عروستي حكـايـات أسمـا ×4

الفصل الخامس

 

ظل الهاتف يرن.

 

مرة.

 

مرتين.

 

ثلاث مرات.

 

وياسمين واقفة مكانها تنظر إلى اسم خالها سامح على الشاشة.

 

وفي الخارج…

 

كان الرجل يقف بجوار سيارته السوداء وينظر ناحية المنزل وكأنه يعرف بالضبط أين تقف.

 

أمينة همست بخوف:

 

ـ ما ترديش.

 

لكن ياسمين كانت قد وصلت لمرحلة لم يعد الخوف فيها هو الشعور الأقوى.

 

الغضب.

 

الصدمة.

 

الرغبة في معرفة الحقيقة.

 

كلهم كانوا أقوى بكثير.

 

ضغطت زر الرد.

 

رفعت الهاتف إلى أذنها.

 

وجاءها صوت سامح هادئًا كعادته:

 

ـ صباح الخير يا بنتي.

 

ذلك الصوت الذي كانت تسمعه منذ طفولتها.

 

الصوت الذي كانت تشعر معه بالأمان.

 

صار الآن يجعل قلبها ينقبض.

 

قالت بهدوء:

 

ـ إزيك يا خالي؟

 

ابتسم سامح في الخارج.

 

كانت تراه من خلف الستارة.

 

ـ كويسة؟

 

ـ الحمد لله.

 

ـ سمعت إن الليلة اللي فاتت كانت صعبة.

 

ـ فعلًا.

 

سكت لحظة.

 

ثم قال:

 

ـ ومش كل حاجة بتتسمع تتصدق.

 

شعرت بقشعريرة.

 

هو يعرف.

 

يعرف أنها سمعت شيئًا.

 

ويعرف أنها اكتشفت شيئًا.

 

قالت:

 

ـ تقصد إيه؟

 

ـ أقصد إن في ناس بتحاول تزرع أفكار غلط في دماغك.

 

أمينة أمسكت ذراع ياسمين بقوة.

 

لكن ياسمين لم تتكلم.

 

فأكمل سامح:

 

ـ أنا تحت البيت.

 

تعالي نتكلم.

 

وشعرت ياسمين أن هناك فخًا.

 

فقالت:

 

ـ معلش يا خالي. عندي مشوار.

 

جاء الرد سريعًا:

 

ـ بلاش تعندي.

 

ثم صمت.

 

قبل أن يضيف:

 

ـ خصوصًا لما تكون الفلاشة لسه معاكي.

 

تجمدت.

 

أمينة شهقت.

 

أما ياسمين فشعرت أن قلبها هبط داخل صدرها.

 

كيف عرف؟

 

كيف عرف بوجود الفلاشة؟

 

وكيف عرف أنها وصلت إليها؟

 

أغلق سامح المكالمة.

 

وبعد ثوانٍ تحركت السيارة ببطء وغادرت.

 

لكن الرسالة وصلت.

 

هو يراقبها.

 

ويعرف خطواتها.

 

وربما يعرف أكثر مما تتخيل.

 

—

 

بعد ساعة.

 

عادت ياسمين مع عمر والمستشار فؤاد إلى المكتب.

 

قصت عليهم كل ما حدث.

 

ولأول مرة ظهر القلق الحقيقي على وجه فؤاد.

 

قال:

 

ـ ده معناه إن عنده ناس بتراقب كل حاجة.

 

عمر ضرب الطاولة.

 

ـ يبقى نبلغ الشرطة.

 

لكن فؤاد هز رأسه.

 

ـ ومعانا إيه؟

 

تسجيل ناقص.

 

وشكوك قديمة.

 

مفيش دليل قانوني كامل.

 

قالت ياسمين:

 

ـ يبقى نجمع الأدلة.

 

نظر لها فؤاد.

 

ثم ابتسم لأول مرة.

 

ـ دلوقتي بقيتي شبه أبوكي.

 

—

 

في مساء اليوم نفسه.

 

بدأوا مراجعة ملفات الشركات.

 

ملف وراء ملف.

 

شركة وراء شركة.

 

وتدريجيًا…

 

بدأت الصورة تتكشف.

 

كان هناك تحويلات مالية غريبة.

 

عقود وهمية.

 

مشاريع خاسرة تم ضخ ملايين فيها.

 

وحسابات مرتبطة بأسماء رجال أعمال مجهولين.

 

لكن الاسم الذي تكرر أكثر من أي اسم آخر كان:

 

سامح الشاذلي.

 

خالها.

 

في كل مكان.

 

في كل عقد.

 

في كل عملية مالية مشبوهة.

 

وكأنه كان يمد يده داخل إمبراطورية والدها منذ سنوات.

 

قال عمر:

 

ـ الحيوان ده كان بينهبنا.

 

لكن فؤاد ظل صامتًا.

 

وكأنه يفكر في شيء آخر.

 

ثم قال فجأة:

 

ـ لا.

 

نظروا إليه.

 

ـ لا إيه؟

 

ـ سامح سرق فلوس كتير فعلًا.

 

لكن الأرقام دي ما تفسرش حاجة مهمة.

 

ـ إيه هي؟

 

فتح ملفًا قديمًا.

 

ثم وضعه أمام ياسمين.

 

ـ دي كشوف حسابات والدك قبل الوفاة بشهر.

 

بدأت تقلب الصفحات.

 

ثم توقفت.

 

لأن هناك مبلغًا ضخمًا جدًا.

 

خمسة وعشرون مليون جنيه.

 

اختفى من الحساب مرة واحدة.

 

قالت:

 

ـ الفلوس دي راحت فين؟

 

تنهد فؤاد.

 

ـ دي المشكلة.

 

اختفت.

 

كأنها تبخرت.

 

لا شركة استلمتها.

 

ولا حساب معروف.

 

ولا مشروع.

 

اختفت تمامًا.

 

وفجأة…

 

رن هاتف المكتب.

 

ردت السكرتيرة.

 

ثم دخلت بعد لحظات ووجهها شاحب.

 

ـ أستاذ فؤاد…

 

في حد برة مصر يطلب الآنسة ياسمين.

 

نظروا لبعضهم.

 

ـ مين؟

 

ـ بيقول إن اسمه يوسف محمود الشاذلي.

 

تجمدت ياسمين.

 

سقط القلم من يدها.

 

عمر وقف فجأة.

 

أما فؤاد فبدا وكأنه رأى شبحًا.

 

قالت ياسمين بصوت مرتعش:

 

ـ يوسف؟

 

ـ أيوة.

 

يوسف محمود الشاذلي.

 

اسم أخوها.

 

أخوها الأكبر.

 

الرجل الذي أعلنت العائلة كلها موته قبل سبع سنوات في حادث غامض أثناء سفره للخارج.

 

الرجل الذي أقيمت له جنازة.

 

وبكت عليه العائلة.

 

وزارت قبره.

 

والآن…

 

شخص يحمل اسمه يتصل من الخارج.

 

همست ياسمين:

 

ـ مستحيل.

 

لكن السكرتيرة أكدت:

 

ـ بيقول إن الموضوع متعلق بوفاة والدك.

 

شعرت ياسمين أن أنفاسها تتسارع.

 

وقال فؤاد فجأة:

 

ـ دخلي المكالمة حالًا.

 

تم تحويل الخط.

 

وجاء صوت رجل عميق ومتعب.

 

ـ ياسمين؟

 

تجمدت في مكانها.

 

كانت تعرف ذلك الصوت.

 

رغم مرور السنوات.

 

ـ يوسف؟

 

ساد صمت طويل.

 

ثم جاء الرد:

 

ـ أيوه يا أختي.

 

أنا عايش.

 

وانفجرت دموع ياسمين.

 

لكن الصدمة لم تنتهِ.

 

لأن يوسف أكمل:

 

ـ واسمعيني كويس.

 

أبوك ما ماتش بسبب المرض.

 

وأنا عندي الدليل.

 

ارتجفت يداها.

 

ثم سمعت الجملة التي غيرت كل شيء:

 

ـ وأنا هارجع مصر خلال 48 ساعة.

 

لكن قبل ما أوصل…

 

لازم تعرفي إن سامح عرف إني عايش.

 

وعرف إني راجع.

 

وساعتها…

 

هيحاول يقتلني للمرة التانية.

 

وانقطع الخط فجأة.

 

لتبدأ أخطر مرحلة في القصة كلها.

الفصل السادس

 

ظل الجميع ينظر إلى الهاتف بعد انقطاع المكالمة.

 

وكأن أحدًا لا يريد تصديق ما سمعه.

 

أول من تكلم كان عمر.

 

ـ مستحيل.

 

ياسمين كانت تبكي.

 

لكنها لم تكن دموع حزن.

 

كانت دموع صدمة.

 

لأنها سمعت صوت يوسف.

 

أخوها.

 

الشخص الذي دفنوه منذ سبع سنوات.

 

الشخص الذي وقفت بنفسها أمام قبره.

 

الشخص الذي بكت عليه حتى كادت تموت من القهر.

 

همست:

 

ـ كان يوسف…

 

والله كان يوسف.

 

المستشار فؤاد جلس ببطء على كرسيه.

 

ولأول مرة منذ عرفوه…

 

بدا عليه الارتباك.

 

ـ لو يوسف عايش فعلًا…

 

يبقى في حاجات كتير لازم تتراجع من أول وجديد.

 

عمر التفت إليه.

 

ـ زي إيه؟

 

نظر فؤاد إلى ياسمين.

 

ثم قال:

 

ـ لأن الحادث اللي مات فيه يوسف وقتها كان فيه حاجات غريبة.

 

اتسعت عيناها.

 

ـ إزاي؟

 

ـ العربية اتحرقت بالكامل.

 

والجثة كانت مشوهة جدًا.

 

لدرجة إن التعرف عليها تم عن طريق متعلقات شخصية فقط.

 

ساد الصمت.

 

ثم أضاف:

 

ـ وقتها محدش شك.

 

كلنا كنا مصدقين.

 

لكن لو يوسف عايش…

 

يبقى اللي مات في العربية كان شخص تاني.

 

شعرت ياسمين بقشعريرة.

 

لأن ذلك يعني شيئًا واحدًا.

 

أن أخاها اختفى عمدًا.

 

أو أُجبر على الاختفاء.

 

وفي الحالتين…

 

هناك سر ضخم لم تعرفه العائلة أبدًا.

 

—

 

في نفس الوقت…

 

داخل فيلا سامح الشاذلي.

 

كان الرجل يجلس في مكتبه الضخم.

 

أمامه شاشة تعرض تسجيلًا من كاميرا مراقبة.

 

ظهر فيه منزل أمينة.

 

ثم ظهور ياسمين.

 

ثم دخولها.

 

ثم خروجها.

 

أغلق الشاشة.

 

وأخذ نفسًا عميقًا.

 

جلس أمامه رجل ضخم يرتدي بدلة سوداء.

 

قال:

 

ـ نعمل إيه؟

 

رفع سامح عينيه.

 

وكانت باردة بشكل مخيف.

 

ـ يوسف غلط إنه اتصل.

 

ـ يعني؟

 

ـ يعني بقى لازم يختفي قبل ما يوصل مصر.

 

سكت الرجل.

 

ثم قال:

 

ـ ولو وصل؟

 

سامح ابتسم.

 

ابتسامة جعلت الرجل نفسه يتوتر.

 

ـ يبقى هنرجعه القبر اللي خرج منه.

 

—

 

بعد منتصف الليل.

 

كانت ياسمين في منزلها.

 

أول مرة تعود إليه منذ ليلة الفرح.

 

البيت كان هادئًا.

 

لكن الذكريات فيه كانت كثيرة.

 

صور والدها.

 

صوت ضحكاته القديمة.

 

تفاصيل طفولتها.

 

كل شيء حولها كان يذكرها بشخص واحد.

 

محمود الشاذلي.

 

الرجل الذي بدأت تشك أنه قُتل.

 

جلست في مكتبه الخاص.

 

وأمامها عشرات الملفات.

 

لكن شيئًا لفت انتباهها.

 

درج صغير في المكتب.

 

كانت تعرفه جيدًا.

 

أبوها كان يمنع الجميع من لمسه.

 

فتحت الدرج.

 

فوجدت شيئًا غريبًا.

 

مفتاحًا معدنيًا قديمًا.

 

ومعه ورقة صغيرة.

 

مكتوب عليها بخط والدها:

 

“إذا وصلتِ إلى هنا…

 

ابحثي عن الصندوق رقم 17.”

 

عقدت حاجبيها.

 

صندوق 17؟

 

أي صندوق؟

 

وفي أي مكان؟

 

قلبت الورقة.

 

فوجدت عنوانًا.

 

أحد البنوك القديمة في وسط القاهرة.

 

شعرت بأنفاسها تتسارع.

 

واتصلت فورًا بفؤاد.

 

رد بسرعة.

 

ـ خير؟

 

ـ بابا كان عنده صندوق أمانات؟

 

ساد الصمت.

 

ثم قال:

 

ـ نعم.

 

بس أنا ما كنتش أعرف رقمه.

 

رفعت الورقة.

 

ـ لقيته.

 

الصندوق رقم 17.

 

وجاءها رد فؤاد فورًا:

 

ـ لازم نروحه بكرة الصبح.

 

—

 

في اليوم التالي.

 

وصلت ياسمين وعمر وفؤاد إلى البنك.

 

المبنى كان قديمًا.

 

لكنه ما زال يعمل.

 

بعد مراجعة الأوراق.

 

تم فتح غرفة الأمانات.

 

أعطاهم الموظف صندوقًا معدنيًا صغيرًا.

 

رقم 17.

 

شعرت ياسمين أن قلبها يدق بقوة.

 

وضعت المفتاح.

 

وأدارته.

 

فتح الصندوق.

 

ثم تجمدت.

 

داخل الصندوق كانت هناك أشياء كثيرة.

 

ملفات.

 

صور.

 

أقراص تخزين.

 

ومسدس صغير.

 

لكن الشيء الذي جعل الدم يتجمد في عروقها…

 

كان صورة قديمة جدًا.

 

صورة عائلية.

 

فيها والدها.

 

ووالدتها.

 

وهي.

 

وعمر.

 

ويوسف.

 

وسارة.

 

لكن خلف الصورة كان مكتوب بخط والدها:

 

“إذا رأيتِ هذه الصورة…

 

فاعلمي أن أحد الأشخاص الموجودين فيها ليس من العائلة.”

 

شهقت ياسمين.

 

وتجمد عمر.

 

أما فؤاد فاختطف الصورة بسرعة.

 

وأعاد قراءتها.

 

مرة.

 

ثم مرتين.

 

ثم قال:

 

ـ مستحيل…

 

التفتت ياسمين نحوه.

 

ـ إيه؟

 

نظر إليها بوجه شاحب.

 

وقال:

 

ـ والدك كان يقصد شخصًا محددًا.

 

ـ مين؟

 

أشار إلى الصورة.

 

إلى وجه واحد فقط.

 

وفي اللحظة التي رأت فيها ياسمين الإصبع يشير إليه…

 

شعرت أن العالم كله انهار من حولها.

 

لأن الشخص الذي أشار إليه فؤاد لم يكن سارة.

 

ولم يكن يوسف.

 

ولم يكن عمر.

 

بل…

 

كانت أمها.

 

نهاية الفصل السادس

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *