ادم المنصوري حكـايـات أسمـا 3
الفصل الثالث — اللي جواه الجناح الشمالي
ريم وقفت قدام باب الجناح الشمالي وهي حاسة إن رجليها اتسمرت في الأرض.
صوت آدم جوا كان واضح.
“أنا جبتها…”
الجملة دي لوحدها كانت كفيلة تخلي قلبها يقع.
جبتها لمين؟
وليه آدم دخل المكان اللي كان بيرتعش منه؟
ريم مدت إيدها على الباب ببطء، لكن قبل ما تلمسه سمعت صوت تاني.
صوت ست.
واطي جدًا.
مبحوح.
“تعالى…”
ريم رجعت خطوة من الرعب.
الصوت ماكانش صوت مدام نوال. ولا أي واحدة من الخدم.
كان صوت غريب. بعيد. كأنه طالع من تسجيل قديم أو من صدر حد مش قادر يتنفس.
ريم بلعت ريقها بصعوبة.
“آدم؟”
أول ما نادت اسمه، النور الخافت اللي جوا الجناح اترعش.
ثم ظهر آدم عند فتحة الباب.
واقف حافي. لابس بيجامته الرمادي. وشه شاحب. وعينه مفتوحة على الآخر.
لكن أغرب حاجة… إنه ماكانش بيبصلها.
كان باصص وراها.
ريم التفتت بسرعة.
الطرقة فاضية.
رجعت بصتله: “أنت بتعمل إيه هنا يا حبيبي؟”
آدم همس: “هي قالتلي أجيبك.”
قلب ريم دق بعنف.
“مين؟”
الطفل رفع صباعه الصغير ناحية جوه الجناح.
“ماما.”
الكلمة وقعت عليها كأن حد سكب مية ساقعة فوق ضهرها.
“آدم… ماما مش هنا.”
وش الطفل اتلوى فجأة كأنه هينفجر في عياط.
“هي هنا. بس بيحبسوها.”
ريم حسّت إن الهوا في الطرقة اختفى.
قربت منه بسرعة، بس من غير ما تفزعه.
ركعت قدامه.
“مين قالك كده؟”
آدم بص ناحية الأوضة المظلمة ووشه اتشد برعب.
“الراجل اللي ريحته دخان.”
ريم ماقدرتش تسأله أكتر.
لأن في اللحظة دي… سمعوا صوت خطوات جاية من بعيد.
خطوات سريعة.
وسليم ظهر في آخر الطرقة.
أول ما شاف ريم وآدم قدام الجناح الشمالي، وشه اتغير تمامًا.
الخوف في عينه سبق غضبه.
“آدم!”
صوته كان عالي بشكل خلّى الطفل ينكمش.
ريم وقفت فورًا قدام آدم من غير ما تفكر.
سليم قرب منهم بعنف: “إزاي دخل هنا؟”
ريم قالت بسرعة: “لقيته هنا. أنا صحيت مالقيتوش في أوضته.”
مدام نوال ظهرت وراه، وشها أبيض.
قالت بصوت مخنوق: “الباب كان مقفول.”
سليم فتح الباب بعنف ودخل الجناح.
ريم لمحت من وراه طرقة طويلة مظلمة، ريحة تراب وعطر قديم خارجة منها.
على الحيطان صور كبيرة متغطية بقماش أبيض.
وفي آخر الجناح… باب أوضة مفتوح سنة.
سليم دخل ثواني، ثم خرج.
وشه كان جامد.
لكن إيده كانت مقبوضة.
قال بحدة: “من النهاردة الباب ده يتقفل بسلسلة. ومفتاحه يبقى معايا أنا بس.”
ثم بص لريم.
“وأنتِ…”
صوته كان قاسي.
“لو شفتِ آدم قريب من هنا تاني، تبلغيني فورًا. ما تدخليش، ما تسأليش، وما تحاولي تفتحي حاجة.”
ريم كانت هترد، لكن آدم مسك إيدها بقوة.
كان بيرتعش.
وسليم شاف.
شاف ابنه مستخبي وراها.
الوجع طلع في عينه لحظة.
ثم اختفى تحت القسوة.
“خدوه أوضته.”
ريم قالت بهدوء: “أنا هخده.”
مدام نوال اتدخلت: “لا. كفاية لحد هنا. البنت دي بدأت تتجاوز حدودها.”
ريم بصتلها: “أنا مش بتجاوز. أنا بحميه.”
الطرقة كلها سكتت.
مدام نوال شهقت كأن الكلمة إهانة.
أما سليم… فبص لريم طويلا.
“بتحميه من إيه؟”
السؤال كان خطير.
ريم حست بده.
لكنها قالت بصدق: “مش عارفة. بس هو خايف من حاجة هنا. مش من خياله.”
سليم قرب منها خطوة.
قريب كفاية إنها تشوف التعب تحت عينه.
“كل اللي في البيت ده اتكلموا عن خيالات لمدة سنتين. دكاترة. مربيات. خدم. وكل مرة الموضوع كان بينتهي بدم أو كسر أو صراخ.”
“يمكن لأن محدش سأله هو شايف إيه.”
صمت.
كلامها أصابه في مكان حساس.
لأنه كان حقيقي.
سليم عاش سنتين يحاول يعالج آدم… لكن يمكن عمره ما قدر يسمعه فعلًا.
آدم شد كم ريم وهمس: “عايز أنام.”
ريم بصت لسليم.
هو ما قالش حاجة.
بس اتحرك من الطريق.
فأخدت آدم ورجعت بيه أوضته.
لكن قبل ما يمشوا… آدم التفت ناحية الجناح الشمالي.
وقال بصوت يكاد لا يُسمع:
“هي زعلانة.”
الصبح جه تقيل.
ريم ما نامتش غير ساعتين.
آدم نام أخيرًا وهو ماسك طرف طرحتها الصغيرة كأنه خايف تصحى وتختفي.
ولما فتحت عينها، لقت سليم واقف عند الشباك.
كانت الشمس داخلة على وشه بنور خفيف، لكنه باين عليه إنه ما نامش برضه.
ريم قامت بسرعة: “حضرتك من إمتى هنا؟”
“من شوية.”
بص لآدم النائم.
“هو نام؟”
“بعد الفجر.”
سليم فضل ساكت.
ثم قال: “امبارح… قال ماما.”
ريم اتوترت.
“أيوه.”
“قالك إيه تاني؟”
كانت عارفة إن الإجابة هتفتح باب كبير.
بس الكتمان مش هيفيد.
قالت بهدوء: “قال إنها هنا. وإن في حد بيحبسها. وقال كمان في راجل ريحته دخان.”
سليم وشه اتجمد.
الجمود ده كان أبلغ من أي صراخ.
ريم لاحظت.
“حضرتك تعرف حد كده؟”
سليم ما ردش.
اتحرك ناحية الباب.
لكن قبل ما يخرج، قال: “آدم كان في العربية وقت الحادث.”
ريم اتجمدت.
“إيه؟”
سليم وقف من غير ما يلتفت.
“كان في المقعد الخلفي. خرجوه فاقد الوعي. لما فاق… ما اتكلمش تاني.”
قلب ريم اتقبض.
“يعني ممكن يكون شاف حاجة.”
سليم لف ناحيتها أخيرًا.
عينه كانت موجوعة بشكل صريح لأول مرة.
“وأنا بخاف أعرف إنه شافني عاجز.”
قالها وخرج.
ريم فضلت مكانها.
لأول مرة… فهمت إن سليم مش بيهرب من الحقيقة عشان قاسي.
هو بيهرب لأن الحقيقة ممكن تكسره.
بعد يومين، بدأت المشاكل.
أولها كان في المطبخ.
آدم رفض ياكل الأكل الفخم اللي الطباخ محضره، وأصر ياكل عيش وجبنة وخيار زي اللي ريم بتعمله لأخوها مالك.
الخدم ضحكوا عليه في السر.
“ابن سليم المنصوري بياكل أكل الغلابة.”
ريم سمعت الجملة وهي داخلة.
وقفت مكانها.
آدم كان قاعد على الكرسي، ماسك الساندويتش بإيديه الصغيرة، ووشه بدأ يحمر.
عينه اتمليت دموع.
واحد من الخدم قال بصوت واطي بس مسموع: “المربية الجديدة هتخليه ينسى مقامه.”
ريم حطت الطبق على الترابيزة بهدوء.
ثم بصت للخادم.
“مقامه؟”
الخادم اتوتر.
“أنا مقصدش.”
“لأ قصدت. بس خليني أشرحلك حاجة. الطفل اللي بياكل وهو مطمن مقامه أعلى من أي حد بياكل وهو خايف.”
المطبخ سكت.
وفي نفس اللحظة… سليم دخل.
واضح إنه سمع آخر جملة.
الخدم وقفوا فورًا.
ريم افتكرت إنه هيوبخها.
لكن سليم بص لآدم.
ثم قال للطباخ: “من النهاردة، أي أكل آدم يطلبه يتعمل. حتى لو عيش وجبنة.”
الخدم اتصدموا.
آدم بص لأبوه بحذر.
سليم قرب من الترابيزة وسحب كرسي.
ولأول مرة… قعد ياكل معاهم.
ريم اتوترت: “أنا ممكن أقوم.”
سليم قال: “اقعدي.”
الكلمة كانت أمر.
بس صوته ماكانش قاسي.
قعدت.
آدم بص بين الاتنين.
ثم مد لأبوه نص الساندويتش.
حركة صغيرة جدًا.
لكن بالنسبة لسليم… كانت كأن ابنه فتحله باب الجنة.
أخد الساندويتش بهدوء.
وقال: “شكرا يا آدم.”
آدم نزل عينه، لكنه ابتسم.
ابتسامة ضعيفة. صغيرة. لكن حقيقية.
ريم شافتها وابتسمت من غير ما تحس.
وسليم شاف ريم وهي بتبتسم.
وللحظة… نسي ياكل.
كان فيه نور غريب في وشها وهي فرحانة بآدم.
نور بسيط. مش متصنع. مش طمعان. مش خايف منه.
نور دخل مكان في قلبه كان مقفول من سنين.
المشكلة التانية كانت أكبر.
بعد الظهر، وصلت للقصر ست أنيقة جدًا.
اسمها “كارما الحديدي”.
قريبة زوجة سليم الراحلة، وواحدة من سيدات المجتمع اللي اسمها بيتقال في المجلات.
دخلت القصر كأنها صاحبته.
كعبها العالي بيخبط الرخام بثقة. عطرها سابقها. وعينها بتفحص كل حاجة باشمئزاز ناعم.
ريم كانت في الصالة بتلعب مع آدم بمكعبات خشب.
أول ما كارما شافتهم، ابتسمت ابتسامة باردة.
“دي المربية الجديدة؟”
مدام نوال قالت: “أيوه يا هانم.”
كارما قربت من آدم.
“حبيبي آدم.”
آدم اتوتر فورًا واستخبى ورا ريم.
كارما ابتسامتها اتشنجت.
“لسه غريب الأطوار زي ما هو.”
ريم رفعت عينها بسرعة.
“هو مش غريب الأطوار. هو طفل.”
كارما بصتلها ببطء.
“وأنتِ مين عشان تصححيلي؟”
قبل ما ريم ترد، سليم دخل من المكتب.
“هي قالت الحقيقة.”
كارما وشها اتغير، لكنها حاولت تضحك.
“سليم… أنا جاية أطمن عليكم.”
“اتطمنيتي.”
الكلمة كانت واضحة.
يعني الزيارة انتهت.
لكن كارما ما استسلمتش.
“أنا كمان كنت عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم. آدم محتاج أم. والبيت ده محتاج ست من مستوانا.”
ريم حسّت بالإهانة المقصودة.
مدام نوال بصت في الأرض.
أما سليم، فبص لكارما بنظرة جليدية.
“آدم محتاج أمان. مش لقب اجتماعي.”
كارما قربت منه وهمست، لكن ريم سمعت: “مش هينفع تفضل متعلق بخدامة صغيرة لأنها عرفت تسكت الولد يومين.”
سليم اتغير وشه.
“كارما.”
نبرة واحدة منه خلتها تتراجع.
“اختاري كلامك كويس. لأنها في بيتي… تحت حمايتي.”
ريم قلبها دق بقوة.
تحت حمايتي.
الكلمة لمستها رغم إنها حاولت تبان جامدة.
كارما ابتسمت بسخرية: “واضح إن البيت ده فعلا محتاج حد يفوقه.”
ثم خرجت.
لكن قبل ما تخرج من الباب، بصت لريم نظرة وعد.
وعد بمشكلة جاية.
في الليل، ريم كانت قاعدة في أوضتها الصغيرة في جناح الخدم.
فتحت موبايلها القديم.
رسالة من أمها:
“مالك تعبان شوية. الدكتور قال لازم ندفع جزء من مقدم العملية خلال أسبوع.”
ريم حست الدنيا ضاقت.
حطت إيدها على وشها.
المرتب الكبير اللي هتاخده مش كفاية للمقدم كله.
كانت بتحاول تفضل قوية طول اليوم. لكن هنا، لوحدها، انهارت.
دموعها نزلت بصمت.
وفجأة… اتخبط الباب.
مسحت دموعها بسرعة.
“مين؟”
صوت سليم جه من برا: “أنا.”
اتجمدت.
فتحت الباب بسرعة وهي بتحاول تخبي عينيها.
“سليم بيه؟”
بص لها. وشاف كل حاجة.
“كنتِ بتعيطي.”
“لا.”
“ريم.”
اسمه على لسانه كان غريب.
دافي أكتر مما ينبغي.
هي نزلت عينها.
“أخويا محتاج عملية. وأنا… مش عارفة ألحق.”
سليم سكت.
ثم قال: “اسم المستشفى؟”
رفعت وشها بسرعة: “لا. حضرتك فهمت غلط. أنا مش بطلب—”
“أنا عارف إنك مش بتطلبي.”
“يبقى متعملش كده.”
هو اتفاجئ.
“ليه؟”
“علشان أنا مش عايزة حد يفتكر إني دخلت البيت ده أستغل حضرتك.”
سليم قرب خطوة.
“وأنا مش حد.”
قلبها اضطرب.
قالها بثقة هادية: “أنا شوفتك وإنتِ بتتحملي ضرب آدم من غير ما تهينيه. شوفتك وإنتِ بتدافعي عنه قدام الخدم. شوفتك وإنتِ بتقعدي جنبه طول الليل. اللي زيك مش بيستغل.”
ريم عينيها لمعت.
“بس برضه…”
“هعتبره سلفة من مرتبك. من غير ما حد يعرف.”
كانت هتعترض.
لكنه أضاف: “أخوك ملوش ذنب في كبرياءنا إحنا الاتنين.”
الجملة كسرتها.
دموعها نزلت رغم عنها.
سليم مد إيده كأنه هيمسح دموعها… ثم وقف.
خاف من نفسه.
خاف يقرب أكتر.
فسحب إيده وقال بهدوء: “ابعتِ بيانات المستشفى لمدام نوال.”
ثم مشي.
لكن ريم وقفت مكانها وقلبها بيدق.
لأنها في اللحظة دي… ما شافتش رجل الأعمال المرعب.
شافت راجل بيعافر علشان مايبانش طيب.
بعد منتصف الليل، آدم صحي مفزوع.
ريم جريت على أوضته.
لقته واقف فوق السرير، بيصرخ: “النار! ماما! العربية!”
سليم دخل بعدها بثواني.
آدم كان في نوبة كاملة.
بيرفس. يصرخ. يشد شعره.
“هو زقها! هو زق العربية!”
الدم اختفى من وش سليم.
ريم قربت بهدوء وهي بتقول: “آدم، بصلي. أنا ريم. أنت في أوضتك. مفيش نار.”
لكن الطفل صرخ: “هو قال لها اسكتي! قال لها لو اتكلمتي…”
سليم مسك حرف السرير بقوة.
“مين يا آدم؟ مين قال؟”
ريم بصت له بتحذير: “مش دلوقتي.”
لكنه كان منهار.
“لازم يقول.”
آدم زاد صريخه.
ريم وقفت قدام سليم: “كفاية! أنت بتخوفه.”
سليم انفجر: “ابني شاف مين قت*ل مراتي وأنا مش عارف!”
الصوت دوّى في الأوضة.
آدم سكت لحظة… ثم بدأ يبكي بصوت موجوع.
مش صراخ. بكاء حقيقي.
ريم التفتت لسليم بغضب: “لو عايز الحقيقة، بلاش تكسر الطفل اللي شايلها.”
الكلمة نزلت عليه كصفعة.
سليم رجع خطوة.
ندم فورًا.
ريم حضنت آدم بحذر.
ولأول مرة… آدم ساب نفسه في حضنها.
فضل يعيط ووشه مدفون في كتفها.
وسليم واقف يتفرج.
عاجز.
غني. قوي. مرعب.
لكن قدام دموع ابنه… كان مجرد أب مكسور.
بعد نص ساعة، آدم نام.
ريم خرجت من الأوضة ووقفت في الطرقة.
سليم كان مستنيها.
قال بصوت منخفض: “أنا آسف.”
ريم كانت لسه متوترة.
“مش أنا اللي محتاجة الاعتذار.”
هز راسه.
“عارف.”
ثم سكت.
وبعد لحظة قال: “أنا مش بعرف أتعامل مع الضعف.”
ريم بصتله.
“الضعف مش إنك تخاف. الضعف إنك تفضل تهرب من خوفك.”
سليم ابتسم ابتسامة حزينة.
“أنتِ دايمًا بتكلميني كأني مش قادر أطردك.”
“تقدر.”
“بس مش هعمل.”
قلبها دق.
سليم كمل بصوت أهدى: “وجودك بقى مهم.”
كانت جملة بسيطة.
لكن نظراته قالت أكتر.
ريم خافت.
مش منه.
من نفسها.
لأنها بدأت تستنى صوته. وتلاحظ دخوله. وتحس بالأمان لما يكون قريب.
وده كان خطر.
هي مربية. وهو صاحب القصر.
بينهم طبقات وفلوس وناس وماضي مرعب.
فقالت بسرعة: “أنا هنا عشان آدم.”
سليم بص لها طويلا.
“وأنا كمان بحاول أقنع نفسي بكده.”
وسابها ومشي.
ريم فضلت واقفة مكانها… وقلبها بيخون عقلها لأول مرة.
الصبح اللي بعده، حصلت المصيبة.
صحيفة إلكترونية نشرت خبر:
“مربية شابة تسيطر على قصر المنصوري… وعلاقة غامضة مع الملياردير الأرمل.”
الصورة كانت لريم وهي شايلة آدم في الجنينة، وسليم واقف قريب منهم.
ريم شافت الخبر على موبايل إحدى الخادمات.
إيديها اتلجت.
الخدم بدأوا يهمسوا. مدام نوال وشها كان متجهم. والأسوأ… إن كارما وصلت القصر بعد ساعة ومعاها نسخة مطبوعة من الخبر.
دخلت مكتب سليم من غير استئذان.
ريم كانت واقفة برا مع آدم، لكنها سمعت صوتها العالي:
“شوفت؟ قلتلك. البنت دي هتدمر سمعتك.”
سليم رد بصوت بارد: “اخفضي صوتك.”
“لا مش هخفضه. اسم مراتك الله يرحمها بيتبهدل بسبب خدامة.”
ريم حسّت كأن حد ضربها.
آدم مسك إيدها.
“خدامة مش وحشة.”
ريم حاولت تبتسم له بس فشلت.
وفجأة الباب اتفتح.
سليم خرج.
وشه كان غاضب بشكل مخيف.
كارما وراه.
“قولها تمشي يا سليم. لو بتحب ابنك فعلًا، أبعدها.”
آدم صرخ فجأة: “لا!”
كلهم اتجمدوا.
الطفل وقف قدام ريم، فاتح إيديه الصغيرين كأنه بيحميها.
“ريم لا تمشي!”
صوته كان واضح. قوي. مليان خوف.
سليم بص لابنه.
ثم بص لريم.
ريم كانت عينها مليانة دموع لكنها ماسكة نفسها.
قالت بصوت منخفض: “يمكن الأفضل أمشي يومين لحد الدنيا تهدى.”
آدم صرخ: “لا!”
سليم اقترب منها بسرعة: “مش هتمشي.”
“بس سمعتك—”
“سمعتي مش أهم من ابني.”
كارما ضحكت بسخرية: “ولا أهم منها؟”
سليم لف لها.
النظرة اللي في عينه خلتها تسكت.
قال ببطء: “من النهاردة، وجودك في بيتي غير مرغوب فيه.”
كارما اتصدمت. “أنت بتطردني؟”
“أيوه.”
“علشانها؟”
سليم سكت لحظة.
ثم قال: “علشان ابني. وعلشان أي حد بيحاول يهين إنسانة تحت سقفي.”
كارما وشها اتحول للغضب.
“هتندم.”
سليم قال ببرود: “اتفضلي.”
خرجت كارما وهي بتغلي.
لكن قبل ما تعدي جنب ريم، همست لها: “فاكرة نفسك سندريلا؟ القصر ده بياكل اللي زيك.”
ريم ما ردتش.
لكن آدم شد إيدها وقال: “أنا مش هسيبك.”
وفي اللحظة دي… سليم سمع الجملة.
وشاف ريم وهي بتنزل لمستوى آدم وتقول: “وأنا مش هسيبك.”
الكلمة دخلت قلبه كأنها عهد.
بعد يومين، آدم بدأ يتحسن بشكل واضح.
بقى يخرج الجنينة. يلعب بالرمل. يرسم.
لكن رسوماته كانت مرعبة.
عربية مقلوبة. نار. ست لابسة فستان أبيض. ورجل طويل ماسك سيجارة.
ريم جمعت الرسومات وخبتها.
وفي المساء، راحت لسليم في المكتب.
كان المكتب ضخم، مليان كتب وملفات، وصورة كبيرة لزوجته الراحلة “ليلى”.
ريم وقفت مترددة.
سليم رفع عينه: “ادخلي.”
حطت الرسومات قدامه.
“آدم بيرسم نفس الراجل كل يوم.”
سليم مسك الورق.
وشه بدأ يتغير مع كل رسمة.
لما وصل لرسمة الراجل والسيجارة، إيده اتشنجت.
ريم قالت: “حضرتك عرفته؟”
سليم سكت طويلًا.
ثم قال: “فؤاد.”
“مين فؤاد؟”
“سواق قديم. كان بيشتغل مع ليلى قبل الحادث. اختفى بعدها.”
ريم حست بقلبها يقع.
“ليه محدش دور عليه؟”
“دورنا. الشرطة قالت هرب خوفًا من التحقيق.”
“أو هرب لأنه عمل حاجة.”
سليم رفع عينه.
كانت مليانة نار.
“أنا فتحت التحقيق تاني من شهر. بس مفيش دليل.”
ريم أشارت للرسومات.
“آدم دليل. بس محتاج وقت.”
سليم بص لها.
“وأنتِ؟ هتفضلي؟”
السؤال طلع أضعف مما توقع.
ريم فهمت إنه مش بيسأل كمربية بس.
كان بيسأل كإنسان اتعود اللي يقرب منه يمشي.
قالت بهدوء: “هفضل لحد ما آدم يبقى بخير.”
سليم سأل بصوت أعمق: “وبعدها؟”
ريم سكتت.
السؤال لمس حاجة خطيرة.
قالت بصعوبة: “بعدها كل واحد يرجع لمكانه.”
سليم ابتسم بمرارة.
“ومكانك فين يا ريم؟”
“مش هنا.”
قام من مكتبه ببطء.
قرب منها.
المسافة بينهم بقت قليلة.
“ومين قالك؟”
ريم نفسها اتلخبط.
“الناس. الدنيا. الفرق اللي بينا.”
“أنا طول عمري عندي كل حاجة الناس بتحلم بيها. ومع ذلك أول مرة البيت ده يبقى فيه حياة كانت يوم ما دخلتيه بشنطة قماش صغيرة.”
عينها لمعت.
“سليم بيه…”
“سليم.”
قالها بهدوء.
“قولي سليم.”
ريم قلبها اتلخبط.
“ماينفعش.”
“ليه؟”
“علشان لو قولته… هنسى حدودي.”
سليم بص في عينيها.
“وأنا تعبت من الحدود.”
كان قربه مربك. وصوته أخطر من أي صراخ.
لكن قبل ما أي كلمة تانية تتقال…
سمعوا صوت صرخة آدم.
جروا الاتنين برا.
لقوه في آخر الطرقة، واقف قدام الجناح الشمالي.
والباب مفتوح.
لكن المرة دي… كان في حاجة مرمية على الأرض قدامه.
علبة معدنية قديمة.
سليم أخدها بسرعة وفتحها.
جواها… فلاشة صغيرة. وخاتم زواج محروق من طرفه. وصورة لليلى، زوجته الراحلة، وهي واقفة جنب رجل طويل…
ماسك سيجارة.
آدم همس وهو بيترعش:
“هو ده اللي زق العربية.”
سليم مسك الصورة لحد ما اتكرمشت في إيده.
وريم لأول مرة شافت في عينه حاجة أخطر من الألم.
الانتقام.
لكن قبل ما يتكلم…
موبايله رن.
رقم مجهول.
فتح.
وصوت راجل خشن قال:
“لو عايز ابنك يعيش… اطرد المربية اللي بتخليه يفتكر.”
ثم الخط اتقفل.
سليم ببطء رفع عينه ناحية ريم.
وفي اللحظة دي… فهموا كلهم إن المشكلة ماكانتش في الماضي بس.
الماضي رجع… وعايز يسكت آدم للأبد.
يتبع
