عروسه ايجار حكـايـات أسمـا ×3

الفصل الرابع: الحقيقة التي لا يريدها أحد

سقطت الصورة من يد ياسمين.

لم تعد تسمع شيئًا حولها.

لا أصوات الأجهزة داخل المستشفى.

ولا خطوات الممرضين.

ولا حتى أنفاس سليمان الواقف بجوارها.

كانت تحدق فقط في الكلمات المكتوبة خلف الصورة:

“ابنتنا الصغيرة… ياسمين.”

ارتجفت أصابعها.

ثم رفعت الصورة مرة أخرى.

الشابة الموجودة فيها كانت أمها.

هدى السيوفي.

أما الرجل الذي يقف بجوارها…

فكان والد سليمان الحديدي.

الراحل فؤاد الحديدي.

همست:

— لا…

وتراجعت خطوة للخلف.

— لا… أكيد فيه غلط.

أخذ سليمان الصورة منها بسرعة.

ثم بدأ يقلب باقي الأوراق.

كلما قرأ ورقة ازداد وجهه شحوبًا.

عقود.

رسائل.

صور.

وتقارير قديمة.

ثم ظهر خطاب مختوم بتاريخ يعود إلى ستة وعشرين عامًا.

فتح سليمان الظرف.

وبدأ يقرأ.

وفجأة تجمد مكانه.

قالت ياسمين بصوت مرتعش:

— مكتوب إيه؟

رفع رأسه ببطء.

وعيناه مليئتان بالذهول.

— الخطاب مكتوب بخط أبويا.

ساد الصمت.

ثم أكمل القراءة بصوت مرتجف:

“إذا وصل هذا الخطاب إلى ابنتي يومًا ما، فأعلمي أنني حاولت حمايتك بكل الطرق. لكن نفوذ عائلة الحديدي لم يكن كافيًا أمام ما حدث. تم إجبار والدتك على الرحيل حفاظًا على حياتكما. وإذا كنتِ تقرئين هذه الكلمات الآن، فهذا يعني أن الحقيقة خرجت أخيرًا للنور…”

شعرت ياسمين أن قدميها لم تعودا تحملانها.

جلست على أقرب مقعد.

بينما أكمل سليمان:

“ياسمين ليست ابنة هدى وحدها… بل ابنتي أيضًا.”

توقف العالم.

تمامًا.

مرت ثوانٍ طويلة دون أن يتكلم أحد.

ثم قالت ياسمين بصوت يكاد لا يُسمع:

— يعني…

لم تستطع إكمال الجملة.

لكن سليمان فهمها.

وأغمض عينيه.

— يعني… إحنا مش ممكن نكون متجوزين أصلًا.

انهمرت دموع ياسمين فجأة.

ليس لأنها فقدت زواجًا مؤقتًا.

بل لأنها فقدت شيئًا لم تعترف به حتى لنفسها.

خلال الأسابيع الماضية…

بدأت تحب سليمان.

بهدوء.

وبدون أن تشعر.

أما هو فكان يشعر بالألم نفسه.

لأن قلبه كان قد اختارها بالفعل.

لكن الأوراق أمامهما كانت تقول إنهما أخ وأخت.

في نفس الوقت…

داخل قصر الحديدي.

كانت ناهد الحديدي تجلس في مكتبها عندما دخل أحد رجالها مسرعًا.

— مدام ناهد…

— خير؟

— الملف ظهر.

تجمدت.

— إيه؟

— الملف اللي اختفى من خمسة وعشرين سنة.

شحب وجهها.

— مستحيل.

— للأسف وصل لياسمين.

سقط الكوب من يد ناهد.

وتناثر الزجاج فوق الأرض.

لأنها عرفت أن النهاية اقتربت.

السر الذي دفنت من أجله أشخاصًا.

ودفعت أموالًا.

وأخفت أدلة.

بدأ يخرج إلى النور.

بعد ساعات.

استعادت هدى السيوفي وعيها داخل غرفة العناية.

دخلت ياسمين وحدها.

كانت عيناها متورمتين من البكاء.

اقتربت من السرير.

ثم وضعت الصورة أمام أمها.

وفور أن رأتها هدى…

أغلقت عينيها.

كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ سنوات.

قالت ياسمين بصوت مكسور:

— قوليلي إن ده كذب.

لم تجب هدى.

— قوليلي إن فؤاد الحديدي مش أبويا.

بدأت دموع الأم تنزل ببطء.

ثم همست:

— سامحيني.

شعرت ياسمين أن قلبها تحطم.

— يعني حقيقي؟

أومأت هدى برأسها.

وانفجرت بالبكاء.

لكن بعد دقائق قليلة…

قالت هدى جملة قلبت كل شيء من جديد.

قالت:

— فؤاد الحديدي أبوكي فعلًا…

لكن سليمان مش ابن فؤاد.

رفعت ياسمين رأسها بصدمة.

— إيه؟

دخل سليمان في تلك اللحظة.

وسمع الجملة الأخيرة.

تجمد مكانه.

ثم قال:

— يعني إيه؟

نظرت هدى إليه.

ثم قالت:

— لأن أمك يا سليمان…

كانت حامل فيك قبل ما تتجوز فؤاد الحديدي.

ساد الصمت.

صمت مرعب.

ثم أكملت:

— فؤاد وافق يربيك باسمه عشان يحافظ على سمعة العيلة.

شحب وجه سليمان بالكامل.

— مستحيل.

— الحقيقة دي كانت مدفونة من أكتر من خمسة وثلاثين سنة.

شعر سليمان وكأن الأرض انهارت تحته.

طوال حياته كان يعتقد أنه وريث عائلة الحديدي.

الابن الوحيد لفؤاد الحديدي.

لكن الحقيقة كانت شيئًا آخر تمامًا.

شيئًا أخفته ناهد عن الجميع.

بل وربما عن فؤاد نفسه.

وفي الخارج…

كانت داليا المنصوري تستمع إلى كل شيء عبر هاتف مزروع داخل غرفة المستشفى.

وابتسامة باردة ترتسم على وجهها.

ثم التفتت إلى الرجل الجالس أمامها وقالت:

— دلوقتي جه وقت الضربة الأخيرة.

سألها الرجل:

— تقصدي سليمان؟

ابتسمت.

— لا…

ثم أخرجت صورة قديمة.

صورة لرجل مجهول.

وقالت:

— أبو سليمان الحقيقي.

وفي اللحظة نفسها…

كان ذلك الرجل يهبط من طائرة خاصة في مطار القاهرة.

بعد غياب دام خمسة وثلاثين عامًا.

وعندما رفع رأسه نحو السماء قال:

— أخيرًا… هرجع آخد ابني.

يتبع…

الفصل الأخير: ابن من؟

وصل الخبر إلى سليمان كالصاعقة.

رجل مجهول يدّعي أنه والده الحقيقي.

ملفات قديمة ظهرت فجأة.

أسرار عمرها أكثر من ثلاثين عامًا.

وخيانة دفنتها العائلة منذ زمن.

لكن هذه المرة لم يهرب سليمان.

طوال حياته كان يهرب من الحقيقة.

من زواجه المفروض.

من والدته.

من القصر.

من الذكريات.

أما الآن فقد قرر أن يواجه كل شيء.

في صباح اليوم التالي اجتمع الجميع داخل قصر الحديدي.

ناهد الحديدي.

ياسمين.

هدى السيوفي.

داليا المنصوري.

وعدد من المحامين.

دخل الرجل الغامض أخيرًا.

كان في أوائل الستينات.

شعره الرمادي مرتب بعناية.

ووجهه يحمل ملامح مألوفة بشكل غريب.

تجمد سليمان عندما رآه.

لأن عيني الرجل كانتا تشبهان عينيه تمامًا.

قال الرجل بهدوء:

— اسمي عادل الكيلاني.

ثم نظر إلى سليمان.

— وأنا والدك.

ساد الصمت.

لكن سليمان لم يتحرك.

— عندك دليل؟

ابتسم الرجل.

ثم أشار إلى المحامي.

الذي وضع ملفًا ضخمًا على الطاولة.

داخله رسائل قديمة وصور وتحاليل حديثة للحمض النووي.

وبعد ساعات من الفحص والتدقيق…

ظهرت النتيجة النهائية.

عادل الكيلاني هو بالفعل والد سليمان البيولوجي.

أما فؤاد الحديدي…

فلم يكن والده الحقيقي.

أغمض سليمان عينيه.

لم يشعر بالغضب.

بل بالحزن.

لأن الرجل الذي رباه وأحبه كان قد مات منذ سنوات.

وهو الوحيد الذي اعتبره أبًا.

رفع رأسه وقال لعادل:

— ممكن تكون والدي بيولوجيًا.

لكن الأب الحقيقي هو اللي ربى.

وللأسف أنت ضيعت الفرصة دي من زمان.

انخفضت عينا عادل.

ولأول مرة بدا عليه الندم.

ثم جاء دور ناهد الحديدي.

المرأة التي أخفت كل شيء.

واجهها سليمان أمام الجميع.

— ليه؟

لم تجب.

— ليه خبيتي الحقيقة كل السنين دي؟

انهارت أخيرًا.

بعد سنوات من التظاهر بالقوة.

وبكت.

بكت كما لم يبكها أحد من قبل.

اعترفت أنها كانت شابة متهورة.

وقعت في حب عادل الكيلاني.

وحملت بسليمان.

لكن عادل اختفى خارج مصر بسبب مشاكل مالية وقضايا قديمة.

وعندما علم فؤاد بالحقيقة…

تزوجها وأنقذ سمعتها.

وربّى الطفل وكأنه ابنه.

أما هدى السيوفي…

فكانت حب فؤاد الحقيقي.

والمرأة التي أراد الزواج منها.

لكن عائلة الحديدي رفضتها بسبب فقرها.

وعندما حملت بياسمين…

تم إجبارها على الرحيل.

واستخدم النفوذ والمال لإخفاء الأمر.

شعرت ياسمين بالدموع تحرق عينيها.

لأنها أدركت أن والدها لم يتخل عنها بإرادته.

بل حُرم منها.

أما داليا المنصوري…

فكانت نهايتها مختلفة.

بعد اكتشاف أن حادث هدى السيوفي كان مدبرًا.

بدأت الشرطة التحقيق.

وظهرت تسجيلات.

ومكالمات.

وحسابات مالية.

وكلها قادت إلى داليا.

اتضح أنها كانت وراء محاولة قتل هدى.

ووراء تسريب الملفات.

ووراء ابتزاز عدد من موظفي العائلة.

وعندما واجهتها الشرطة…

حاولت الهرب.

لكنها اعتُقلت قبل مغادرة البلاد بساعات.

وانتهى حلمها في السيطرة على مجموعة الحديدي.

إلى الأبد.

مرت ستة أشهر.

تعافت هدى تمامًا بعد العملية.

وسددت ياسمين جميع ديون العائلة.

وأكمل أخوها دراسته.

وعادت هي إلى الطب.

لكن هذه المرة لم تعد طبيبة عادية.

بل أصبحت تدير مركزًا متخصصًا لجراحات القلب بتمويل كامل من مؤسسة الحديدي الخيرية.

المؤسسة التي أسسها سليمان باسم فؤاد الحديدي.

تكريمًا للرجل الذي رباه.

أما العلاقة بين سليمان وياسمين…

فلم تعد عقدًا مؤقتًا.

ولم تعد تمثيلية.

لكنها أيضًا لم تصبح قصة حب مباشرة كما توقع الجميع.

في البداية كان هناك ارتباك.

ثم صداقة.

ثم ثقة.

ثم اكتشاف طويل لكل الأسرار التي فرقت بين عائلتيهما.

وكان كل واحد منهما يعالج جراح سنوات كاملة.

حتى جاء ذلك المساء.

بعد عام كامل من لقائهما الأول في سوق العتبة.

وقف سليمان أمام منصة السمك نفسها.

في نفس المكان الذي هرب إليه يوم خطوبته.

وكان السوق مزدحمًا كعادته.

والباعة يصرخون.

ورائحة البحر تملأ المكان.

أما ياسمين فكانت تضحك وهي تنظر إليه.

— متأكد إن ده المكان المناسب؟

ابتسم.

— أهم مكان في حياتي.

— ليه يعني؟

— لأن هنا بدأت حياتي الحقيقية.

ثم أخرج علبة صغيرة من جيبه.

اتسعت عيناها.

— سليمان…

ركع على ركبة واحدة وسط السوق.

تمامًا أمام الباعة والزبائن والمارة.

وقال:

— أول مرة طلبت منك الجواز كنت هربان.

وكنت بدور على حل لمشكلة.

أما النهاردة…

فأنا بطلب منك الجواز وأنا متأكد إنك أحسن حاجة حصلتلي في حياتي.

سقطت دموع ياسمين.

بينما أكمل:

— لا عقد مؤقت.

ولا صفقة.

ولا اتفاق.

بس قلب بيحبك.

وبيختارك كل يوم.

مد لها الخاتم.

وساد الصمت في السوق كله.

ثم ابتسمت ياسمين وسط دموعها.

وقالت:

— المرة دي هتكلفك أكتر من مليون جنيه في الشهر.

ضحك الجميع.

أما سليمان فهز رأسه وقال:

— موافق.

مدت يدها إليه.

— وأنا موافقة.

وانفجر السوق بالتصفيق والتهليل.

بينما احتضنها سليمان أخيرًا.

وفي تلك اللحظة أدرك أن أغلى شيء وجده في حياته لم يكن المال.

ولا الشركات.

ولا القصور.

بل الفتاة التي قابلها يومًا بين صناديق السمك والمياه العكرة…

فأنقذته من حياة لم يكن يريدها.

ومنحته الحياة التي كان يبحث عنها طوال عمره.

تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *