ليلة العمر حكـايـات أسمـا ×5
الفصل السابع: المواجهة الأخيرة
دوت أصوات الرصاص في أنحاء المزرعة.
اهتزت الجدران.
وتحطم زجاج النوافذ.
بينما اندفع الحراس نحو مواقعهم.
أمسك عمر بيد سلمى بقوة وسحبها خلف أحد الجدران الخرسانية.
صرخ أحد رجال الأمن عبر جهاز الاتصال:
“عددهم كبير!”
ورد آخر:
“دخلوا من البوابة الشمالية!”
كان واضحًا أن الهجوم مخطط له بدقة.
هذه ليست محاولة تخويف.
إنها حرب.
—
في الجهة الأخرى من المزرعة…
ترجل رجل من سيارة سوداء.
كان في أواخر الخمسينيات.
وجهه يحمل آثار سنوات طويلة من القسوة.
عيناه باردتان بشكل مخيف.
وعلى شفتيه ابتسامة صغيرة.
عصام الكردي.
الرجل الذي ظن الجميع أنه مات قبل سبع سنوات.
لكنه عاد.
وأول شيء أراده…
هو سلمى.
—
داخل المكتب قالت سلمى بصوت مرتجف:
“هو عاوز مني إيه؟”
نظر إليها عمر.
ثم قال:
“لأنك آخر دليل ضده.”
“أنا؟”
أومأ.
“أنت الوحيدة اللي تقدر تدمريه.”
قبل أن تسأله كيف…
سمعوا انفجارًا جديدًا.
هذه المرة أقرب.
أقرب بكثير.
حتى اهتزت الأرض تحت أقدامهم.
—
فتح عمر بابًا سريًا خلف المكتبة.
لم تكن سلمى تعرف بوجوده.
قال بسرعة:
“انزلي.”
نظرت إليه بدهشة.
“وأنت؟”
ابتسم ابتسامة هادئة رغم الفوضى.
“هأجي وراك.”
هزت رأسها بعنف.
“لا.”
“سلمى…”
“مش هسيبك.”
كانت المرة الأولى التي تقولها بهذه الصراحة.
نظر إليها لثوانٍ.
وشيء دافئ مر في عينيه.
لكنه قال بحزم:
“لو بتحبيني… انزلي دلوقتي.”
توقفت أنفاسها.
هي نفسها لم تنتبه للكلمة.
لكنها خرجت.
قالها.
بكل وضوح.
تحبيني.
ولم ينكر أنها ربما تحبه.
—
نزلت السلم السري.
لكنها لم تبتعد.
وقفت في منتصف الطريق.
وقلبها يخبرها أن شيئًا سيئًا سيحدث.
وفي الأعلى…
كان عمر يجهز سلاحه.
لأول مرة منذ سنوات طويلة.
يعرف أن هذه الليلة قد تكون الأخيرة.
—
انفتح باب المكتب بعنف.
ودخل عصام الكردي.
تحيط به مجموعة من الرجال المسلحين.
ابتسم عندما رأى عمر.
وقال:
“سبع سنين يا عمر.”
أجاب عمر ببرود:
“وكان المفروض تبقى ميت.”
ضحك عصام.
“وأنت كان المفروض تسلمني البنت.”
اشتعل الغضب داخل عمر.
“مستحيل.”
ابتسم عصام.
“عارف المشكلة فيك إيه؟”
صمت عمر.
فأكمل عصام:
“إنك وقعت في حبها.”
ساد الصمت.
لكن هذه المرة…
لم ينكر عمر.
—
في الأسفل كانت سلمى تستمع.
وقلبها يخفق بقوة.
ثم سمعت عصام يقول:
“عارف إن والدها مش أبوها الحقيقي؟”
تجمد الزمن.
حتى عمر نفسه صمت.
قال عصام بابتسامة خبيثة:
“واضح إنك ماكنتش تعرف.”
شعرت سلمى وكأن الأرض اختفت من تحتها.
ماذا يعني ذلك؟
لكنها لم تحصل على إجابة.
لأن الرصاص انطلق فجأة.
—
تحولت الغرفة إلى ساحة معركة.
تبادل إطلاق النار في كل اتجاه.
سقط عدد من رجال عصام.
وسقط عدد من الحراس.
أما عمر فظل يقاتل حتى آخر طلقة.
حتى أصبح وجهًا لوجه أمام عصام.
رفع كل منهما سلاحه.
في اللحظة نفسها.
وتوقف كل شيء.
ثانية واحدة فقط.
لكنها بدت كأنها ساعة كاملة.
ثم…
انطلقت طلقتان.
—
ركضت سلمى إلى الأعلى.
وقلبها يكاد يتوقف.
وصلت إلى المكتب.
والدخان يملأ المكان.
والجميع ينظر في صمت.
ثم رأت المشهد.
عصام الكردي ملقى على الأرض.
بلا حراك.
أما عمر…
فكان واقفًا.
لكنه يمسك كتفه والدم ينزف بغزارة.
صرخت:
“عمر!”
وركضت نحوه.
قبل أن يسقط بين ذراعيها.
—
بعد ساعات طويلة…
وصلت الشرطة.
وانتهى كل شيء.
تم القبض على بقية أفراد الشبكة.
واستعيدت المستندات.
وأغلقت القضية التي استمرت سنوات.
وأخيرًا…
أصبح الجميع أحرارًا.
—
بعد ثلاثة أشهر…
كانت الشمس تغرب فوق النيل.
وسلمى تقف على الشرفة نفسها التي وقفت عليها منذ سنوات.
لكن هذه المرة لم تكن وحدها.
كان عمر بجوارها.
وقد تعافى من إصابته.
قالت وهي تبتسم:
“لسه عندي سؤال.”
ابتسم.
“إيه هو؟”
“لو رجع الزمن…”
التفت إليها.
“آه؟”
“كنت هتسيبلي المليون جنيه برضه؟”
ضحك لأول مرة منذ فترة طويلة.
ثم أمسك يدها.
وقال:
“لا.”
رفعت حاجبها.
“ليه؟”
اقترب منها.
ثم همس:
“كنت هسيبلك قلبي من الأول.”
احمر وجهها.
ثم ضحكت.
ولأول مرة منذ سبع سنوات…
شعرت أن القدر لم يسرق منها شيئًا.
بل كان يقودها إلى المكان الذي كان من المفترض أن تصل إليه منذ البداية.
الفصل الأخير: الرسالة التي تركها كريم
مرت سنة كاملة.
سنة هادئة لأول مرة منذ زمن طويل.
عادت سارة لتعيش مع عائلتها.
واستعادت والدتها جزءًا من ابتسامتها القديمة.
أما سلمى…
فبدأت أخيرًا تتعلم كيف تعيش دون خوف.
لكن بعض الأسئلة ظلت بلا إجابة.
وأهمها سؤال واحد.
من كان كريم حقًا؟
—
في أحد الأيام.
وصل طرد قديم إلى منزل عمر.
كان الطرد محفوظًا داخل خزنة حكومية طوال سنوات.
ومكتوب عليه:
“يُسلم إلى سلمى عبد الرحمن إذا أُغلقت قضية عصام الكردي نهائيًا.”
ارتجفت يداها عندما رأت الاسم.
اسم كريم.
جلس الجميع في صمت.
بينما فتحت الصندوق.
وفي الداخل…
وجدت ساعة يد.
وصورة قديمة.
وظرفًا مغلقًا.
كانت الرسالة مكتوبة بخط كريم نفسه.
بدأت تقرأ.
“إلى سلمى…
إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة فهذا يعني أنني لم أستطع العودة.
وأعني أيضًا أن عمر نجح في حمايتك كما طلبت منه.
أعرف أنك ربما لا تتذكرينني.
لكن هذا ليس خطأك.
إذا حدث ما أخشاه…
فسيضطر الأطباء إلى محو جزء من ذاكرتك لحمايتك.
لذلك سأكتب لك ما عشته معي.
أحببتك منذ أول يوم رأيتك فيه داخل الجامعة.
كنتِ الفتاة الوحيدة التي جعلتني أصدق أن الحياة تستحق أن تُعاش.
وعندما اكتشفنا أسرار عصام الكردي…
عرفت أن الخطر سيصل إلينا.
لو كنت أملك فرصة واحدة فقط…
لكنت اخترت أن أعيش عمري كله بجوارك.
لكنني اخترت أن أحميك بدلًا من ذلك.
ولا أندم.
إذا كنتِ ما زلتِ حية فهذا وحده يكفيني.
وأريد منك شيئًا واحدًا فقط.
لا تعيشي أسيرة للماضي.
ولا تشعري بالذنب بسببي.
وإذا وجدتِ شخصًا يحبك بصدق…
فلا تتركيه يضيع من يديك كما ضعت أنا.”
توقفت سلمى عن القراءة.
والدموع تغطي وجهها بالكامل.
أما عمر…
فكان ينظر إلى الأرض بصمت.
لأنه كان يعرف محتوى الرسالة منذ سنوات.
لكنه لم يقرأها أبدًا.
احترامًا لصديقه.
—
وفي أسفل الرسالة كانت هناك جملة أخيرة.
جملة جعلت الجميع يصمت.
“بالمناسبة…
إذا كنتِ تقرئين هذا وعمر ما زال أعزب…
فهذا يعني أن الأحمق ما زال يحبك.”
شهقت سلمى.
ثم رفعت رأسها نحو عمر.
أما سارة فانفجرت ضاحكة.
وقالت:
“واضح إن كريم كان فاهم كل حاجة.”
احمر وجه عمر لأول مرة.
بينما ضحكت سلمى وسط دموعها.
—
بعد ستة أشهر…
كان حفل الزفاف يقام على ضفاف النيل.
أضواء هادئة.
وعائلة كاملة اجتمعت بعد سنوات من الألم.
وقفت سارة بجوار شقيقتها.
ووالدتها تبكي من السعادة.
أما عمر…
فلم يرفع عينيه عن سلمى طوال الحفل.
كما لو أنه ما زال غير مصدق أنها أصبحت أخيرًا جزءًا من حياته.
اقترب منها وهمس:
“تفتكري لو ماكنتش سيبت الحقيبة وقتها…”
ابتسمت وهي تمسك يده.
وقالت:
“كنا هنوصل لبعض برضه.”
“متأكدة؟”
“متأكدة.”
“ليه؟”
نظرت إلى النيل.
ثم إليه.
وأجابت:
“لأن بعض الناس بيكونوا قدر.”
—
وفي تلك الليلة…
بينما كانت الألعاب النارية تضيء سماء القاهرة…
وقفت سلمى تتأمل الماء الهادئ.
وتذكرت تلك الفتاة الفقيرة التي استيقظت ذات صباح بجوار حقيبة مليئة بالمال ورسالة غامضة.
لم تكن تعرف وقتها أن المليون جنيه لم يكن ثمنًا لليل٢ة.
ولا هدية من مجهول.
ولا صدفة عابرة.
كان بداية طريق طويل من الأسرار والخسارات والحب.
طريق انتهى بها إلى المكان الذي كان قلبها يبحث عنه طوال الوقت.
وكانت هذه…
بداية حياة جديدة.
تمت.