ياسمين حكايات اسما السيد ×1

تزوجتُ رجل أعمال ملياردير يكبرني ب18 عامًا… لكن في ليلة زفافنا، انفجرت بالبكاء بسبب جملة واحدة همس بها في أذني….كان اسمه سليم الحديدي… رجل أعمال ملياردير في أواخر الثلاثينات من عمره، ورئيس واحدة من أكبر إمبراطوريات العقارات والفنادق في الشرق الأوسط.
الناس كانت تقول إن ثروته بالمليارات، وإن اسم “الحديدي” موجود على أبراج وفنادق من القاهرة ودبي لحد باريس ولندن.أما أنا… فكنت مختلفة تمامًا عنه.
اسمي ياسمين الشاذلي…كان عندي 20 سنة، بنت من عيلة بسيطة في طنطا، وانتقلت للقاهرة علشان أشتغل منسقة حفلات في شركة صغيرة بتنظم المؤتمرات والمناسبات.
عمرنا ما كنا أغنيا.
أمي كانت بتبيع فطير وشاي في كشك صغير جنب موقف الأتوبيسات، وأبويا اشتغل سنين كهربائي لحد ما رجليه مبقتش قادرة تشيله.
كبرت على ريحة القهوة الرخيصة، والعجينة السخنة، والبرد اللي يدخل من باب المحل في الشتا، والزحمة اللي تخليك تحس إنك مجرد وش وسط ألف وش.
أما سليم الحديدي…فعمره ما اتجوز.وماكانش عنده أولاد.
وعاش أغلب حياته لوحده.
وسط مجتمع رجال الأعمال في القاهرة، ده خلى الشائعات حواليه ماتخلصش.ناس تقول إنه بارد ومايعرفش يحب.
وناس تقول إن ست خانته زمان وقفلت قلبه بعدها.
وطبعًا… كان فيه اللي يهمسوا إن راجل بالثراء ده… وبالنفوذ ده… أكيد مخبي حاجة.
قابلته أول مرة في حفل خيري داخل فندق فاخر على النيل.في الليلة دي، ماكنتش ضيفة.
كنت مجرد موظفة بتجري بين الترابيزات وهي ماسكة كشكول، تراجع الورود والكروت وأسماء الضيوف وترتيب القاعة.
دخل سليم الحديدي تحت الثريات الكريستال، لابس بدلة فحمية مفصلة بعناية… وفجأة كل اللي حواليه اتغيروا.
الأصوات هديت.الضهر اتفرد.
والابتسامات بقت محسوبة.
كنت دايمًا فاكرة إن الرجالة اللي زيه قاسيين.
لكن سليم كان مختلف.
هادئ… مهذب… وعنده طريقة في السمع تخليك تحس إن كلامك مهم فعلًا.
ولما وقعت مني كروت الدعوات في الممر… كان هو اللي انحنى وساعدني ألمهم.
ما تضايقش.
ما اتعصبش.
بس ابتسم وقال بهدوء: إنتِ ماكلتيش من الصبح… صح؟
اتجمدت مكاني..لأنه كان عنده حق.
كل اللي شربته يومها كان قهوة سودا وتوتر.
بعد الليلة دي… بدأ يظهر في حياتي بهدوء.
مش بهدايا ضخمة علشان يبهرني.
ولا بعربيات فخمة قدام الناس.كان يتصل وقت الغدا علشان يفكرني آكل.
يبعتلي شوربة سخنة لما يعرف إني شغالة لوقت متأخر.
يسألني عن شغلي الصغير كأنه بنفس أهمية صفقاته بالمليارات.في البداية… كنت خايفة.
إزاي بنت عندها 20 سنة تصدق إن راجل ناجح وقوي ولسه في آخر الثلاثينات يحبها فعلًا؟
الكل حذرني.أمي فضلت تعيط ليلة كاملة.
قالتلي:
ــ يا ياسمين… إنتِ صغيرة أوي. الراجل ده أكبر منك بسنين كتير… وحياته مختلفة عنك تمامًا. لو قلبك اتكسر؟
وأصحابي كانوا أقسى.
ــ ده راجل عاش تجارب أكتر منك بكتير.
ــ أكيد فيه سبب مستخبي يخليه يتجوز بنت عندها عشرين سنة.
وأنا كمان… شكيت في كل حاجة.
لكن سليم عمره ما ضغط عليا.
كل اللي قاله كان:
ــ مش لازم تردي دلوقتي. أنا استنيت راحة قلبي سنين… أقدر أستنى شوية كمان.
الجملة دي لمست حاجة جوا قلبي.
خطوبتنا ماكنتش الاستعراض الضخم اللي الناس توقعته.
اتعمل في فيلا قديمة هادئة على البحر في الإسكندرية، بورود بيضا وضوء عصر دافي… وعدد قليل جدًا من الناس القريبة مننا.ماكانش فيه صحافة.
ولا طوابير عربيات فارهة.
ولا قاعة مليانة ناس بتمثل الاهتمام.
بس صوت الموج… والممر الهادي… وسليم الحديدي واقف مستنيني ببدلته السودة وهيبته الهادية ونظرة دافية في عينيه.
ولما وصلت له… همس:
ــ أنا مش محتاج أبهر حد… كفاية عندي إنك مبسوطة بجد.وصدقته.صدقته فعلًا.
افتكرت إني أخيرًا لقيت مكان آمن أريح فيه قلبي.
ثم جاءت ليلة الزفاف.
الجناح كان داخل قصر قديم في الساحل الشمالي.
الشموع بريحة الفانيليا.
ورود بيضا.
وملايات بلون الكريمة.
وخارج الشباك… البحر ساكت تحت نور القمر.
كنت قاعدة على طرف السرير، وإيديا متشابكة، وقلبي بيدق بسرعة.
ماكانش خوف من اللي الناس بتتخيله بين الزوج وزوجته.
كان خوف أعمق.
في الأوضة الهادية دي… والباب مقفول… والعالم كله بعيد… فرق العمر بينا حسيته لأول مرة بشكل واضح.
أنا عندي 20 سنة.وهو في آخر الثلاثينات.
كنت فاكرة نفسي قوية وناضجة كفاية علشان أدخل الجوازة دي… لكن أول ما بقينا لوحدنا، اكتشفت إن لسه فيه بنت صغيرة جوايا مرعوبة ومش عارفة الخطوة الجاية.
دخل سليم بعدي وهو ماسك كوبايتين كريستال صغيرين.
كان فيهم مشروب دافي بلون العسل، ريحته شبه البابونج والعسل.ناولني واحدة وقال بهدوء:
ــ اشربي دي… هتساعدك تهدي شوية.
بصيت للكوباية.ثم بصيت له.
ولسبب مش فاهماه… حسيت بقشعريرة في ضهري.
يمكن بسبب كلام الناس.
يمكن بسبب فرق السن.
يمكن لأن الأوضة كانت هادية زيادة لدرجة إن صوت دقات قلبي كان مخيف.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وسألته:
ــ وإنت هتشرب؟
بصلي كام ثانية.
ثم هز راسه.
رفع الكوباية وشرب أول رشفة.
وقتها بس… بدأت أرفع كوباية الشاي ناحيتي.
لكن قبل ما أشرب…
حط كوبايتُه على الكومود… وقعد جنبي بهدوء.
إيده غطت إيدي المرتعشة حوالين الكوباية.
ثم مال ناحيتي… وهمس جملة واحدة في ودني.
جملة واحدة بس.
ووقتها انفجرت في العياط فورًا.
قال…. لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
الفصل الأول
قال بصوت واطي جدًا… كأنه خايف الجملة تجرحني حتى وهي خارجة منه:
ــ ياسمين… لو حبيتي تمشي دلوقتي… هفتحلك الباب بنفسي.
وفي اللحظة دي… انفجرت في العياط.
مش لأن الجملة مخيفة. العكس تمامًا.
أنا طول عمري كنت مستنية راجل يطمني… لكنه أول راجل يديني حرية الهروب.
غطيّت وشي بإيديا وأنا ببكي بطريقة محرجة، طفولية، كأني بنت صغيرة تايهة. وهو ما استغربش. ما اتضايقش. ما قالش كلمة تضغط عليا.
بس قعد جنبي بهدوء.
وساب بينا مسافة صغيرة على السرير… كأنه بيأكدلي إن وجوده عمره ما هيكون تهديد.
قال بعد شوية: ــ كل الناس فاكرة إن الراجل القوي هو اللي يفرض نفسه… بس الحقيقة؟ أقوى راجل هو اللي الست تحس معاه بالأمان.
رفعت عيني له وسط دموعي.
كانت أول مرة أشوف التعب الحقيقي في عيني سليم الحديدي.
مش تعب الشغل. ولا ضغط الصفقات. تعب سنين طويلة من الوحدة.
همست: ــ إنت عمرك خوفت؟
ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا. ثم قال: ــ كل يوم.
سكت شوية. وبعدين ضحك بخفة: ــ أول مرة شوفتك فيها كنت مرعوب أكتر منك دلوقتي.
شهقت بذهول: ــ مني أنا؟
ــ آه… لأنك الوحيدة اللي بصتلي كإنسان… مش كبنك متحرك.
الجملة ضربت قلبي بقوة.
أنا فعلًا ما شفتوش كرجل أعمال. كنت بشوف الراجل اللي يفتكر إذا كنت أكلت أو لأ. الراجل اللي يبعث شوربة الساعة اتنين الفجر. الراجل اللي يسمع تفاصيل يومي السخيفة كأنها أهم خبر في العالم.
مسح دموعي بإبهامه بهدوء وقال: ــ الجواز مش سباق يا ياسمين… ومش اختبار لازم تنجحي فيه الليلة. إحنا عندنا العمر كله.
الكلام ده فك العقدة اللي كانت خنقاني.
وفجأة… حسيت قد إيه كنت متوترة بسبب كلام الناس. كل التحذيرات. كل النظرات. كل الهمسات عن فرق السن.
لكن ولا واحد فيهم كان جوه الأوضة معانا دلوقتي.
ولا واحد شاف قد إيه سليم بيتعامل معايا برفق… كأني حاجة غالية يخاف يكسرها.
بعدها فضلنا ساعات بنتكلم.
عن طفولته. عن أول مليون جنيه كسبه. عن الليالي اللي كان ينام فيها على كنبة مكتبه وهو يبني شركته من الصفر. وعن أمه… الست الوحيدة اللي كان بيخاف عليها بجد.
قال وهو باصص للبحر: ــ أمي ماتت وأنا عندي ٢٧ سنة… وبعدها البيت كله بقى فاضي مهما كان مليان ناس.
سألته بهدوء: ــ عشان كده ما اتجوزتش؟
ما ردش فورًا.
لكن الصمت نفسه كان إجابة.
ثم بصلي وقال: ــ أنا اتخطبت مرة.
اتجمدت مكاني.
لأن دي أول مرة أسمع عن الموضوع.
كمل بصوت هادي: ــ قبل حوالي ١٢ سنة… لست من نفس عالمي. كانت بسيطة زيك كده.
قلبي انقبض بدون سبب مفهوم.
ــ وبعدين؟
ابتسم ابتسامة موجوعة: ــ ماتت.
شهقت: ــ إيه؟
خفض عينيه: ــ حادث عربية.
الأوضة كلها سكتت بعدها.
حتى صوت البحر برا حسّيته بعيد.
فهمت فجأة ليه الوحدة ساكنة جواه بالشكل ده. وليه عينيه دايمًا فيها حزن مستخبي مهما ابتسم.
قال: ــ يومها وعدت نفسي إني مش هحب تاني… لأن الفقد بيكسر الإنسان بطريقة تخليه يخاف يعيش نفس الوجع مرتين.
بصلي مباشرة. ولأول مرة صوته اهتز فعلًا: ــ لحد ما شوفتك.
قلبي دق بعنف.
أنا؟ البنت البسيطة اللي جاية من طنطا؟ اللي كانت بتجري بين الترابيزات بكشكول رخيص؟
هو بيقول إن أنا رجعته للحياة؟
نزلت دموعي تاني… لكن المرة دي كانت مختلفة.
مش خوف.
دفا.
قرب مني ببطء شديد… كأنه بيسيبلي فرصة أرفض. لكن أنا اللي قربت المرة دي.
وحطيت راسي على صدره.
سمعت دقات قلبه هادية وثابتة. غريبة… لكنها كانت أكثر مكان حسيت فيه بالأمان طول عمري.
وفي الليلة دي… ما حصلش أي حاجة زي اللي الناس تتخيلها.
ماكانش فيه استعجال. ولا خوف. ولا سيطرة.
بس راجل وامرأة قاعدين جنب بعض لأول مرة… وكل واحد فيهم بيحاول يصدق إن القدر أخيرًا رحمه.
لكن…
أنا ماكنتش أعرف إن السعادة الهادية دي… عمرها ما بتستمر بسهولة.
لأن بعد أقل من ٤٨ ساعة من زفافي على سليم الحديدي…
صحيت على صوت ست بتصرخ باسمي داخل القصر.
ولما فتحت باب الجناح…
اتجمد الدم في عروقي.
لأن الست اللي كانت واقفة تحت في البهو… كانت ماسكة صورة ضخمة لسليم…
ومعاها طفل صغير شبهه بشكل مرعب.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *