العروس التي لم تعد حكـايـات أسمـا ×3

الفصل الأخير: آخر رحلة على الخط 274

كنت فاكر إن كل شيء انتهى.

وإن ميادة أخيرًا ارتاحت.

وإن الأتوبيس اختفى للأبد.

لكن الحقيقة إن بعض الحكايات ما بتنتهيش بسهولة… خصوصًا الحكايات اللي اتبنت على الدم والخوف والظلم.

بعد انتشار التسجيلات بشهر تقريبًا، المنطقة كلها كانت بتتكلم عن “عروسة الأتوبيس”.

الجرايد كتبت.

برامج التوك شو قلبت القصة تريند.

ناس قالت إنها ج*ريمة قديمة واتغطت بالنفوذ.

وناس قالت إن الحكاية كلها خرافات اتبنت حوالين حادثة حقيقية.

لكن أنا؟

أنا كنت عارف إن اللي حصل حقيقي.

لأن كل ليلة تقريبًا، كنت أصحى على ريحة دخان خفيفة.

ولأن صوت الفرامل كان لسه أحيانًا بيعدي في ودني وأنا نايم.

ولأن في أعماقي… كنت حاسس إن نديم ما اختفاش بالكامل.

بعد أسبوعين، الشرطة قبضت على خال ميادة فعلًا بعد ما ظهرت أدلة التزوير وغسيل الأموال. الراجل انهار بسرعة، واعترف بحاجات أبشع مما توقعنا.

قال إن نديم كان مهووس بميادة بشكل مرضي.

وإنه كان بيعتبرها “ملكه”.

ولما عرف إنها بتحاول تهرب ليلة الفرح، جن جنونه.

لكن الاعتراف الأخطر كان لما قال:

“نديم ما ماتش في الحادثة وقتها…”

الجملة دي رجعت الكابوس كله من أوله.

المحقق سأله: — يعني إيه؟

قال وهو بيعيط: — خرج من الأتوبيس قبل ما يولع… سابهم جوه ومشي.

الخبر نزل كالصاعقة.

يعني نديم عاش بعد الحادث.

يعني الراجل اللي كنت بشوفه… ممكن يكون مش مجرد روح.

الأبشع إن خال ميادة قال إن نديم اختفى بعدها بأيام، وإن آخر مرة شافه فيها كان “عامل زي المجنون”، بيقول إن ميادة بترجعله كل ليلة وتحاول “تاخده معاها”.

بعدها اختفى.

ولا حد عرف له طريق.

لكن اختفاؤه ماكانش أهم حاجة بالنسبالي.

الأهم كان حاجة تانية.

في آخر التحقيق، خال ميادة قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي:

“هو قال قبل ما يمشي… لو هي ما ارتاحتش، محدش من اللي عرفوا الحقيقة هيرتاح.”

ومن اللي عرفوا الحقيقة؟

أنا.

بعدها بيومين، بدأت الحاجات ترجع.

كنت راجع البيت بالليل، ولقيت باب شقتي مفتوح سنة صغيرة.

أنا متأكد مليون في المية إني قفلته.

دخلت بحذر.

الشقة كانت هادية.

زيادة عن اللزوم.

وبعدين سمعت صوت أغنية فرح قديمة جاية من أوضة النوم.

ببطء دخلت.

لقيت الراديو القديم بتاع أبويا شغال لوحده.

أغنية مشوشة وصوت زغاريد بعيدة.

وفوق السرير…

كانت فيه طرحة بيضا.

طرحة ميادة.

وقتها فهمت.

نديم لسه موجود.

وفي نفس الليلة، وأنا بحاول أنام بالعافية، جالي اتصال من رقم غريب.

رديت.

مافيش صوت.

بس بعد ثواني، سمعت صوت نفس متقطع… وبعدين صوت راجل بيضحك.

ضحكة واطية، محروقة.

ثم همسة:

— فاكر إن الرحلة خلصت؟

الخط اتقفل.

ما نمتش.

الصبح نزلت قابلت أمينة، أم ميادة.

كانت شكلها تعبان جدًا.

من ساعة ما الحقيقة بدأت تظهر، الست كأن روحها بدأت ترتاح، لكن جسمها استسلم.

حكيت لها اللي بيحصل.

سكتت شوية، وبعدين قالت: — لأنه ماخدش عقابه الحقيقي.

قلت: — الأرواح شدته جوا الأتوبيس.

هزت راسها ببطء. — يمكن… لكن الكراهية ساعات بتعيش أكتر من أصحابها.

وبعدين قامت من مكانها، ودخلت أوضتها، ورجعت بحاجة ملفوفة في قماش قديم.

فتحته.

كان دفتر أسود.

قالت: — ده مذكرات ميادة.

إيدي اتهزت وأنا باخده.

قالت: — ماقدرتش أقراه بعد موتها… يمكن دلوقتي لازم حد يقراه.

رجعت البيت، وقفلت الباب كويس، وبدأت أقلب الصفحات.

الدفتر كان مليان كلام كتير عن خوفها.

عن نديم.

عن تهديداته.

عن مراقبته ليها.

لكن آخر الصفحات كانت الأسوأ.

“17 نوفمبر 2015

لو حد لقى الدفتر ده، يبقى أنا غالبًا مت.

نديم عرف إني معايا التسجيل. النهاردة بصلي بطريقة خوفتني. قال إن في حاجات أسوأ من الموت.

قال إن الروح ممكن تتحبس لو الإنسان مات وهو مكسور وخايف.

أنا خايفة.

بس مش من الموت…

أنا خايفة أفضل مستنية.”

قفلت الدفتر وقلبي بيوجعني.

وفجأة…

سمعت خبطة من البلكونة.

تجمدت.

الستارة كانت مفتوحة نص فتحة.

الهوا بيحركها ببطء.

قربت.

وبصيت.

ولقيته.

نديم.

واقف في الشارع تحت العمارة.

لكن المرة دي… ماكانش شبح شفاف.

كان أوضح من أي مرة.

وشه المحروق مرفوع لفوق.

وعينيه مثبتة عليا.

وبعدين رفع إيده…

وأشار ناحية موقف الأتوبيس.

ولأول مرة، شفته فاضي فعلًا.

مافيش ميادة.

ابتسم.

كأن ده انتصار.

وبعدين اختفى.

الجمعة اللي بعدها كانت أسوأ ليلة في حياتي.

من أول المغرب، الكهربا بدأت تقطع وتيجي.

الجو بقى بارد بشكل غير طبيعي.

وكلاب الشارع كانت بتعوي بطريقة مرعبة.

حاولت أخرج من البيت، لكن أول ما نزلت السلم، لقيت ريحة الحريق رجعت أقوى من أي وقت.

وكان فيه آثار رماد على الدرج.

كأن حد طالع لفوق.

رجعت شقتي وقفلت الباب.

وفجأة…

الموبايل رن.

رقم مجهول.

رديت.

المرة دي، الصوت كان واضح.

نديم.

— تعبتني يا كريم.

ماقدرتش أتكلم.

قال: — كنت ممكن تعيش طبيعي. ليه تدخلت؟

قلت بصوت مهزوز: — لأنها كانت مظلومة.

ضحك. — وكل الناس مظلومة… بس مش كل الناس بتدفع الثمن.

وبعدين صوته اتغير.

بقى مليان غضب حقيقي.

— هي كانت ليا.

صرخت: — الإنسان مش ملك حد!

سكت ثانيتين.

ثم قال بهدوء مرعب: — يبقى تعالى قول الكلام ده بنفسك.

الخط اتقفل.

وفي نفس اللحظة، سمعت صوت فرامل الأتوبيس تحت العمارة.

بصيت من البلكونة.

الأتوبيس 274 واقف.

والباب مفتوح.

والمرة دي…

السواق رافع وشه.

ماقدرتش أبص.

لفيت وشي بسرعة.

لكن كان كفاية أشوف لمحة.

جلد محروق.

وعينين سودا بالكامل.

ثم سمعت صوت ميادة.

مش من الشارع.

من جوه الشقة.

— ما تنزلش.

لفيت بسرعة.

كانت واقفة في الصالة.

لكن شكلها كان مختلف.

باهتة جدًا.

كأنها بتختفي بالتدريج.

قلت: — إنتِ رجعتي؟

ابتسمت بحزن. — هو بيشدني تاني.

— ليه؟

قالت: — لأنه لسه مربوط بالدنيا… ولسه رابطني بيه.

— أعمل إيه؟

سكتت.

ثم قالت: — لازم تعرف الحقيقة الأخيرة.

مدت إيدها ناحيتي.

وأول ما لمست إيدي…

الدنيا اختفت.

ولقيت نفسي في الأتوبيس.

بس مش دلوقتي.

ليلة الحادثة.

الدخان مالي المكان.

الناس بتصرخ.

والأتوبيس بيجري بسرعة مجنونة فوق الكوبري.

شفت ميادة مربوطة في الكرسي الخلفي.

بتعيط.

وشفت نديم واقف قدامها.

حي.

سليم.

وبيضحك.

صرخت: — أنت عملت إيه؟!

لكن محدش سامعني.

أنا مجرد متفرج.

نديم قرب من ميادة وقال: — لو ماكنتيش ليا في الدنيا… هتبقي ليا بعد الموت.

وبعدين ولع البنزين.

النار مسكت بسرعة مرعبة.

الركاب صرخوا.

السواق حاول يوقف الأتوبيس.

لكن نديم ضربه بحديدة على دماغه.

الأتوبيس فقد السيطرة.

وشفت الحاجة اللي غيرت كل شيء.

قبل ما الأتوبيس يقع من الكوبري…

نديم فتح الباب وقفز.

وسابهم يتحرقوا.

لكن وهو بيجري بعيد…

ميادة بصتله من جوه النار وقالت:

— هفضل مستنياك.

وفجأة…

الأتوبيس انفجر.

صحيت مرمي على أرض الصالة.

ميادة واقفة فوقي وبتبكي.

قالت: — هو ما ماتش في الحادث.

قلت بأنفاس متقطعة: — عارف.

هزت راسها. — لا… أنت لسه ماعرفتش النهاية.

وقبل ما تسكت، الباب اتفتح بعنف.

نديم دخل الشقة.

لكن المرة دي… كان حي.

مش شبح.

راجل حقيقي.

أكبر شوية.

وشه كله آثار حروق قديمة.

لكن حي.

قلبي وقف.

هو عاش كل السنين دي.

كان مستخبي.

وكان بيرجع كل جمعة للموقف.

ابتسم وقال: — أخيرًا فهمت.

رجعت لورا وأنا مصدوم. — أنت… إزاي؟

قال: — النار ما خدتنيش. بس أخدت كل حاجة تانية.

بص لميادة. — حتى هي.

ميادة كانت بترتعش.

مش خوف.

اشمئزاز.

نديم قرب خطوة. — كنتِ هتفضحيني. كنتِ هتخسريني كل حاجة.

صرخت: — فقت*لتها؟!

بصلي ببرود. — الحب الحقيقي بيملك.

قلت: — ده مرض.

ابتسم. — يمكن.

وفجأة طلع مس*دس من ضهره.

وجهه ناحيتي.

— المشكلة إنك عرفت زيادة.

ميادة صرخت: — لا!

لكن نديم كان أسرع.

صوت الطلقة دوى في الشقة.

وحسيت بالنار تدخل كتفي.

وقعت على الأرض.

الدنيا بدأت تغيم.

ونديم قرب مني وقال: — كان المفروض ما تسألهاش إذا كانت محتاجة مساعدة.

وبعدين وجه المسدس ناحية ميادة.

لكن في اللحظة دي…

نور الشقة كله طفّى.

والجو بقى تلج.

وصوت موتور الأتوبيس رجع.

نديم اتجمد.

من بره الشقة، سمعنا صوت فرامل ضخمة.

ثم خبطات على الباب.

خبطات قوية جدًا.

السواق.

نديم بدأ يرجع لورا لأول مرة بخوف.

همس: — لا… لا مش دلوقتي.

الخبط زاد.

والباب بدأ يتحرق من الأطراف.

وصوت الركاب طلع من بره:

— افتح.

— دورك.

— الرحلة ما خلصتش.

نديم فقد أعصابه. — أنا هربت! أنا نجيت!

وصوت السواق رد: — بس ما دفعتش التذكرة.

الباب انفجر.

دخان أسود دخل الشقة.

ومن وسطه ظهر السواق.

عملاق.

محروق بالكامل.

وعينيه سودا.

وراه الركاب.

كلهم متفحمين.

كلهم راجعين ياخدوا حقهم.

نديم صرخ وحاول يهرب، لكن الأرض تحت رجليه بدأت تسود.

الأرواح مسكته.

كان بيصرخ بجنون: — ميادة! ساعديني!

ميادة بصتله ببرود لأول مرة. — أنا بطلت أخاف منك من زمان.

السواق قرب منه وقال: — آخر محطة.

الأرواح بدأت تسحبه ناحية الباب.

نديم كان بيعيط فعلًا. — لا! مش عايز أرجع هناك!

لكن محدش سمعه.

اتسحب وسط الدخان.

وصوت صراخه فضل يتردد لحد ما اختفى.

وفجأة…

كل شيء هدي.

النور رجع.

ريحة الحريق اختفت.

والأتوبيس… راح.

ميادة ركعت جنبي وأنا بنزف.

قالت وهي بتبكي: — آسفة.

ابتسمت بالعافية. — المرة دي… خلص؟

بصت ناحية الشباك.

الموقف كان فاضي.

قالت بهدوء: — آه.

بعدها فقدت الوعي.

صحيت بعدها في المستشفى.

الشرطة قبضت على نديم فعلًا.

أو بالأصح… لقوا ج*ثته.

ج*ثة متحللة في مخزن مهجور كان مستخبي فيه من سنين.

المفاجأة إن تقرير الطب الشرعي قال إنه مات من حوالي سنة بس.

يعني كل اللي شوفته بعد كده…

كان شيء بين الإنسان والشبح.

حاجة رفضت تموت قبل ما تخلص هوسها.

أما أنا، فنجيت.

الرصاصة عدت بعيد عن القلب.

والتحقيقات أثبتت كل حاجة.

القضية اتقفلت أخيرًا كج*ريمة ق*تل متعمدة.

والناس نسيت بعدها بفترة.

زي أي قصة.

لكن أنا ما نسيتش.

وفي آخر زيارة ليا لأمينة قبل وفاتها بشهر، سألتني: — لو رجع بيك الزمن… كنت هتكلمها في الموقف؟

افتكرت ميادة وهي قاعدة لوحدها.

بالفستان الأبيض.

مكسورة.

مرعوبة.

ومحدش شايفها.

ابتسمت وقلت: — كل مرة.

أمينة بكت.

وقالت: — يبقى بنتي ما استنتش عبث.

بعد وفاتها، حضرت دفنها.

ولما رجعت بالليل، عديت جنب موقف الأتوبيس.

لقيت بنت صغيرة قاعدة لوحدها بتعيط.

الناس كلها كانت بتعدي جنبها.

وقفت قدامها وقلت بهدوء:

— إنتِ كويسة؟ محتاجة مساعدة؟

البنت رفعت وشها.

وكانت عادية جدًا.

خايفة بس.

تايهة.

ابتسمت لها.

وفي اللحظة دي، حسيت بنسمة هوا دافية عدت جنبي.

كأن حد أخيرًا… ارتاح.

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *