صدفه طارئه حكـايـات أسمـا ×3
الفصل الثالث
ريم صحيت على صوت عصافير.
وده لوحده كان كفيل يخليها تفتكر إنها ماتت.
لأن آخر مرة سمعت فيها صوت عصافير الصبح بدل منبهات المستشفى وصفارات الأجهزة الطبية كانت من شهور. يمكن سنين.
فتحت عينيها ببطء، والسقف الأبيض الناعم فوقها خلّاها تتوتر فورًا.
هي مش في شقتها.
الذاكرة رجعت مرة واحدة.
العربية. سليم الحديدي. المطر. عم رجب. الفيلا.
قعدت بسرعة زيادة، فرجلها وجعتها فورًا. — آآه…
بصّت حواليها بتوتر خفيف. الأوضة هادية جدًا. الستارة متسابة نص فتحة، ونور الصبح داخل ناعم على الأرضية الخشب. ريحة المكان نظيفة بطريقة مريحة، والبطانية الثقيلة فوقها كانت دافية بشكل خلا جسمها يعترض على فكرة إنه يقوم.
لكن عقلها سبق.
الساعة.
دورت بسرعة على موبايلها الميت، وبعدها افتكرت إنه ميت أصلًا. — يا نهار أبيض…
الباب خبط بخفة.
ريم اتشدت تلقائيًا. — أيوه؟
مدام ناهد دخلت بابتسامة هادية وصينية في إيدها. — صباح الخير يا دكتورة.
ريم بصتلها بإحراج: — صباح النور… أنا آسفة جدًا والله على الإزعاج.
— إزعاج إيه يا حبيبتي؟ ده البيت منور.
الجملة البسيطة دي خلت ريم تبتسم غصب عنها.
مدام ناهد حطت الصينية على الترابيزة. — سليم بيه قال تصحي لما ترتاحي. بس تقريبًا حضرتك عندك شيفت النهارده؟
ريم شهقت. — يا نهار إسود! الساعة كام؟
— تسعة إلا ربع.
ريم قامت مرة واحدة. — أنا عندي شيفت عشرة!
نسيِت رجلها. وفي اللحظة اللي وقفت فيها، الألم ضربها بعنف خلّاها تمسك طرف السرير.
مدام ناهد قربت بسرعة. — بالراحة يا بنتي!
ريم ضغطت على أسنانها. — أنا لازم أمشي.
— طب افطري الأول.
— والله لو قعدت دقيقة زيادة هترفد.
مدام ناهد بصتلها بحنان مستغرباه. — معقولة الدنيا عندكم كده؟
ريم ضحكت ضحكة قصيرة وهي بتحاول تلبس الجزمة. — إحنا لو وقعنا في العمليات بيقولولنا قوموا بسرعة علشان الدور طويل.
مدام ناهد هزت راسها بحزن خفيف. — ربنا يقويكم.
في اللحظة دي، الباب اتفتح تاني.
وسليم دخل.
ريم رفعت عينها تلقائيًا… واتجمدت ثانية.
لأنه ماكانش لابس بدلة.
تيشيرت أسود بسيط، وبنطلون رمادي، وساعة في إيده. شكله أهدى بكتير من إمبارح. وأصغر. وأخطر بطريقة غريبة.
سليم بص لها من فوق لتحت. — واضح إنك قررتي تكسري رجلك رسمي.
ريم اتكسفت إنها واقفة متعلقة في السرير. — أنا كويسة.
— الجملة دي بقت كدبة متكررة.
مدام ناهد ابتسمت بخبث صغير. — سيبها لك بقى يا سليم بيه، أنا هنزل أشوف الفطار.
أول ما خرجت، الصمت نزل ثانية.
ريم كانت حاسة بإحراج سخيف. هي فعلًا نامت في بيت راجل غريب مشهور، وصحيت متأخرة، وشكلها كارثي.
قالت بسرعة: — أنا آسفة جدًا على كل اللي حصل. بجد.
سليم سند على الباب بهدوء. — أنتِ قولتيها تقريبًا خمسين مرة.
— أصل الموقف فعلًا…
— غريب؟
— جدًا.
— متفق.
ابتسمت بتوتر، وبعدين قالت: — أنا لازم أمشي.
— هتوصلي إزاي؟
— أوبر.
رفع حاجب. — بالموبايل الميت؟
ريم سكتت.
آه صح.
نسيت.
سليم قرب خطوة، ومد لها موبايله. — اتصلي.
بصت للموبايل كأنه شيء مش مألوف. — لا عادي…
— ريم.
الطريقة اللي قال بيها اسمها خلت اعتراضها يهدى لوحده.
أخدت الموبايل بهدوء وطلبت رقم المستشفى. أول ما حد رد، بدأت تتكلم بسرعة: — أيوه يا دكتورة مها؟ أنا جاية… لا والله ما نمت… يعني نمت بس… الموضوع طويل… لا لا أنا في الطريق…
سليم كان واقف ساكت، يسمع نبرة صوتها وهي بتتكلم مع زميلتها بعفوية كاملة.
مفيش تصنع. مفيش صوت رقيق زيادة. ولا محاولة تبان لطيفة.
بس طبيعية.
وده شيء نادر جدًا في عالمه.
قفلت المكالمة بسرعة ورجعتله الموبايل. — شكرًا.
أخده من غير ما يبعد عينه عنها. — هتوصلك العربية.
— لا بجد مش لازم.
— وأنا بجد مش بسأل.
زفرت بتعب. — أنت متحكم جدًا.
— ده رأي منتشر.
— ومضايقكش؟
— لا.
— ليه؟
— لأن الناس غالبًا بتحب الشخص اللي ياخد القرار عنها… حتى لو بينكروا ده.
ريم ضحكت وهي بتهز راسها. — لا، دي فلسفة رجال الأعمال علشان يبرروا التسلط.
لأول مرة… ضحك فعلًا.
مش ابتسامة خفيفة. ضحكة قصيرة حقيقية.
والصوت فاجأها.
فاجأه هو كمان.
سكت بعدها لحظة كأنه مستغرب نفسه.
ريم بصتله باستغراب صادق: — أنت بتضحك فعلًا؟
— أحيانًا.
— واضح إنها مناسبة قومية.
عينه لمعت بخفة. — ويمكن أنتِ السبب.
الجملة خرجت منه بسهولة غريبة.
لكن أول ما خرجت… الهواء بينهم اتغير.
ريم حسّت بحرارة خفيفة في وشها، فبصت بعيد بسرعة. — أنا… هجهز نفسي وأمشي.
سليم هز راسه. — الإفطار تحت.
— معنديش وقت.
— عندك خمس دقايق.
— لا—
— ريم.
غمضت عينيها باستسلام. — حاضر.
بعد عشر دقايق، كانت قاعدة على ترابيزة طويلة بشكل مبالغ فيه بالنسبة لفطار شخصين.
ريم بصت للأكل بصدمة: — ده فطار ولا مؤتمر جامعة الدول العربية؟
مصطفى كتم ضحكة من بعيد.
وسليم قال بهدوء: — ده الطبيعي هنا.
— الطبيعي عندكم يخوف.
قعدت بحذر، ولسه هتمد إيدها على القهوة… لكن ريحة الأكل ضربت معدتها فجأة.
افتكرت إنها آخر مرة أكلت كانت من أكتر من يوم تقريبًا.
وجسمها افتكر الجوع دفعة واحدة.
إيدها وقفت في النص.
سليم لاحظ.
قال بدون تعليق: — كلي.
والطريقة اللي قالها بيها ماكانتش أمر. كانت أقرب لاهتمام هادي.
وده لخبطها أكتر.
بدأت تاكل بسرعة صغيرة في الأول… وبعدها أسرع. مش شره، لكن جوع حقيقي.
وسليم فضل ساكت.
ماحرجهاش. ماعلقش. مابصلهاش بطريقة تخليها تتوتر.
وده خلاها ترتاح غصب عنها.
بعد دقائق، قالت وهي بتشرب شاي: — البيت هادي أوي.
— ميزة.
— أنا لو قعدت هنا أسبوع هنام أسبوعين ورا بعض.
— تقدري.
بصتله بسرعة. هو قالها بهدوء شديد كأنه عرض طبيعي.
ريم ضحكت بإحراج. — لا شكرًا. أنا بحب شقتي المتهالكة.
— واضح.
— عندنا رفاهية إن السقف مايقعش علينا.
— مستوى طموح معقول.
ابتسمت.
وبعدين، من غير مقدمات، سألها: — ليه طب؟
ريم استغربت السؤال. — إيه؟
— ليه دخلتي طب؟
سكتت لحظة.
الناس عادة بتسألها: “كام مجموعك؟” “أهلك دكاترة؟” “ناوية تخصص إيه؟”
لكن “ليه؟”… دي قليلة.
بصت في كوب الشاي. — ماما كانت ممرضة.
سليم سكت، مستني تكمل.
— ماتت وأنا عندي ستاشر سنة.
الصمت نزل فجأة.
ريم قالت بابتسامة صغيرة حزينة: — كانت بتحب شغلها بشكل غريب. حتى وهي تعبانة كانت تنزل. كنت أوقات أكره المستشفى بسببها… وبعدين بعد ما ماتت بقيت بروح هناك علشان أحس إنها لسه موجودة.
سليم فضل باصصلها.
الكلام خرج منها هادي، بدون دراما، وده خلاه يوجع أكتر.
سأل بهدوء: — ووالدك؟
ضحكت ضحكة خفيفة مالهاش فرح. — موجود بيولوجيًا.
فهم.
بسرعة.
ناس كتير عندها آباء… لكن قليل اللي عندهم “أب”.
قال: — عندك إخوات؟
— أخت صغيرة في تجارة. وأنا بصرف عليها.
الكلمة خبطته بطريقة غريبة.
طبيبة امتياز. شيفتات قاتلة. شقة متواضعة. أب شبه غايب. وأخت مسؤولة منها.
وفوق ده كله… كانت لسه قادرة تضحك.
قال بدون تفكير: — أنتِ قوية.
ريم رفعت عينها فيه باستغراب. — دي أول مرة حد يقولها كأنها مش مجاملة.
— لأنها مش مجاملة.
الصمت طال ثانية.
وفجأة موبايل سليم رن.
الاسم اللي ظهر خلا ملامحه تتقفل فورًا: “نادين”.
ريم لاحظت التغيير اللحظي.
رد ببرود: — صباح الخير.
صوت بنت ناعم طلع من السماعة: — حبيبي أنت فين؟ باباك قالب الدنيا عليك.
“حبيبي.”
الكلمة ضربت ريم في حتة سخيفة جواها. وهي نفسها اتضايقت إنها اتضايقت.
سليم قال: — عندي شغل.
— الساعة تسعة الصبح؟ أنت نمت أصلًا؟
— نادين، عندك حاجة مهمة؟
البنت سكتت لحظة، وبعدين قالت بدلع واضح: — وحشتني.
سليم ما ردش.
ريم بصت في طبقها بسرعة كأنها مش موجودة.
نادين كملت: — هتيجي العشا النهارده؟
— مش عارف.
— سليم، مينفعش تفضل تتعامل كده مع فكرة جوازنا.
الكلمة خلت ريم ترفع عينها غصب عنها.
جواز؟
سليم لمح نظرتها في نفس اللحظة تقريبًا.
قال ببرود أشد: — هكلمك بعدين.
وقفل المكالمة.
الجو اتغير.
ريم حطت الكوباية بهدوء. — أنا لازم أمشي فعلًا.
سليم بص لها. — العربية جاهزة.
وقفت بسرعة أكبر من اللازم كأنها بتحاول تهرب من الإحساس الغريب اللي دخلها.
ليه يفرق أصلًا إذا كان هيتجوز؟
هي بالكاد تعرفه.
لكن في حاجة جواها اتقفلت أول ما سمعت الكلمة.
وسليم… لاحظ.
لاحظ إنها بعد المكالمة بقت أهدى بزيادة. رسميّة أكتر. بتبص بعيد أكتر.
وده ضايقه بشكل غير منطقي.
وصلها لحد باب الفيلا بنفسه.
المطر كان وقف، والهوا الصبح بارد ومنعش.
قبل ما تركب العربية، قالت: — شكرًا على كل حاجة فعلًا.
— قولتيها كتير.
ابتسمت بخفة. — آخر مرة.
هز راسه. — مش مصدق.
ضحكت.
وبعدين سكتت لحظة قبل ما تقول: — أنا هرجعلك هدوم النوم… أقصد البطانية… يعني—
سليم قاطعها بهدوء: — احتفظي بيهم.
— لا طبعًا.
— يا ريم… دي بطانية مش عقد شراكة.
ضحكت غصب عنها. — حاضر.
لحظة صمت عدت بينهم.
وفيها حاجة اتقالت من غير كلام.
حاجة لسه صغيرة جدًا… لكن موجودة.
ركبت العربية.
وقبل ما الباب يتقفل، سليم قال: — خدي بالك من رجلك.
ريم بصتله. — وإنت خليك ألطف شوية مع نفسك.
الجملة فاجأته.
لكن قبل ما يرد… الباب اتقفل.
والعربية اتحركت.
وسليم فضل واقف مكانه يبص وراها.
لحد ما اختفت.
مدام ناهد كانت واقفة بعيد تراقبه، وابتسامة صغيرة على وشها.
قالت: — هتشرب قهوتك قبل ما تبرد؟
سليم رد بدون ما يبصلها: — بردت خلاص.
لكن مش القهوة اللي كان يقصدها.
في مستشفى السلام الدولي…
ريم دخلت جري وسط الزحمة المعتادة. ممرضين. صوت أجهزة. ريحة مطهر. ناس بتجري في كل اتجاه.
وفور ما دخلت الاستراحة، دكتورة مها بصتلها بصدمة. — يا بنتي إنتِ كنتِ فين؟!
ريم حطت شنطتها بسرعة. — قصة طويلة.
مها ضيقت عينيها. — طويلة إزاي؟ شكلك نمتي في فندق سبع نجوم.
ريم افتكرت السرير الدافي والفيلا وسليم واقف عند الباب… فاتلخبطت.
— يعني… حاجة شبه كده.
في اللحظة دي، ممرض دخل بسرعة: — دكتورة ريم! أوضة ٣٢ محتاجينك حالًا.
ريم اتحركت فورًا.
وبمجرد ما دخلت أوضة المريض… شافت رجل كبير في السن بيتنفس بالعافية، وبنته واقفة تعيط.
كل حاجة جواها رجعت لمكانها الطبيعي فورًا.
التعب اختفى. الارتباك اختفى. حتى سليم اختفى للحظة.
بقت دكتورة تاني.
وده كان الشيء الوحيد اللي كانت متأكدة منه تمامًا.
لكن بعد ساعتين…
لما خرجت من الأوضة أخيرًا، لقت ممرض صغير بيجري ناحيتها. — دكتورة ريم؟
— أيوه؟
— في حد باعت لحضرتك ده.
ناولها كيس صغير أنيق.
ريم فتحت باستغراب.
وفي الداخل…
موبايل جديد.
نفس نوع موبايلها القديم تقريبًا… لكن أحدث.
ومعه ورقة صغيرة.
“علشان ما تركبيش عربية غلط تاني. — س”
ريم فضلت باصة للورقة ثواني طويلة…
وقلبها، للمرة الأولى من وقت طويل جدًا، ابتدى يصحى من التعب.
يتبع
