبل أن تتحدث.
“كنت أبحث عنك أنتِ أيضًا.”
ساد الصمت.
صمت طويل.
حتى همست سلمى:
“لماذا؟”
اقترب خطوة واحدة فقط.
وقال:
“لأنني لم أنسك يومًا.”
شعرت وكأن العالم توقف حولها.
لكن قبل أن ترد…
رن هاتف عمر فجأة.
نظر إلى الشاشة.
ثم اختفى اللون من وجهه.
أجاب فورًا.
استمع لثوانٍ قليلة.
ثم أغلق الهاتف ببطء.
سألته سلمى بقلق:
“في إيه؟”
رفع عينيه نحوها.
وكانت المرة الأولى التي ترى فيها الخوف الحقيقي في عينيه.
ثم قال:
“عصام الكردي هرب.”
وتابع بصوت أخطر:
“والأسوأ من ذلك…”
“عرف مكانك.”
يتبع
