القميص الابيض حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الثالث: سقوط الملكة
اختفت الأصوات.
واختفت الأسئلة.
واختفت حتى حركة المصورين للحظات.
الجميع كانوا ينظرون إلى سيف الحديدي.
الرجل الذي نادرًا ما يتحدث للإعلام.
والذي عندما يتحدث…
تتحول كلماته إلى عناوين رئيسية في دقائق.
أما نادين…
فكانت تحاول الحفاظ على ابتسامتها.
لكن التوتر بدأ يظهر بوضوح حول عينيها.
قالت بسرعة:
“سيف… أعتقد إننا المفروض نحل مشاكلنا بعيد عن الإعلام.”
ابتسم.
ابتسامة باردة جدًا.
حتى ليلى شعرت بقشعريرة عندما رأتها.
ثم قال:
“أنا متفق معاكي.”
تنفست نادين الصعداء.
لكنها لم تكن تعرف أنه لم ينتهِ بعد.
أكمل:
“وكان المفروض برضو إن الخيانة تحصل بعيد عن جوازنا.”
ساد الصمت.
ثم بدأت الهمسات.
والصحفيون تبادلوا النظرات بسرعة.
أما نادين…
فشحب وجهها.
وقالت:
“إنت بتقول إيه؟”
رفع حاجبه.
“أقول الحقيقة.”
ثم التفت إلى الكاميرات.
وأضاف:
“بما إن السيدة نادين قررت تتكلم عن الشرف والخيانة…”
مد يده إلى مساعده.
فأعطاه ملفًا أسود.
فتح الملف بهدوء.
ثم أخرج عدة صور.
وفي اللحظة نفسها…
اختفى اللون من وجه نادين بالكامل.
لأنها عرفت الصور.
الصور التي كانت تتمنى ألا يراها أحد أبدًا.
صورها.
مع الرجل نفسه.
صديق سيف المقرب.
داخل شقة خاصة.
وفي تواريخ مختلفة.
قال أحد الصحفيين بذهول:
“يا نهار أبيض…”
أما الكاميرات…
فبدأت تلتقط كل شيء بجنون.
قال سيف بهدوء:
“أنا كنت هطلقها بهدوء.”
“ومن غير فضايح.”
“ومن غير إعلام.”
ثم نظر إلى ليلى.
وأضاف:
“لكن لما حاولت تدمر إنسانة بريئة…”
عاد بنظره إلى نادين.
“…بقى لازم الناس تعرف الحقيقة.”
—
شعرت ليلى أنها تحلم.
كل ما يحدث حولها أكبر من استيعابها.
منذ ساعات فقط كانت تستعد للهروب من القصر.
والآن…
أغنى رجل في القاهرة يقف أمام الجميع ويدافع عنها.
بكل قوته.
دون تردد.
دون خوف.
ودون أن يهتم بما سيقوله الناس.
أما نادين…
فكانت تنهار تدريجيًا.
صرخت:
“إنت بتنتقم!”
رد سيف بهدوء قاتل:
“لأ.”
“أنا بس برد.”
ثم أغلق الملف.
واستدار ليغادر.
لكن نادين لم تكن مستعدة للخسارة.
ولا للهزيمة.
ولا لأن تتحول من ضحية إلى متهمة أمام الملايين.
لذلك صرخت فجأة:
“إنت بتحبها!”
تجمد الجميع.
حتى ليلى.
حتى سيف نفسه.
ساد الصمت.
صمت ثقيل.
مرعب.
ثم نظرت نادين إلى ليلى.
وقالت بانهيار:
“من زمان كمان!”
شعرت ليلى وكأن الأرض اختفت تحت قدميها.
أما سيف…
فظل واقفًا.
صامتًا.
لثوانٍ طويلة.
طويلة جدًا.
حتى بدأ الصحفيون ينتظرون الإجابة.
ثم حدث شيء لم يتوقعه أحد.
قال سيف بهدوء:
“لا.”
تنفست ليلى.
وشعرت براحة غريبة.
لكن سيف أكمل:
“لأن الحب محتاج إنك تشوف الشخص.”
نظر إلى ليلى.
مباشرة.
ولأول مرة أمام الجميع.
وقال:
“وأنا للأسف ما شوفتهاش غير متأخر.”
شعرت ليلى أن قلبها توقف.
أما نادين…
فأغلقت عينيها كأنها تلقت الضربة الأخيرة.
لأنها فهمت ما لم يفهمه الصحفيون بعد.
انتهى الأمر.
تمامًا.
—
بعد أقل من ساعة…
كانت مواقع الأخبار كلها تتحدث عن الفضيحة.
لكن الغريب…
أن اسم ليلى لم يعد مرتبطًا بالشائعات.
بل تحول إلى قصة أخرى.
قصة الخادمة التي دافع عنها سيف الحديدي أمام القاهرة كلها.
وقصة المرأة التي بقيت مخلصة بينما خان الآخرون.
أما ليلى…
فكانت مختبئة داخل المكتبة القديمة في القصر.
تحاول الهروب من كل هذا الجنون.
كانت ترتب الكتب بلا هدف.
فجأة سمعت خطوات خلفها.
عرفتها فورًا.
سيف.
دائمًا خطواته هادئة.
لكن وجوده لا يمكن تجاهله.
لم تستدر.
وقالت:
“ليه عملت كده؟”
ساد الصمت.
ثم أجاب:
“لأنهم ظلموكي.”
“الناس هتتكلم أكتر دلوقتي.”
“عارف.”
استدارت أخيرًا.
ونظرت إليه.
وقالت:
“وأنا مش مستعدة لكل ده.”
نظر إليها طويلًا.
ثم قال بصوت منخفض:
“وأنا مش مستعد أخسرك.”
تجمدت.
وشعرت أن الهواء اختفى من الغرفة.
لكن قبل أن ترد…
رن هاتف سيف.
نظر إلى الشاشة.
ثم اختفت ملامحه الهادئة فجأة.
أجاب فورًا.
استمع لثوانٍ.
ثم شحب وجهه بشكل لم تره من قبل.
قال:
“إزاي؟”
ساد الصمت.
ثم أغلق الهاتف ببطء.
نظرت إليه بقلق.
“في إيه؟”
رفع عينيه نحوها.
وكان فيهما شيء يشبه الصدمة.
وقال:
“المصنع الرئيسي بتاع الشركة…”
توقف.
ثم أكمل:
“…فيه حريق ضخم.”
ولم يكن يعرف بعد…
أن الحريق لم يكن حادثًا.
وأن شخصًا ما قرر بدء حرب جديدة.
حرب ستجعل اقترابه من ليلى أخطر من أي وقت مضى.
يتبع…
الفصل الرابع: النار التي لم تكن صدفة
“إيه؟!”
خرجت الكلمة من ليلى قبل أن تشعر بها.
لكن سيف كان قد أصبح في عالم آخر.
ذلك العالم الذي يعرفه جيدًا.
عالم الأزمات.
والخسائر.
والقرارات التي تُتخذ خلال ثوانٍ.
أمسك هاتفه مجددًا.
واتصل مباشرة بمدير الأمن.
“أنا في الطريق.”
ثم أغلق الخط.
والتفت نحوها.
“خليكي جوه القصر.”
عقدت حاجبيها.
“وأنت؟”
“لازم أروح.”
“لوحدك؟”
ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه رغم التوتر.
وقال:
“أنا مش رايح أحارب.”
لكن شيئًا داخلها لم يصدق ذلك.
لأنها رأت التعبير الذي ظهر في عينيه.
التعبير نفسه الذي رأته ليلة الخيانة.
شيء ما كان خطيرًا.
خطير جدًا.
—
بعد أقل من ساعة…
وصل سيف إلى المصنع.
وأول ما رآه جعله يتجمد.
ألسنة النار كانت تلتهم جزءًا من المبنى.
وسيارات الإطفاء في كل مكان.
والشرطة.
والإسعاف.
وعشرات العمال المتجمعين بالخارج.
لكن أكثر ما لفت انتباهه…
أن الحريق بدأ في قسم الأرشيف.
بالضبط.
القسم الذي يحتوي على عقود الشركة القديمة.
والملفات الحساسة.
ووثائق الملكية.
تقدم مدير الأمن نحوه.
وقال بصوت منخفض:
“يا فندم…”
نظر إليه سيف.
فأكمل:
“مش باين إنه حادث.”
شعر سيف ببرودة تسري في جسده.
“إيه اللي عندك؟”
أخرج الرجل صورة من هاتفه.
ثم أعطاها له.
نظر سيف إليها.
وتجمد.
كانت صورة لرجل يغادر المصنع قبل دقائق من اندلاع الحريق.
رجل يعرفه جيدًا.
جمال منصور.
شريكه السابق.
والشخص الذي حاول الاستحواذ على جزء من إمبراطوريته قبل عامين.
الشخص نفسه الذي خسر كل شيء عندما رفض سيف بيع أسهمه.
همس سيف:
“جمال…”
—
في تلك الليلة…
لم يعد إلى القصر.
ولا في الليلة التالية.
ولا التي بعدها.
بدأت الأزمة تكبر.
المصنع توقف.
والإعلام يتحدث.
والمنافسون يتحركون.
والمساهمون يضغطون.
أما ليلى…
فكانت تراقب كل ذلك من بعيد.
وتشعر بالعجز.
لأنها تعرف شيئًا واحدًا فقط.
أن سيف لا ينام.
ولا يأكل جيدًا.
ولا يتوقف.
وكلما ضغطت عليه الحياة…
ازداد عنادًا.
حتى يدمر نفسه.
—
في الليلة الرابعة…
عاد أخيرًا.
دخل القصر بعد منتصف الليل.
بخطوات ثقيلة.
وشعر مبعثر.
وعينين حمراوين من السهر.
ولم يكن يعلم أن ليلى ما زالت مستيقظة.
كانت تنتظره.
كعادتها.
منذ عشر سنوات.
لكن هذه المرة…
لم تكن تنتظر صاحب العمل.
كانت تنتظر الرجل نفسه.
دخل المطبخ.
وفتح الثلاجة.
ثم أغلقها.
ثم فتحها مجددًا.
فقالت من خلفه:
“بتدور على إيه؟”
انتفض قليلًا.
ثم استدار.
ورآها.
واقفة.
تحمل كوب شاي ساخن.
ابتسم رغم إرهاقه.
“خوفتيني.”
قالت وهي ترفع حاجبها:
“ملياردير بيخاف؟”
ضحك لأول مرة منذ أيام.
ضحكة قصيرة.
لكنها حقيقية.
ثم جلس.
فوضعت الطعام أمامه.
نظر إلى الطبق.
ثم إليها.
وقال:
“إنتِ مستنية كل الوقت ده؟”
هزت كتفيها.
“حد لازم يتأكد إنك بتاكل.”
ساد الصمت.
ثم بدأ يأكل.
ببطء.
كأنه لم يتناول وجبة حقيقية منذ أيام.
وكانت هي تراقبه بصمت.
حتى قال فجأة:
“ليه بتعملي كده؟”
لم تفهم.
“بعمل إيه؟”
“بتهتمي.”
ابتسمت بحزن.
وقالت:
“عشان محدش اهتم بيا لما كنت محتاجة.”
توقف عن الأكل.
ونظر إليها.
ثم لأول مرة…
سأل السؤال الذي لم يسأله طوال عشر سنوات.
“إيه اللي حصلك يا ليلى؟”
شعرت بقلبها يتوقف.
لأن هناك قصة كاملة خلف ذلك السؤال.
قصة لم يعرفها أحد داخل القصر.
ولا حتى سيف الحديدي.
قصة جعلتها تقبل أن تعيش عشر سنوات كأنها غير مرئية.
خفضت عينيها.
ثم قالت بهدوء:
“زمان…”
وتوقفت.
كأن الكلمات تؤلمها.
ثم أكملت:
“كان عندي عيلة.”
رفع رأسه ببطء.
وبدأ يستمع.
لأنه أدرك فجأة…
أنه لا يعرف شيئًا عن المرأة التي كانت دائمًا أمامه.
وفي اللحظة نفسها…
كان شخص مجهول يقف خارج أسوار القصر.
داخل سيارة سوداء.
يراقب النوافذ المضيئة.
ويمسك صورة قديمة لليلى.
ثم ابتسم.
وقال:
“أخيرًا لقيتك.”
يتبع…
الفصل الخامس: الرجل الذي عاد من الماضي
“كان عندي عيلة.”
قالتها ليلى بهدوء.
لكن الكلمات حملت وجعًا أقدم من عشر سنوات.
جلس سيف أمامها دون أن يقاطعها.
ودون أن ينظر إلى هاتفه.
ودون أن يفكر في الشركة.
أو الحريق.
أو الأزمة.
لأول مرة منذ سنوات…
كان يستمع فقط.
قالت ليلى:
“أبويا كان مدرس.”
“وأمي كانت ممرضة.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
“مكانوش أغنيا.”
“بس كانوا مبسوطين.”
ثم اختفت الابتسامة سريعًا.
وأضافت:
“لحد ما ماتوا.”
شعر سيف بانقباض في صدره.
لكنه ظل صامتًا.
فأكملت:
“حادثة طريق.”
“وأنا عندي عشرين سنة.”
نظرت إلى النافذة.
كأنها ترى تلك الليلة من جديد.
“وفي يوم واحد…”
“خسرت كل حاجة.”
ساد الصمت.
ثم قالت:
“اكتشفت بعدها إن أبويا كان مديون.”
“والبيت اتباع.”
“والقرايب اختفوا.”
ضحكت ضحكة خالية من الفرح.
“كل الناس بتحبك طول ما عندك حاجة تقدمها.”
شعر سيف أن الجملة أصابته هو أيضًا.
لأنها كانت حقيقية.
بشكل مؤلم.
ثم أكملت:
“اشتغلت في مطاعم.”
“ومحلات.”
“وأي مكان يقبلني.”
“لحد ما وصلت هنا.”
رفعت عينيها نحوه.
وقالت:
“والباقي إنت عارفه.”
لكن سيف كان يعرف أنها لم تخبره بكل شيء.
كان هناك جزء مفقود.
جزء جعل عينيها تنطفئان فجأة كلما اقتربت من الماضي.
لكنه لم يضغط عليها.
فقط قال:
“كان لازم حد يقف جنبك.”
ابتسمت.
وقالت:
“كنت هتتفاجئ لو عرفت مين اللي وقف جنبي.”
قبل أن يسأل…
سمع الاثنان صوتًا بالخارج.
صوت محرك سيارة.
ثم باب يُغلق.
نظرت ليلى نحو النافذة.
وشحب وجهها.
فورًا.
لاحظ سيف ذلك.
وقف.
“في إيه؟”
لكنها لم ترد.
كانت تحدق في نقطة واحدة.
خارج الأسوار.
وكأنها رأت شبحًا.
اقترب من النافذة.
ونظر.
فرأى رجلًا.
يقف عند البوابة الخارجية.
في منتصف الليل.
ويرفع رأسه نحو القصر.
سألها:
“تعرفيه؟”
ابتلعت ريقها بصعوبة.
ثم همست:
“مستحيل…”
استدار نحوها.
وكانت ملامحها قد فقدت لونها بالكامل.
قال بحدة:
“مين ده؟”
أغمضت عينيها.
ثم قالت الجملة التي جعلت سيف يشعر بالخطر فورًا:
“خطيب أختي.”
عقد حاجبيه.
“خطيب أختك؟”
هزت رأسها ببطء.
وأضافت:
“الراجل اللي دمر حياتنا.”
—
بعد عشر دقائق…
كان الرجل يجلس داخل غرفة الاستقبال.
بينما وقف الحراس في الخارج.
أما سيف فجلس أمامه.
مثل قاضٍ يستجوب متهمًا.
الرجل كان في أواخر الثلاثينات.
أنيق.
هادئ.
لكن شيئًا فيه لم يطمئن سيف.
أبدًا.
قال الرجل:
“اسمي سامح.”
لم يرد سيف.
فأكمل:
“وأعرف ليلى من زمان.”
قال سيف ببرود:
“واضح.”
نظر سامح نحو ليلى.
ثم قال:
“دورت عليكي سنين.”
شعرت ليلى بالغثيان.
وقالت فورًا:
“أنا مش عايزة أشوفك.”
أومأ.
وكأنه توقع ذلك.
ثم قال:
“عارف.”
“بس لازم تسمعيني.”
صرخ صوتها لأول مرة:
“بعد كل اللي حصل؟”
ساد الصمت.
أما سيف…
فبدأ يفهم أن هناك شيئًا أكبر بكثير مما تخيل.
شيئًا لم تخبره به ليلى.
ثم قال سامح بهدوء:
“أختك ما ماتتش.”
تجمدت الغرفة.
ليلى نفسها لم تتحرك.
كأنها لم تستوعب ما سمعته.
ثم همست:
“إيه؟”
قال مرة أخرى:
“أختك حية.”
شعرت بأنفاسها تتوقف.
لأن أختها مريم…
ماتت منذ عشر سنوات.
أو هكذا كانت تعتقد.
قال سامح:
“أنا جيت عشان أخدك ليها.”
بدأت الدموع تملأ عيني ليلى.
لكن سيف لم يصدق.
لأن شيئًا ما في القصة لم يكن منطقيًا.
إذا كانت أختها حية…
فلماذا اختفت عشر سنوات؟
ولماذا عاد هذا الرجل الآن؟
ولماذا ظهر بالضبط في الوقت الذي بدأت فيه ليلى تقترب منه؟
ثم لاحظ شيئًا.
شيئًا صغيرًا جدًا.
لكن خبرته الطويلة جعلته يراه فورًا.
سامح كان يراقب ليلى.
لكن ليس كحبيب قديم.
ولا كصديق.
بل كشخص يبحث عن شيء.
شيء يخصها.
شيء مهم.
وخطير.
وفي اللحظة التالية…
رن هاتف سيف.
نظر إلى الشاشة.
ثم تجمد.
لأن الرسالة جاءت من مدير الأمن.
وكان فيها صورة.
صورة لسامح.
لكن تحتها سطر واحد فقط:
“تحذير عاجل: هذا الرجل مطلوب في قضية احتيال دولية منذ خمس سنوات.”
يتبع…
الفصل السادس: الكذبة الثانية
لم يتغير تعبير وجه سيف.
على الأقل ظاهريًا.
لكن داخله…
كان كل شيء قد تغير.
أعاد النظر إلى الرسالة على الهاتف.
ثم إلى سامح.
ثم إلى ليلى.
وأدرك أنه لا يستطيع التصرف بتهور.
ليس الآن.
ليس قبل أن يعرف الحقيقة.
أغلق الهاتف بهدوء.
ووضعه على الطاولة.
ثم قال:
“كمّل.”
نظر سامح إليه للحظة.
ثم عاد بعينيه إلى ليلى.
وقال:
“أختك عايشة.”
ارتجفت شفتاها.
“إنت كداب.”
هز رأسه.
“نفسي أكون.”
ثم أخرج صورة قديمة من جيبه.
ووضعها فوق الطاولة.
ترددت ليلى.
ثم مدّت يدها.
وأمسكت الصورة.
وبمجرد أن وقعت عيناها عليها…
شهقت.
لأن الفتاة الموجودة بالصورة كانت تشبهها بشكل مرعب.
نفس العينين.
نفس الابتسامة.
نفس الملامح.
مريم.
أختها.
أو على الأقل تبدو كذلك.
بدأت دموعها تنزل.
وقالت بصوت مكسور:
“دي صورة قديمة.”
أومأ سامح.
ثم أخرج صورة ثانية.
أحدث.
بكثير.
وفيها امرأة في أوائل الثلاثينات.
تقف أمام منزل ريفي.
وتحمل طفلة صغيرة.
ارتجفت يدا ليلى.
“مستحيل…”
أما سيف…
فلم يكن ينظر إلى الصور.
بل كان ينظر إلى سامح.
لأنه رأى شيئًا.
شيئًا لا يتوافق مع قصة رجل جاء ليجمع شقيقتين بعد سنوات.
كان سامح متوترًا.
يراقب رد فعل ليلى أكثر مما يهتم بمشاعرها.
كأنه ينتظر شيئًا محددًا.
—
قالت ليلى:
“لو كانت عايشة…”
وتوقفت.
ثم أكملت:
“ليه ما رجعتش؟”
ساد الصمت.
وهنا تأخر سامح في الرد.
ثانيتين فقط.
لكن سيف لاحظهما.
قال أخيرًا:
“كانت مريضة.”
“مرضها كان صعب.”
“وكانت محتاجة علاج طويل.”
كذبة.
شعر سيف بها فورًا.
لم يكن يعرف لماذا.
لكنها بدت كذبة.
ثم قال سامح:
“ولما خفت ترجع…”
“اكتشفت إنك اختفيتي.”
أخفضت ليلى رأسها.
أما سيف فقرر إنهاء اللعبة.
نظر مباشرة إلى سامح.
وقال:
“قضية الاحتيال كانت في أنهي دولة؟”
تجمد الرجل.
ثانية واحدة فقط.
لكنها كانت كافية.
ثم ابتسم ابتسامة باردة.
واختفت ملامح الرجل الهادئ فجأة.
قال:
“واضح إنك عرفت.”
وقفت ليلى.
مصدومة.
“إيه؟”
أما سيف فبقي جالسًا.
وقال:
“أنا سألت سؤال.”
ابتسم سامح.
ثم قال:
“وأنا مش مضطر أجاوب.”
في اللحظة نفسها…
فتح باب الغرفة.
ودخل مدير الأمن.
وراءه اثنان من الحراس.
فهم سامح فورًا.
وانطفأت ابتسامته.
قال:
“غلط كبير يا سيف.”
رد سيف:
“الغلط إنك دخلت بيتي.”
—
بعد نصف ساعة…
كان سامح داخل غرفة منفصلة تحت حراسة مشددة.
أما ليلى…
فكانت منهارة.
لا تعرف ماذا تصدق.
ولا ماذا تكذب.
قالت وهي تبكي:
“يمكن يكون كذاب.”
ثم نظرت إلى الصور.
وأضافت:
“بس الصور حقيقية.”
جلس سيف أمامها.
ثم قال بهدوء:
“لو أختك عايشة…”
رفعت رأسها بسرعة.
فأكمل:
“هنلاقيها.”
لأول مرة منذ سنوات طويلة…
شعرت ليلى أن هناك شخصًا يحمل جزءًا من حملها.
شخصًا لن يتركها وحدها.
لكن قبل أن ترد…
دخل مدير الأمن مرة أخرى.
وكان وجهه متوترًا.
قال:
“عندنا مشكلة.”
وقف سيف فورًا.
“إيه؟”
أجاب الرجل:
“سامح اختفى.”
ساد الصمت.
ثم قال سيف ببطء:
“إزاي؟”
ابتلع الرجل ريقه.
وقال:
“مش عارفين.”
“الكاميرات فصلت دقيقتين.”
“ولما رجعت…”
“الغرفة كانت فاضية.”
شعر سيف بالغضب يشتعل داخله.
لكن الصدمة الحقيقية لم تأتِ بعد.
لأن مدير الأمن أخرج ورقة صغيرة.
وقال:
“لقينا دي على الكرسي.”
أخذها سيف.
ثم فتحها.
وقرأ ما بداخلها.
فتجمد.
قالت ليلى بسرعة:
“فيها إيه؟”
رفع عينيه إليها.
وكان وجهه مختلفًا تمامًا.
ثم ناولها الورقة.
نظرت فيها.
وشعرت أن قلبها توقف.
لأن الجملة الوحيدة المكتوبة كانت:
“إذا أردتِ رؤية أختك حية… تعالي وحدك.”
وفي الأسفل…
عنوان.
وموعد.
بعد أربع وعشرين ساعة فقط.
أما أسفل الورقة مباشرة…
فكانت هناك صورة حديثة جدًا.
صورة لامرأة تشبه ليلى تمامًا.
وتقف خلف نافذة مغلقة.
وعيناها ممتلئتان بالخوف.
يتبع…