الدوق حكايات اسما¥2

اختفى سانتياغو في الممر المظلم، وبقيت لوسيا واقفة في منتصف الغرفة، يدها معلقة في الهواء كأنها لم تدرك بعد أن المسدس الذي كان داخل الصندوق لم يعد هناك، وأن الصوت الذي دوّى قبل لحظات لم يكن جزءًا من كابوس طويل بدأ منذ موت أبيها، بل حقيقة كاملة تتحرك خلف بابها. ظل قلبها يضرب بعنف، وكل ضربة كانت تردد في رأسها جملة واحدة: لا تفتحيه لأي شخص غيري. تقدمت ببطء نحو الباب، وضعت يدها على المزلاج، ثم تراجعت خطوة وهي تسمع ركضًا سريعًا في الممر، أصوات رجال، صرير خشب، ثم صوت إيزابيل الحاد يأمر أحدهم بإغلاق الجناح الشرقي. أرادت لوسيا أن تختبئ، أن تجلس في زاوية الغرفة وتنتظر حتى ينتهي كل شيء، لكنها نظرت إلى الصندوق المفتوح فوق الطاولة، إلى المفتاح الذهبي، إلى الأوراق التي تحمل حريتها مكتوبة بالحبر، وفهمت فجأة أن الرجل الذي غادر الغرفة حاملاً سلاحًا لم يعطها هدية زفاف عادية، بل أعطاها ثلاث حقائق: طريقًا للهروب، وسلاحًا للدفاع، ووثيقة تثبت أنه لم يكن سجانها. ارتجفت وهي تلتقط المفتاح من الصندوق وتضعه داخل قبضة يدها. كان باردًا وثقيلًا، كأنه قطعة من مصيرها. في الخارج دوى صوت آخر، ليس رصاصة هذه المرة، بل ارتطام شيء ضخم بالأرض، ثم صرخة رجل مكتومة. اقتربت لوسيا من الباب حتى لامست أذنها الخشب، فسمعت صوتًا لا تعرفه يلهث ويقول: ابحثوا عنها… لا بد أن تكون هنا. تجمدت أنفاسها. عنها؟ هل يقصدونها؟ شعرت بالدم ينسحب من وجهها. تراجعت خطوة، ثم خطوتين، وهي تنظر حولها كمن يبحث عن مخرج. النافذة طويلة لكنها تطل على منحدر مظلم، والباب هو الطريق الوحيد. في تلك اللحظة سمعت طرقًا خفيفًا. لم يكن عنيفًا، ولم يكن مستعجلًا. طرق هادئ يكاد يكون مهذبًا. وضعت يدها على فمها كي لا تصدر صوتًا. جاء صوت رجل خلف الباب: سيدتي… افتحي. أنا من رجال السيد سانتياغو. بقيت صامتة. عاد الصوت أكثر نعومة: سيدتي لوسيا، السيد أمرني أن أنقلك إلى مكان آمن. افتحي بسرعة قبل أن يصلوا. كادت أن تتحرك، لكن شيئًا داخلها توقف. سانتياغو قال لا تفتحي لأي شخص غيري. لأي شخص. حتى لو قال إنه من رجاله. ضمت المفتاح إلى صدرها وهمست بصوت لا يكاد يسمع: اذهب. ساد صمت قصير، ثم تغير الصوت. اختفت النعومة، وظهر شيء بارد قاسٍ. قال الرجل: افتحي الباب يا فتاة، ولا تجبريني على كسره. عاد الخوف يجتاحها، لكنه لم يجدها كما كانت في الكنيسة. لم تكن وحدها تمامًا. كانت تملك مفتاحًا ووثيقة، وكانت تملك يقينًا جديدًا أن من يقف خلف الباب ليس هنا لإنقاذها. اندفعت نحو الطاولة تبحث عن شيء تدافع به عن نفسها، فوجدت فتاحة رسائل فضية بجانب الشموع، أمسكت بها بيد مرتعشة، وفي اللحظة نفسها ارتطم كتف الرجل بالباب. اهتز الخشب. صرخت لوسيا رغمًا عنها. ارتطم مرة ثانية. ثم ثالثة. سقط المزلاج الداخلي نصفه. ركضت نحو الخزانة واختبأت بجانبها، قلبها يكاد يمزق صدرها. ارتطم الباب للمرة الرابعة فانفتح بعنف، ودخل رجل ملثم يحمل سكينًا قصيرًا، توقف للحظة في عتبة الغرفة يفتش بعينيه. رأت لوسيا حذاءه الموحل، أنفاسه الثقيلة، يده الملطخة بدماء ليست دماءه ربما. تقدم خطوتين إلى الداخل وقال بصوت منخفض: أعرف أنك هنا. لم تتحرك. كان العرق يسيل على ظهرها رغم برودة الغرفة. اقترب الرجل من السرير، رفع الستار، ثم التفت نحو النافذة. كانت لحظة واحدة فقط، لكنها كانت كافية. خرجت لوسيا من مكانها واندفعت بكل ما بقي فيها من قوة نحو الباب. لكنه سمعها. أمسك بذراعها قبل أن تصل، وجذبها بعنف حتى اصطدم كتفها بالحائط. كادت فتاحة الرسائل تسقط من يدها، لكنه قبض على معصمها وقال: لم تكوني تستحقين كل هذا الثمن. لم تفهم عبارته، لكنها لم تنتظر شرحًا. رفعت ركبتها وضربته بكل قوتها، فتأوه وتراخت قبضته لحظة. غرست فتاحة الرسائل في ذراعه. صرخ الرجل وتركها. ركضت خارج الغرفة حافية القدمين، وفستان زفافها الأبيض يجر خلفها مثل شبح ممزق. كان الممر يغرق في ضوء أحمر خافت من مصابيح الحائط، والدخان يملأ الهواء. رأت خادمًا ملقى قرب الدرج، ورأت إيزابيل واقفة في نهاية الممر تحمل بندقية قديمة بيدين ثابتتين على عكس عمرها. صاحت المرأة عندما رأتها: إلى هنا! ركضت لوسيا نحوها، لكن قبل أن تصل، خرج رجل آخر من الممر الجانبي. رفع سلاحه. لم تسمع الرصاصة، لأنها أغمضت عينيها في اللحظة ذاتها. لكن الرصاصة لم تصبها. فتحتهما لتجد سانتياغو واقفًا أمامها، وقد دفعها خلفه بيده، بينما الرجل سقط على الأرض قبل أن يضغط زناده. كان وجه سانتياغو أشد قسوة مما رأته في الكنيسة، لكن عينيه عندما التفت إليها اشتعلتا بقلق صريح لم يستطع إخفاءه. قال: قلت لك لا تفتحي الباب. همست وهي ترتجف: لم أفتح… كسره. نظر إلى الدم على يدها، إلى فتاحة الرسائل التي ما زالت تقبض عليها، ثم إلى وجهها الشاحب. قال بصوت منخفض: هل أصابك؟ هزت رأسها. لا. ليس دمي. ولأول مرة رأت شيئًا في عينيه يشبه الراحة. لم يلمسها، لكنه اقترب بما يكفي ليحجب عنها رؤية الجثث والدماء في الممر. قال لإيزابيل: خذيها إلى القبو. قالت العجوز: وأنت؟ رد وهو يعيد تلقيم مسدسه: سأُنهي ما بدأوه. أمسكت إيزابيل بذراع لوسيا، لكن لوسيا لم تتحرك. نظرت إلى سانتياغو وقالت: من هؤلاء؟ تأخر لحظة قبل أن يجيب. رجال لم يرغبوا أن تصلي إلى هنا. قالت: إذًا الأمر بسببي؟ اقترب منها خطوة، وصوته صار أكثر حدة: لا. الأمر بسبب من ظنوا أنك بلا حماية. ثم التفت وغادر قبل أن تسأله أكثر. سحبتها إيزابيل بقوة عبر ممر خلفي ضيق لم تكن لتراه وحدها أبدًا. كان مخفيًا خلف لوحة كبيرة لامرأة بملامح حزينة ترتدي ثوبًا قديمًا. انفتح الجدار كما لو أن القصر نفسه يبتلع أسراره. نزلتا درجًا حجريًا طويلاً، وكلما ابتعدتا عن الطابق العلوي خفتت الأصوات، لكن قلب لوسيا لم يهدأ. قالت وهي تلهث: هل يحدث هذا دائمًا هنا؟ أجابت إيزابيل دون أن تنظر إليها: لا. الليلة فقط تذكر بعض الناس أن السيد سانتياغو تزوج. ابتلعت لوسيا ريقها. ومن يهتم بزواجه إلى هذه الدرجة؟ توقفت إيزابيل أمام باب حديدي وأخرجت مفتاحًا من عنقها. قالت: الذين خافوا أن يعطيك اسمه أكثر مما خافوا أن يعطيك ماله. فتحت الباب وأدخلتها إلى غرفة واسعة تحت الأرض، مضاءة بمصابيح زيتية، فيها رفوف من الطعام والماء وبطانيات وصندوق طبي. لم تكن زنزانة، بل ملجأ. جلست لوسيا على كرسي خشبي وهي لا تزال تضم المفتاح الذهبي في يدها. لاحظت إيزابيل ذلك، فابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة. قالت: أعطاك المفتاح إذًا. رفعت لوسيا عينيها. تعرفين عنه؟ قالت إيزابيل: أنا التي احتفظت به عشرين سنة. لمن؟ لم تجب العجوز فورًا. جلست مقابلها، ووجهها تحت الضوء بدا فجأة أكبر وأكثر تعبًا. قالت: لخطيبته الأولى. حبست لوسيا أنفاسها. الفتاة التي قالوا إنها ماتت حزنًا؟ ضحكت إيزابيل ضحكة بلا فرح. الناس تحب القصص البسيطة. فتاة ماتت حزنًا أجمل من فتاة قُتلت لأنها عرفت سرًا. شعرت لوسيا ببرودة تزحف إلى أطرافها. قُتلت؟ نظرت إيزابيل إلى الباب الحديدي كأنها تخشى أن تسمعها الجدران. ثم قالت: اسمها كان فاليريا. كانت طيبة، لكن الطيبة وحدها لا تحمي أحدًا هنا. كانت ستتزوج سانتياغو قبل سبعة عشر عامًا. في الليلة السابقة للزفاف، اكتشفت أن شقيقه الأكبر كان يبيع أراضي العائلة للمهربين ويستخدم اسم روبليس لتمرير القوافل عبر الجبال. أرادت أن تخبر سانتياغو، لكنها لم تصل إليه. وجدوها عند النهر. قالوا إنها سقطت. لكن سانتياغو لم يصدق. ولهذا أصبح ما هو عليه الآن. بقيت لوسيا صامتة. كل ما سمعته في البلدة عن وحشية سانتياغو، عن صمته، عن خطيبته التي ماتت، بدأ يتشكل أمامها بصورة أخرى. رجل لم يولد قاسيًا، بل صُنع من خيانة قديمة. سألت بصوت خافت: وشقيقه؟ قالت إيزابيل: مات بعد ذلك بشهرين. يقولون إن حادثًا أخذه في الطريق الجبلي. رفعت لوسيا عينيها. وأنتِ؟ هل تصدقين أنه حادث؟ نظرت العجوز إليها طويلاً ثم قالت: في هذه الجبال، الحوادث أحيانًا يكون لها يدان. لم تعرف لوسيا إن كان عليها أن تخاف من الإجابة أو من الهدوء الذي قيلت به. وقبل أن تتكلم، اهتز سقف القبو بصوت انفجار بعيد. وقفت مذعورة. رفعت إيزابيل يدها. ابقي مكانك. لكن لوسيا لم تعد تستطيع البقاء. كل حياتها بقيت مكانها بينما الآخرون يقررون عنها. بقيت في بيت أبيها حتى بيع. بقيت في الكنيسة حتى كادوا يعقدون مصيرها كصفقة. بقيت على عتبة حياة لا تعرفها. والآن يطلبون منها البقاء في قبو بينما يموت أناس في الأعلى بسببها أو حولها أو من أجلها. قالت بحزم مفاجئ: لا. إيزابيل حدقت بها. ماذا قلت؟ قالت لوسيا وهي تنهض: قلت لا. لن أجلس هنا أرتجف. إذا كان اسمه يحميني، فأنا أريد أن أعرف ممن. وإذا كان هذا البيت أصبح بيتي ولو لستة أشهر، فلن أختبئ في أول ليلة فيه. بدا أن العجوز ستصرخ، لكنها بدل ذلك نظرت إليها كما لو تراها لأول مرة. ثم قالت ببطء: أنتِ عنيدة. ردت لوسيا: ربما تأخرت في اكتشاف ذلك. ساد صمت قصير، ثم مدت إيزابيل يدها إلى رف خشبي وأخرجت عباءة داكنة ألقتها عليها. قالت: غطي فستانك. الأبيض يجعلك هدفًا سهلاً. لبست لوسيا العباءة بسرعة. ثم فتحت إيزابيل بابًا جانبيًا داخل القبو لم تكن لوسيا قد لاحظته. قالَت: هناك ممر يصل إلى خلف المكتب الكبير. إذا صرختِ، سأقول إنكِ أجبرتِني. ولأول مرة، رغم الخوف، كادت لوسيا تبتسم. صعدتا عبر ممر ضيق طويل، والرطوبة تلتصق بالحجر، حتى وصلتا إلى فتحة مخفية خلف رف كتب. كان المكتب مظلمًا إلا من نار المدفأة التي شارفت على الانطفاء. في الخارج ساد هدوء غريب. هدوء أخطر من الرصاص. تقدمت إيزابيل أولًا، ثم خرجت لوسيا خلفها. لم يكدتا تخطوان داخل المكتب حتى سمعتا صوتًا من الظلام: مكانك. رفعت إيزابيل البندقية فورًا، لكن الرجل الذي خرج من جوار النافذة لم يكن ملثمًا. كان الشاب الذي رافق سانتياغو إلى الكنيسة. عيناه المتيقظتان نفسهما، ويده على مسدسه. قال: السيدة لوسيا؟ أومأت. قال بسرعة: السيد سانتياغو يبحث عنك. ظن أنكِ ما زلتِ في القبو. ردت إيزابيل بحدة: وكانت يجب أن تبقى هناك. تجاهلها الشاب وقال للوسيا: اسمي توماس. أعمل مع السيد منذ سنوات. نظر إلى العباءة فوق فستانها، وإلى فتاحة الرسائل في يدها، ثم قال بنبرة جافة: ويبدو أنكِ لا تحبين انتظار الإنقاذ. قالت لوسيا: لم ينجح الانتظار معي من قبل. لمعت في عينيه ابتسامة سريعة ثم اختفت. قال: انتهى الهجوم تقريبًا. قبضنا على اثنين. ثلاثة ماتوا. وواحد هرب. سألت فورًا: سانتياغو؟ تردد توماس لحظة. هذا التردد كان كافيًا ليجعل صدرها يضيق. قالت: أين هو؟ قال: في الفناء الخلفي. أصيب؟ لم يجب. اندفعت نحو الباب، لكن إيزابيل أمسكتها. قالت: لا. التفتت لوسيا بعنف: قلتِ إن هذا المكان يسمع كل شيء. إذًا دعيه يسمعني وأنا أرفض الاختباء. خلصت ذراعها وخرجت من المكتب قبل أن يمنعها أحد. كان القصر في حالة فوضى صامتة. خدم يركضون، رجال يحملون مصابين، رائحة البارود تملأ الهواء، والأرضية الرخامية اللامعة تحولت إلى مرآة مكسورة تعكس آثار الدم والطين. وصلت إلى الباب الخلفي فوجدته مفتوحًا على المطر. في الفناء، تحت السماء الغاضبة، كان سانتياغو واقفًا قرب الحائط الحجري، قميصه الأسود ممزق عند كتفه والدم يسيل من ذراعه. كان يضغط بيده على الجرح بينما رجلان يمسكان بأسير راكع أمامه. لم يبدُ ضعيفًا رغم الدم. بدا كجبل أصابه البرق ولم يسقط. عندما رآها، تغير وجهه. الغضب اشتعل فيه فورًا. قال بصوت خفيض مرعب: لماذا خرجتِ؟ لكن لوسيا لم تجب. اقتربت منه ونظرت إلى الجرح. أنت تنزف. قال: هذا لا يجيب عن سؤالي. رفعت عينيها إليه وقالت: ولا نزيفك يجيب عن سؤالي. من أرسلهم؟ صمت الرجال حولهما. حتى المطر بدا أقل صخبًا. نظر سانتياغو إلى الأسير الراكع وقال: اسأليه بنفسك. ارتعشت لوسيا لكنها التفتت إلى الرجل. كان وجهه ملطخًا بالطين، عينه متورمة، لكنه ابتسم لها ابتسامة قبيحة. قال: لا تفرحي كثيرًا يا عروس الجبل. أنتِ لستِ زوجة. أنتِ مفتاح. شد سانتياغو قبضته، لكن لوسيا رفعت يدها تمنعه دون أن تلمسه. سألت: مفتاح لماذا؟ ضحك الرجل وبصق دمًا على الأرض. قال: اسألي أباكِ. شعرت كأن الأرض مالت تحت قدميها. أبي مات. قال الرجل: الموتى يتركون أبوابًا خلفهم. وبعض الأبواب لا تُفتح إلا بدمائهم. لم تفهم. نظرت إلى سانتياغو، فرأت في عينيه معرفة لم يخبرها بها. ذلك آلمها أكثر من الخوف. قالت بهدوء خطير: كنت تعرف أن الأمر له علاقة بأبي. لم ينكر. قال: كنت أشك. قالت: ولهذا دفعت الديون؟ ولهذا تزوجتني؟ ليس فقط لحمايتي؟ ظل صامتًا. كان صمته اعترافًا قاسيًا. تراجعت خطوة، والمطر يغسل وجهها ودموعها في وقت واحد. قالت: إذًا أنت أيضًا استخدمتني. تحرك سانتياغو نحوها، لكن جرحه جعله يتوقف لحظة. قال: لا. لم أستخدمك. كنت أحاول أن أمنعهم من الوصول إليك قبلي. ضحكت بمرارة. قبلك؟ كأنني غنيمة حرب؟ قال بصوت خافت لكنه صادق: كأنكِ آخر شخص حي يحمل اسم رجل أخفى شيئًا يمكن أن يقتلنا جميعًا. ساد صمت ثقيل. سألت بصوت مبحوح: ماذا أخفى أبي؟ نظر سانتياغو إلى الأسير، ثم إلى رجاله. قال: خذوه إلى الحظيرة. لا يراه أحد. جرّ الرجال الأسير بعيدًا وهو يضحك ويغني كلمات غير مفهومة. بقيت لوسيا أمام سانتياغو، ترتجف من البرد والغضب. قالت: أجبني. لكنه قال: ليس هنا. فقالت: الآن. لأول مرة، بدا سانتياغو متعبًا. ليس من الجرح، بل من ثقل ما يحمله. قال: والدك لم يكن مجرد رجل غارق في الديون. كان أمين سجلات لثلاث عائلات كبرى في الشمال. كان يحتفظ بعقود أراضٍ، خرائط قديمة، اعترافات مكتوبة، وأسماء رجال باعوا طرقًا ومناجم ومزارع للمهربين. قبل موته بأسابيع، أرسل لي رسالة يقول فيها إنه يملك شيئًا يثبت أن فاليريا لم تمت في حادث. تجمدت لوسيا. فاليريا؟ تابع: طلب مني أن آتي إليه سرًا. عندما وصلت، كان قد مات. قيل لي إنه مات من المرض، لكنني رأيت علامات الخنق حول عنقه. لمعت عينا لوسيا بالرعب. أبي قُتل؟ قال سانتياغو: نعم. أظن ذلك. وضعت يدها على فمها. كل الحزن القديم انفتح مرة واحدة، لكن هذه المرة لم يكن حزنًا فقط، كان غضبًا. غضب لأنهم حتى موته كذبوا عليها. لأنهم جعلوها تبكي رجلًا ظنته ضعيفًا وفاشلًا ومديونًا، بينما ربما كان يحاول إنقاذها وإنقاذ نفسه من ذئاب أكبر. قالت بصوت مكسور: ولماذا لم تخبرني في الكنيسة؟ قال: لأنكِ كنتِ تقفين أمام مذبح، محاطة بمن باعوك، ولم أكن أعرف من منهم يعمل مع من قتل أباكِ. قالت: كنت تستطيع أن تقول الحقيقة حين كنا بالخارج. قال: كنت أستطيع. نعم. وهذا خطئي. نظرت إليه، وكانت تتوقع دفاعًا أو تبريرًا، لكنه لم يقدم إلا اعترافًا بسيطًا جعل غضبها يرتبك. اقتربت إيزابيل من الخلف ومعها صندوق إسعافات. قالت بحدة لتقطع الصمت: إذا انتهيتما من محاكمة بعضكما تحت المطر، فالسيد سينزف على حجر الفناء حتى يموت. لم يتحرك سانتياغو. كان ينظر إلى لوسيا كأنه ينتظر حكمها. قالت أخيرًا: ادخل. ليس لأنني سامحتك. فقط لأنني لا أريد أن تموت قبل أن تشرح كل شيء. هز رأسه ببطء. عادل بما يكفي. في الداخل، جلس سانتياغو في المكتب نفسه الذي دخلته من الممر السري. فتحت إيزابيل قميصه دون استئذان، فظهر جرح طويل في أعلى ذراعه. لم يكن عميقًا بما يكفي ليقتله، لكنه كان مؤلمًا ومليئًا بالدم. وقفت لوسيا قرب المدفأة، لا تعرف إن كانت تريد الاقتراب أم الهرب. كان فستان زفافها تحت العباءة ملطخًا بالطين عند الأطراف، وشعرها تفكك من دبابيسه، ووجهها شاحب كمن عاش ليلة كاملة داخل قبر. قال سانتياغو وهو يتحمل تنظيف الجرح بصمت: في الدرج الأيسر من المكتب ستجدين ملفًا باسم والدك. إن أردتِ الحقيقة، خذيه. نظرت إليه بريبة، ثم فتحت الدرج. كان هناك ملف جلدي قديم، فوقه اسم إرنستو أراندا بخط واضح. لمسته بأصابع باردة. فتحته فوجدت رسائل، نسخ سندات، خريطة لطرق جبلية، وأوراقًا عليها توقيع أبيها. وبين الأوراق وجدت صورة قديمة. والدها واقف بجانب شابة لا تعرفها، جميلة وحزينة العينين. خلف الصورة مكتوب: فاليريا، قبل أن تختفي الحقيقة. رفعت الصورة بيد مرتعشة. قال سانتياغو دون أن ينظر: التقطت قبل موتها بأسبوع. سألت: أبي كان يعرفها؟ قال: كان يحاول مساعدتها. فاليريا اكتشفت أن شقيقي لم يكن وحده. هناك رجال من البلدة، من الكنيسة، من القضاء، من العائلات الكبيرة. والدك كان يحتفظ بالأدلة. قالت بمرارة: وأين هي؟ الأدلة؟ قال: هذا ما يبحث عنه الجميع. أظن أنه خبأها قبل موته. قال الرجل إنني مفتاح. قال سانتياغو: لأن والدك كان يحب الرموز. كان يخبئ أهم أسراره في أماكن لا يراها إلا من يعرف قلبه. وقد ظنوا أنكِ تعرفين. قالت: لكنني لا أعرف شيئًا. رد بهدوء: ربما تعرفين دون أن تدركي. أغمضت لوسيا عينيها، وأخذت نفسًا طويلًا. بدأت تستعيد بيتها القديم، مكتب أبيها، رائحة الورق والتبغ، صوته وهو يقول لها وهي صغيرة: بعض الأبواب يا لوسيا لا تُفتح بالمفاتيح، بل بما نتذكره عندما نكون خائفين. فتحت عينيها فجأة. المفتاح. أخرجت المفتاح الذهبي من جيب العباءة. نظر سانتياغو إليه، ثم إلى وجهها. قالت: أنت قلت إنه مفتاح هروب. قال: هو كذلك. لكنه كان لفاليريا أولًا. قالت: ومن أعطاه لها؟ أجاب: أنا. قبل أن تموت. وعدتها أنه إذا شعرت أنها سجينة في بيت روبليس، تستطيع أن تفتح به بابًا قديمًا عند الإسطبل يخرج إلى الغابة. لكنها لم تستخدمه. سألت: لماذا أعطيته لي؟ قال بصوت خافت: لأنني لم أستطع إنقاذها، ولم أرد أن أكرر الخطأ معك. نزل الصمت فوق الغرفة. هذه المرة لم يكن صمتًا باردًا، بل شيئًا يضغط على القلب. نظرت لوسيا إلى المفتاح، ثم إلى الصورة، ثم إلى خريطة الطرق. وفجأة تذكرت شيئًا صغيرًا جدًا حتى كادت تضحك من غرابته. قالت: أبي كان يملك صندوق موسيقى. إيزابيل رفعت رأسها. صندوق؟ قالت لوسيا: خشبي، عليه نقش شجرة سوداء. كان يضعه دائمًا في مكتب أمي بعد موتها. لم يكن يسمح لأحد بلمسه. عندما مرض، طلب مني أن أحفظ لحنه. قال لي: إذا تهتِ يومًا، اتبعي الأغنية. ظننت أنه يهذي من الحمى. نظر سانتياغو إلى إيزابيل، وتغير وجهها. قالت العجوز: شجرة سوداء؟ إل إنسينو نيغرو. اسم المزرعة. وقف سانتياغو رغم اعتراض إيزابيل على جرحه. أين الصندوق الآن؟ قالت لوسيا: في بيتنا القديم… إن لم تأخذه عمتي. قال توماس من عند الباب: البيت لم يعد آمنًا. بعد الزفاف، ربما عادوا إليه. قالت لوسيا: إذًا نذهب قبلكم. حدق سانتياغو بها. لا. قالت: نعم. هذا يخص أبي. ويخص حياتي. ويبدو أن الجميع يعرف عنها أكثر مني. تقدمت نحوه خطوة وأضافت: أنت قلت إنني لست سجينة. أثبت ذلك. شد فكه. كان واضحًا أنه يريد الرفض. لكنه نظر إلى المفتاح في يدها، ثم إلى عينيها، وفهم أن من خرجت من غرفتها وسط الرصاص لن تعود طائعة إلى القبو. قال أخيرًا: نغادر قبل الفجر. قالت: أنا قادمة. رد: أعرف. لم تكن تلك موافقة فقط. كانت بداية اعتراف بأنه لم يعد يستطيع أن يقرر وحده. وقبل الفجر بساعة، ارتدت لوسيا ثوبًا أسود بسيطًا من الخزانة، ولفت شعرها، وخبأت المفتاح داخل صدرها. لم تعد تشبه العروس التي دخلت القصر قبل ساعات. كانت عيناها أكثر صلابة، وظهرها أكثر استقامة، وداخلها خوف لا يزال حيًا، لكنه لم يعد يقودها. في الفناء، كانت ثلاث خيول مجهزة. قال سانتياغو وهو يرى ترددها: هل تركبين؟ ردت: كانت لدينا خيول قبل أن يبيعوها. ساعدها على الصعود دون أن يطيل لمسها. كان بينهما شيء معلق، لا ثقة ولا عداء، بل اتفاق هش فوق أرض مليئة بالألغام. انطلقوا عبر الطريق الجبلي، سانتياغو في المقدمة، لوسيا خلفه، وتوماس يحرس المؤخرة. كان الضباب كثيفًا كأنه بحر أبيض، والبرد يلسع وجهها. ومع كل خطوة للحصان، كانت لوسيا تشعر أن البلدة التي خرجت منها بالأمس ليست مجرد مكان، بل كذبة كاملة عليها أن تعود إليها لتكسرها. وصلوا عند شروق الشمس. كان بيت أراندا القديم يقف في طرف البلدة صامتًا ومهجورًا، نوافذه مغلقة، وبابه الأمامي مائل قليلًا كأن أحدهم حاول كسره. نزلت لوسيا قبل أن يساعدها أحد واندفعت إلى الداخل. رائحة الغبار والذكريات ضربتها بقسوة. هنا مات أبوها. هنا بكت وحدها. هنا سمعت عمتها تحصي الديون كأنها تعد أيامًا متبقية في عمرها. دخلت مكتب والدتها القديم. كانت الرفوف فارغة تقريبًا، والأدراج مفتوحة، واللوحات منزاحة. قال توماس: سبقونا. لكن لوسيا لم تجب. وقفت وسط الغرفة وأغمضت عينيها. اتبعي الأغنية. حاولت أن تتذكر اللحن. نغمة رقيقة، حزينة، تتكرر ثلاث مرات ثم تتوقف. نظرت إلى الجدار خلف المكتب. كانت هناك لوحة صغيرة لأمها، وقد أزيحت قليلًا. اقتربت ورفعتها. خلفها لم يكن هناك خزنة كما توقعت، بل ثقب صغير في الخشب، على شكل مفتاح. أخرجت المفتاح الذهبي ببطء. سانتياغو اقترب خلفها، أنفاسه هادئة لكنها منتبهة. وضعت المفتاح في الثقب. دار بسهولة غريبة. سمعوا صوت تروس قديمة تتحرك داخل الجدار، ثم انفتح جزء ضيق من الخشب، كاشفًا عن صندوق الموسيقى. كان هناك فعلًا. صغيرًا، داكنًا، منقوشًا عليه شكل شجرة سوداء. أمسكت به لوسيا وكأنها تمسك بآخر نبضة من قلب أبيها. فتحته. انطلق اللحن. نفس اللحن الذي حفظته وهي طفلة. لكن في قاع الصندوق لم تكن هناك أوراق. فقط مرآة صغيرة مشروخة. قالت بخيبة: لا يوجد شيء. لكن سانتياغو مد يده لا يلمس الصندوق، بل يشير إلى المرآة. قال: انتظري. عندما انتهى اللحن، انفتحت المرآة من جانبها كغطاء خفي، وظهر تحتها شريط معدني رقيق وورقة مطوية بإحكام. ارتجفت لوسيا وهي تخرج الورقة. كان خط أبيها واضحًا رغم السنوات والخوف: ابنتي لوسيا، إذا وصل هذا إليكِ، فهذا يعني أنني فشلت في الهرب من ظلي، لكنكِ لم تفشلي بعد. لا تثقي بسوليداد. لا تثقي بالقس رافائيل. ولا تثقي بأي رجل يطلب منكِ توقيعًا باسم الحماية. سانتياغو روبليس قد يكون خطيرًا، لكنه ليس عدوكِ. الحقيقة مدفونة حيث بكت فاليريا آخر مرة. والمفتاح الثاني في قبر لا يحمل اسمها. شعرت لوسيا بدوار. قرأت السطر الأخير مرة أخرى. حيث بكت فاليريا آخر مرة. والمفتاح الثاني في قبر لا يحمل اسمها. نظر سانتياغو إلى الورقة، وشحب وجهه رغم قسوته. همس: المقبرة القديمة. وقبل أن تسأله، سمعوا صوت تصفيق بطيء من باب المكتب. استداروا جميعًا. وقفت سوليداد هناك، ترتدي شالها الأسود، وخلفها رجلان مسلحان، وبجانبها القس رافائيل بعينيه المتعبتين اللتين لم تعودا تبدوان متعبتين ولا رحيمتين. ابتسمت سوليداد وقالت: كنت أعلم أن الفتاة ستجد ما عجز الرجال عنه. رفعت لوسيا رأسها ببطء، وكانت يدها تقبض على رسالة أبيها. قالت: أنتِ كنتِ تعرفين أنهم قتلوه. لم يتغير وجه سوليداد. بل قالت بهدوء: إرنستو قتل نفسه بغبائه. كان يمكن أن يأخذ المال ويصمت. لكنه أحب دور البطل. قالت لوسيا بصوت مختنق: كان أخاكِ. ردت ببرود: وكان سيهلكنا جميعًا. تحرك سانتياغو أمام لوسيا كجدار أسود، لكن القس رفع مسدسًا نحو صدره. قال رافائيل: لا تتحرك يا بني. ما حدث لفاليريا يمكن أن يحدث مرة أخرى. اهتزت يد سانتياغو، لا خوفًا، بل غضبًا. قالت سوليداد: أعطيني الصندوق والورقة يا لوسيا، وسأتركك تعيشين كزوجة محترمة في بيت هذا الرجل. قاومي، وستعودين إلى البلدة كأرملة مجنونة قتلت زوجها في ليلة زفافها. نظرت لوسيا إلى عمتها، إلى المرأة التي ضغطت على ذراعها في الكنيسة وقالت لا تفضحي العائلة. وفجأة فهمت أن العائلة لم تكن شيئًا تخاف أن تفضحه. العائلة هي التي فضحت نفسها منذ زمن. خفضت لوسيا عينيها كأنها ستستسلم. مدت الصندوق ببطء. خطوة. خطوتان. سوليداد ابتسمت. لكن لوسيا لم تعطها الصندوق. ألقت به بقوة نحو النافذة. تحطم الزجاج، واندفع الصندوق إلى الخارج، وفي اللحظة نفسها انقض سانتياغو على القس، وتوماس على الرجلين. صرخت سوليداد. ركضت لوسيا نحو الباب الجانبي وهي تضم الرسالة إلى صدرها. سمعت الرصاص خلفها، وارتطام أجساد بالأثاث، وصوت سانتياغو ينادي اسمها لأول مرة بلهفة عارية: لوسيا! لكنها لم تتوقف. خرجت إلى الحديقة الخلفية حيث سقط الصندوق بين الأعشاب المبللة. انحنت لتلتقطه، لكن يدًا أمسكت بشعرها من الخلف وجذبتها بعنف. صرخت. كانت سوليداد. وجهها لم يعد وجه العمة الصارمة، بل وجه امرأة انكشفت حقيقتها تمامًا. قالت وهي تضغط سكينًا صغيرًا على عنق لوسيا: كنتِ دائمًا مشكلة. حتى وأنتِ طفلة، عيناكِ كانتا تشبهان عيني أمكِ. تعرفين لماذا ماتت أمكِ مبكرًا؟ لأن الفضول يجري في دمكن مثل المرض. تجمدت لوسيا. أمي؟ همست سوليداد في أذنها: نعم. أمكِ سمعت ما لا يجب. وأبوكِ قضى عمره يحاول إثبات ذلك. لكن لا أحد ينتصر على عائلة كاملة من الذئاب. شعرت لوسيا بشيء يتمزق داخلها. أمها أيضًا. كل حياتها التي ظنتها حزنًا عاديًا كانت سلسلة جرائم مغلفة بالصمت. قالت سوليداد: أعطيني الرسالة. بدلًا من ذلك، ضغطت لوسيا بقدمها على صندوق الموسيقى المفتوح. انطلق اللحن فجأة في الحديقة. نغمة حزينة، رقيقة، عجيبة وسط الرصاص والصراخ. تشتت انتباه سوليداد لجزء من ثانية. كان ذلك كافيًا. دفعت لوسيا كوعها إلى معدة عمتها وانخفضت. مر السكين فوق كتفها وخدش جلدها. وفي اللحظة التالية، ظهر سانتياغو خلف سوليداد وأمسك بمعصمها حتى سقط السكين. لم يضربها. لم يقتلها. فقط ثبتها بقوة وقال بصوت لا حياة فيه: انتهى الأمر. بصقت سوليداد نحوه: لن ينتهي. أنتم لا تعرفون كم عددنا. قال سانتياغو: أعرف ما يكفي. ثم نظر إلى لوسيا. كانت راكعة على العشب، كتفها ينزف قليلًا، ويدها على الصندوق. اقترب منها وانحنى. هل أنتِ بخير؟ كانت هذه المرة مختلفة. لم يكن السؤال أمرًا ولا واجبًا. كان خوفًا خالصًا. نظرت إليه لوسيا طويلاً، ثم قالت بصوت مبحوح: أمي… كانوا هم أيضًا. أغمض سانتياغو عينيه للحظة كأن الخبر أصابه هو كذلك. ثم قال: سنثبت ذلك. وقفت بصعوبة، ورفضت يده أولًا، ثم قبلتها في اللحظة الأخيرة. لم يمسكها بقوة. فقط ساعدها على الوقوف وتركها فورًا. في الداخل، كان توماس قد سيطر على الرجلين، والقس رافائيل جالس على الأرض ويده مكسورة، يتمتم صلوات لم تعد تنفعه. نظرت لوسيا إليه وقالت: كنت تصلي فوق قبر أبي وأنت تعرف قاتله. رفع عينيه إليها، وقال بصوت خافت: ابنتي… قالت بقوة: لا تنادني هكذا. لم يعد في صوتها ارتجاف. أخذوا الصندوق والرسالة وعادوا إلى الخيول قبل أن تستيقظ البلدة كلها. لكن قبل أن تركب، التفتت لوسيا إلى بيت أراندا. لم يعد يبدو كبيت. بدا كجسد قديم أُخذت منه الروح. ومع ذلك، اقتربت من الباب، وضعت يدها على الخشب، وهمست: سأعود بالحقيقة يا أبي. ثم ركبت. لم يتكلم سانتياغو طوال الطريق إلى المقبرة القديمة. كانت الشمس قد ارتفعت قليلًا، لكن الضباب لم يرحل. المقبرة تقع على تل خارج البلدة، بين أشجار ملتوية، والقبور فيها قديمة حتى إن الأسماء على أغلبها مُسحت بفعل المطر. نزل سانتياغو أولًا، ثم قال: فاليريا لم تُدفن هنا رسميًا. عائلتها أخذت الجثمان إلى الجنوب. لكن والدك كتب قبرًا لا يحمل اسمها. ربما كان يقصد شاهدًا صنعه لها أحد سرًا. تفرقوا بين القبور. كانت لوسيا تمشي ببطء، تقرأ الأحجار المتآكلة، تبحث عن اسم غير موجود. ثم سمعت اللحن في رأسها مرة أخرى. اتبعي الأغنية. نظرت حولها، فوجدت شجرة بلوط سوداء صغيرة عند طرف المقبرة، أغصانها مائلة كأنها تبكي. تحتها قبر بلا اسم، فقط نقش صغير: لمن قالت الحقيقة ولم يسمعها أحد. نادت: سانتياغو. جاء بسرعة. وما إن رأى النقش حتى تغير وجهه. لم يلمس الحجر في البداية. ظل واقفًا أمامه كمن عاد سبعة عشر عامًا إلى الوراء. قال بصوت خافت: فاليريا. لم تقل لوسيا شيئًا. تركت له لحظة الحزن التي لم يسمح لنفسه بها منذ زمن. ثم ركع بجانب القبر، وبحث عند قاعدته حتى وجد شقًا صغيرًا. أخرجت لوسيا المفتاح الذهبي، لكنه لم يدخل. قالت: المفتاح الثاني. نظر توماس حوله ثم قال: ربما في القبر. لم يعجبها ذلك، لكنهم لم يملكوا خيارًا. لم يحفروا القبر، بل حرك سانتياغو حجرًا جانبيًا صغيرًا بدا وكأنه أضيف لاحقًا. خلفه كانت علبة معدنية ضيقة. داخلها مفتاح أسود ورسالة أخرى، لكنها هذه المرة لم تكن من أبيها. كانت من فاليريا. قرأ سانتياغو السطور بصوت لم تسمعه منه من قبل: إذا وجدت هذا يا سانتياغو، فأنا آسفة لأنني لم أستطع الوصول إليك. أخوك ليس وحده. القس رافائيل يبارك القوافل، وسوليداد أراندا تخفي الحسابات، والقاضي فيلاسكو يزور العقود، ورجال من بيت مونتيرو يشترون البنات اليتيمات لتزويجهن أو إسكاتهن. إرنستو أراندا يملك الدليل الكامل. إن مت، لا تثق في موتي. ولا تدعهم يكررون الأمر مع فتاة أخرى. سقطت الرسالة من يد سانتياغو تقريبًا. مدّت لوسيا يدها وأمسكتها. لم تكن تعرف فاليريا، لكنها شعرت بقرب غريب منها. امرأتان فصل بينهما سبعة عشر عامًا، لكن الذئاب نفسها كانت تطاردهما. قالت لوسيا بهدوء: لهذا اخترتني. ليس فقط لأن أبي ترك الدليل. بل لأن ما حدث لها كان سيحدث لي. قال سانتياغو: نعم. رفعت عينيها إليه. شكرًا لصدقك هذه المرة. قال: تأخرت فيه. قالت: نعم. ثم وضعت المفتاح الأسود في العلبة. وماذا يفتح هذا؟ قال توماس من خلفهما: ربما خزنة القاضي. سانتياغو نظر إليه. لماذا؟ قال توماس: لأن فيلاسكو مات منذ عامين، وبيته القديم الآن مهجور. لكن الجميع يعرف أن مكتبه لم يُفتح منذ موته. إذا كان إرنستو يملك دليلًا ضدهم، فقد يكون خبأ نسخة عند آخر مكان يتوقعونه. قالت لوسيا: أو ربما أبي عرف أنهم سيبحثون في بيته، فخبأ الحقيقة عند واحد منهم. نظر إليها سانتياغو بإعجاب واضح هذه المرة. قالت بتوتر: لماذا تنظر إليّ هكذا؟ قال: لأنكِ تفكرين مثل رجل نجا طويلًا. ردت: لا. أفكر كامرأة لم يعد لديها رفاهية الغفلة. لم يجب، لكن عينيه احترمتا الجملة. ذهبوا إلى بيت القاضي قبل الظهر. كان بيتًا حجريًا ضخمًا على أطراف البلدة، تحيطه حديقة ميتة وبوابة صدئة. دخلوا من الخلف. المكتب كان كما وصف توماس: مغلقًا، متربًا، باردًا. في الجدار خزنة حديدية قديمة. وضع سانتياغو المفتاح الأسود فيها. دار بصعوبة. انفتحت. في الداخل لم يكن هناك مال، بل دفاتر جلدية، خواتم أختام، عقود زواج مزورة، وقائمة أسماء طويلة. أخذت لوسيا أحد الدفاتر وفتحته. في الصفحة الأولى رأت اسمها. لوسيا أراندا. مقابل اسمها مبلغ. ثلاثة ملايين بيزو. الجهة المستفيدة: سوليداد أراندا، رافائيل، مونتيرو. شعرت بالغثيان. لم تكن ديون أبيها وحدها سبب بيعها. كان هناك ثمن جديد دُفع عليها. وجدت أسماء فتيات أخريات، تواريخ، زيجات، وفي بعض الصفحات كلمة واحدة بجانب الاسم: اختفت. وضعت يدها على فمها. قال سانتياغو بصوت خافت: هذا يكفي لإسقاطهم. قالت لوسيا: لا. هذا يكفي لفضحهم. أما إسقاطهم فيحتاج أن تبقى الفتيات الأخريات على قيد الحياة ليشهدن. نظر إليها. قالت: سنجدهن. لن يكون الأمر عني فقط. ولن يكون عن فاليريا فقط. هؤلاء صنعوا مقبرة من النساء الصامتات. انتهى الصمت. لم تكن تعرف من أين جاءت تلك القوة في صوتها. ربما من أمها. ربما من أبيها. ربما من كل فتاة كُتبت بجانب اسمها كلمة اختفت. خارج البيت، بدأت أجراس الكنيسة تدق بعنف. توماس اقترب من النافذة وقال: لقد عرفوا. سانتياغو حمل الدفاتر داخل حقيبة. قال: سنعود إلى القصر. من هناك نرسل نسخًا إلى العاصمة والصحف والجيش. قالت لوسيا: وإلى العائلات. قال: أي عائلات؟ أجابت وهي تنظر إلى الدفاتر: عائلات البنات. لو ماتت الحقيقة في المكاتب، سيشترونها. لكن لو وصلت إلى الأمهات والآباء والإخوة… ستتحول إلى نار. نظر إليها سانتياغو لحظة طويلة ثم قال: أنتِ أخطر مما ظنوا. قالت: تأخروا في اكتشاف ذلك. خرجوا من البيت بسرعة، لكن في الشارع المقابل كانت البلدة قد تجمعت. رجال مسلحون، وجوه خائفة وغاضبة، وسوليداد واقفة بينهم رغم القيود في يديها، كأنها لا تزال تتحكم في المسرح. صرخت: هذه الفتاة سرقت وثائق القاضي! وهذه الرجل قتل رجالًا في بيته الليلة! لا تسمحوا له بأخذها! تحرك الناس. رفع سانتياغو سلاحه، لكن لوسيا وضعت يدها على ذراعه. لا. ثم تقدمت خطوة وحدها. كانت البلدة التي نظرت إليها بالأمس كفتاة مباعة تنظر إليها الآن كشرارة قد تحرقهم جميعًا. رفعت الدفتر في يدها وصرخت: اسمي مكتوب هنا بثمن. ليس دينًا. ثمن. وثمن بنات غيري. من منكم لديه أخت اختفت؟ من منكم لديه ابنة قيل إنها تزوجت بعيدًا ولم تكتب بعدها رسالة واحدة؟ من منكم صدق أن الفقراء لا يملكون إلا الصمت؟ بدأ الهمس يتحرك بين الناس. امرأة في الخلف شهقت ودفعت الرجال أمامها. قالت: ابنتي روزا… قالوا إنها هربت مع تاجر. فتحت لوسيا الدفتر بسرعة. روزا مينديز. رفعت عينيها إلى المرأة. كانت تباع باسم عقد خدمة في مزرعة مونتيرو. صرخت المرأة وسقطت على ركبتيها. اهتز الجمع. رجل آخر تقدم. ثم آخر. بدأت الأسماء تخرج من الحناجر كأرواح عائدة من القبور. سوليداد صرخت: كذب! لكنها لم تعد تملك الصوت الأعلى. القس حاول الكلام، لكن الناس نظروا إليه كما لو رأوه للمرة الأولى بلا ثوبه المقدس. في تلك اللحظة فهمت لوسيا أن الحقيقة حين تبقى ورقًا يمكن دفنها، لكنها حين تصبح أسماء أمهات تبكي في الشارع، لا يستطيع أحد إسكاتها. أمسك سانتياغو بذراعها برفق وقال: علينا الرحيل الآن قبل أن يطلق أحدهم النار. هزت رأسها. ركضوا نحو الخيول بينما البلدة تنفجر خلفهم بالصراخ والاتهامات. لم تعرف لوسيا من بدأ أول حجر، لكنها سمعت زجاج الكنيسة يتحطم. وعندما التفتت، رأت القس رافائيل يحاول الاختباء خلف الباب بينما النساء يصرخن بأسماء بناتهن. ركبت خلف سانتياغو هذه المرة لأن حصانها جُرح في الفوضى. لم يعلق. فقط قال: تمسكي. ترددت لحظة ثم وضعت يديها حول خصره. انطلق الحصان كالسهم عبر الطريق الجبلي، والريح تضرب وجهها، والحقيبة التي تحمل الدفاتر معلقة بكتف سانتياغو كأنها أثقل من الذهب. بقيت صامتة طويلاً، ثم قالت قرب أذنه: هل كنت ستخبرني بالحقيقة لو لم أجد الصندوق؟ قال بعد لحظة: نعم. لكنها كانت ستبدو كخدعة مني. قالت: وما الذي يجعلها لا تبدو خدعة الآن؟ قال: لا شيء. عليكِ أن تختاري إن كنتِ ستصدقين أفعالي قبل كلماتي. وضعت رأسها للحظة على ظهره دون أن تقصد. كان متعبًا ودافئًا وحقيقيًا على نحو أربكها. قالت: لا أثق بك بعد. رد: جيد. لا تمنحي الثقة بسرعة مرة أخرى. لم تعرف لماذا جعلتها إجابته تشعر بالأمان بدل الإهانة. عند وصولهم إلى القصر، كان كل شيء قد تغير. لم تعد لوسيا تدخل كعروس مباعة، بل كحاملة دليل يمكن أن يهز الشمال كله. استقبلتها إيزابيل عند الباب، وما إن رأت الدفاتر حتى رسمت إشارة الصليب وقالت: إذًا وجدتموها. قالت لوسيا: وجدنا البداية فقط. خلال الساعات التالية، تحول مكتب سانتياغو إلى خلية حرب. نُسخت الأوراق. أُرسلت رسائل مع فرسان إلى مدن مختلفة. كتب سانتياغو إلى قائد عسكري يعرفه في العاصمة، وكتبت لوسيا بخطها إلى عائلات الأسماء التي وجدتها، رسالة واحدة تكررت عشرات المرات: ابنتكم لم تُنسَ. الحقيقة قادمة. كلما كتبت اسم فتاة، شعرت أن يدًا خفية تضع حجرًا جديدًا في جدار قوتها. ومع حلول الليل، انهارت أخيرًا. كانت جالسة في المكتبة، يدها ملطخة بالحبر، وكتفها يؤلمها من جرح السكين، وفجأة لم تعد تستطيع التنفس. كل شيء عاد دفعة واحدة: الكنيسة، الصندوق، أمها، أبوها، فاليريا، الأسماء، الرصاص. سقط القلم من يدها. دخل سانتياغو فوجدها واقفة قرب النافذة ترتجف. لم يقترب بسرعة. قال فقط: لوسيا. قالت دون أن تلتفت: لا أستطيع البكاء. أشعر أنني لو بدأت، لن أتوقف أبدًا. قال: إذًا لا تتوقفي. التفتت إليه، وكان وجهها كله يقاوم الانهيار. قالت: أخاف إن بكيت أن أعود ضعيفة. اقترب خطوة واحدة فقط. قال: البكاء لا يجعل السكين أقل حدة. رفعت عينيها إليه. ولأول مرة منذ بداية كل شيء، انكسر شيء داخلها ليس ليؤذيها، بل ليخرج الألم المحبوس. بكت. لم تبكِ كفتاة رقيقة في قصة حزينة. بكت كمن كان يحمل بيتًا محترقًا فوق ظهره. لم يلمسها سانتياغو إلا عندما تقدمت هي نحوه دون وعي. عندها فقط فتح ذراعيه، وتركها تبكي على صدره. كان احتضانه حذرًا، كأنه يخشى أن يفزعها، لكنها أمسكت بقميصه بقوة كأنها تتمسك بحافة العالم. قال بصوت منخفض: لم يشتروكِ يا لوسيا. لم ينجحوا. همست بين دموعها: لكنهم أخذوا كل شيء. قال: ليس كل شيء. تركوا لكِ اسمك. وتركوا لكِ غضبك. وأحيانًا هذا يكفي لبناء مملكة من الرماد. رفعت وجهها إليه، وكانت عيناه قريبتين جدًا. لأول مرة لم ترَ فيهما الوحش الذي حذروها منه، ولا الرجل الذي أخفى عنها الحقيقة، بل رجلًا مكسورًا يحاول أن يمنع العالم من كسر غيره بالطريقة نفسها. قالت بصوت ضعيف: لماذا فاليريا؟ لماذا لم تنسها؟ نظر إليها بحزن عميق. قال: لأن الموتى الذين لم نُنصفهم لا يرحلون. يبقون في زوايا البيت، في الطرق، في النوم. ظننت أن الانتقام سيُسكتها. لكنه لم يفعل. ربما العدالة فقط تستطيع. قالت: وسنمنحها ذلك. قال: نعم. وسنمنح أباكِ وأمكِ ذلك أيضًا. في تلك اللحظة، لم يكن بينهما حب مكتمل، ولا وعد خيالي، لكن شيئًا بدأ يتنفس في المسافة بينهما. شيء هش وخطير كزهرة نبتت بين حجارة قبر. وقبل أن يبتعدا، انفتح باب المكتبة بعنف. ظهر توماس ووجهه شاحب. قال: وصلت رسالة. من مونتيرو. أخذ سانتياغو الورقة وقرأها. تغير وجهه. مدت لوسيا يدها. أعطني إياها. تردد، لكنها أخذتها. كانت الرسالة قصيرة: إذا أردتم الفتيات أحياء، أحضروا الدفاتر إلى منجم سان لورينزو قبل منتصف الليل. وتعالي وحدك يا لوسيا أراندا. فقد اشتاق بعض الموتى إلى ابنة إرنستو. ارتجفت الورقة في يدها. رفع سانتياغو عينيه إليها وقال فورًا: لن تذهبي. نظرت إليه، وفي عينيها لم يعد يوجد خوف الفتاة التي وقفت في الكنيسة، بل نار امرأة عرفت أخيرًا حجم الحرب. قالت: بل سأذهب. وقبل أن يعترض، أضافت: لكن هذه المرة… لن يذهبوا هم وهم يظنون أنني وحدي.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *