خذلان حكـايـات أسمـا ×1

بنتي رجعت مضروبة ليلة فرحها… وحماتها طلبت شقتها بالملايين. وقتها اتصلت بأبوها العسكري اللي ما شفناهوش من عشر سنين… واللي حصل بعدها قلب الدنيا كلها

 

الساعة كانت تلاتة الفجر.

 

وصوت الخبط على الباب كان مرعب.

 

كأنه حد بيهرب من الموت.

 

كنت قاعدة على الكنبة في شقتي بالمحلة الكبرى.

 

التلفزيون شغال من غير صوت.

 

والنعاس مغلبني.

 

من يوم فرح بنتي ياسمين وأنا مش عارفة أنام.

 

كان قلبي مش مطمن.

 

من أول يوم شفت فيه عيلة جوزها حسام الجندي وأنا حاسة إن في حاجة غلط.

 

الخبط اتكرر.

 

أقوى.

 

وأسرع.

 

وفجأة سمعت صوت خافت من ورا الباب.

 

“يا ماما… افتحي.”

 

وقفت مكاني.

 

قلبي وقع.

 

الصوت كان صوت ياسمين.

 

جريت ناحية الباب.

 

إيديا كانت بتترعش.

 

ولما فتحت…

 

حسيت إن الدنيا كلها اتقلبت فوق دماغي.

 

كانت واقفة قدامي بفستان الفرح.

 

لكن الفستان كان ممزق.

 

ومتسخ.

 

وشعرها منكوش.

 

وشفايفها متشققة.

 

وعينها اليمين وارمة بشكل يخوف.

 

وفي كدمة سودا نازلة من جنب راسها لحد رقبتها.

 

كانت شبه طفلة تايهة.

 

مش عروسة لسه خارجة من فرحها.

 

بصتلي بعينين مليانين رعب وقالت:

 

“يا ماما… ضربوني.”

 

وبعدين وقعت بين إيديا.

 

صرخت:

 

“ياسمين!”

 

وسندتها بالعافية لحد الكنبة.

 

جسمها كان بيتنفض من الخوف.

 

ولما لمست ضهرها حسيت بحاجة مبلولة.

 

بصيت لإيدي.

 

لقيتها دم.

 

دم حقيقي.

 

في اللحظة دي مسكت التليفون عشان أكلم الإسعاف.

 

لكن ياسمين مسكت إيدي بسرعة.

 

وقالت وهي بتبكي:

 

“لا… بالله عليكي لا.”

 

بصيتلها مصدومة.

 

“ليه؟”

 

قالت بصوت متقطع:

 

“قالوا لو رحت المستشفى هيقتلوني.”

 

حسيت الدم بيتجمد في عروقي.

 

“مين؟”

 

بدأت تعيط.

 

وقالت:

 

“حماتي… ونانسي أخت حسام.”

 

الأسامي دي خلتني أضغط على سناني من الغضب.

 

حماتها نادية الجندي كانت ست طول عمرها متكبرة.

 

بتتكلم مع الناس من طرف مناخيرها.

 

وبتحب الفلوس أكتر من أي حاجة.

 

أما بنتها نانسي فكانت نسخة مصغرة منها.

 

من أول يوم شفتهم فيه وأنا حاسة إنهم مش طبيعيين.

 

مسكت إيد بنتي.

 

وقولت:

 

“احكيلي كل حاجة.”

 

بدأت تتكلم وهي بتنهج.

 

وقالت:

 

“بعد ما الفرح خلص… حسام قالي إنه هينزل دقيقة يشوف الضيوف.”

 

سكتت لحظة.

 

وبعدين كملت:

 

“بعدها دخلت حماته وأخته ومعاهم ستات من قرايبهم.”

 

بدأ قلبي يدق أسرع.

 

“عملوا إيه؟”

 

قالت:

 

“سألوني إمتى هكتب الفيلا باسم العيلة.”

 

اتجمدت مكاني.

 

الفيلا.

 

الفيلا اللي أبوها كان كاتبها باسمها من سنين.

 

واللي كانت أمانها في الدنيا.

 

وقتها قيمتها كانت أكتر من خمسين مليون جنيه.

 

لكن بالنسبة لينا ما كانتش فلوس.

 

كانت مستقبل بنتنا.

 

سألتها:

 

“وبعدين؟”

 

قالت:

 

“قولتلهم مستحيل.”

 

وبدأت تبكي أكتر.

 

“قولتلهم دي بتاعتي… وإن حضرتك وبابا طول عمركم موصيني ما أفرطش فيها.”

 

سكتت.

 

وبعدين قالت:

 

“حماتي شدتني من شعري ورمتني على السرير.”

 

نفسي اتقطع.

 

أما هي فكانت بتكمل وهي بتنهار.

 

“نانسي مسكت إيديا.”

 

“وبعدين بدأوا يضربوني.”

 

“بالحزام.”

 

“وبالعلاقات.”

 

“وبكل حاجة وصلت لإيديهم.”

 

“وكانوا بيضحكوا.”

 

كل كلمة كانت بتقطع حاجة جوايا.

 

لكن السؤال اللي كان قاتلني كان واحد.

 

سألته بصعوبة:

 

“وحسام؟”

 

بصت للأرض.

 

والدموع نازلة من عينيها.

 

وقالت:

 

“كان واقف برا الأوضة.”

 

اتجمدت.

 

أما هي فكملت:

 

“سمعته بيقول لأمه…”

 

وسكتت.

 

“قال إيه؟”

 

قالت:

 

“قالها… بلاش على وشها عشان الصور.”

 

في اللحظة دي حسيت حاجة جوايا اتكسرت.

 

مش غضب.

 

ولا حزن.

 

دي كانت نار.

 

نار أم شافت بنتها بتتدبح وهي عايشة.

 

حضنتها.

 

وقولت بصوت غريب حتى عليا:

 

“بصيلي يا ياسمين.”

 

بصتلي بخوف.

 

وقولت:

 

“حقك هيرجع.”

 

هزت راسها بسرعة.

 

وقالت:

 

“ماما دول أغنيا.”

 

“عندهم محامين.”

 

“وهيقولوا إني وقعت.”

 

“وإني بعمل مشاكل.”

 

مسحت دموعها.

 

وقولت:

 

“يبقى هنعمل صوت أعلى منهم كلهم.”

 

مسكت التليفون.

 

وفتحت رقم ما اتصلتش بيه من عشر سنين كاملة.

 

رقم العميد المتقاعد فؤاد الشاذلي.

 

أبو ياسمين.

 

طليقي.

 

وأبو بنتي.

 

الراجل اللي بعد الطلاق اختفى من حياتنا تقريبًا.

 

رنتين.

 

تلاتة.

 

أربعة.

 

وبعدين رد.

 

صوته كان خشن من النوم.

 

“ألو.”

 

خدت نفس طويل.

 

وقولت:

 

“فؤاد.”

 

سكت ثواني.

 

وبعدين قال:

 

“منى؟”

 

وقولت:

 

“بيضربوا بنتنا.”

 

سكت.

 

ثانية.

 

اتنين.

 

تلاتة.

 

وبعدين سمعت صوته بيتغير بالكامل.

 

الصوت الهادئ اختفى.

 

وحل مكانه صوت قائد عسكري.

 

بارد.

 

حاسم.

 

مرعب.

 

قال:

 

“فين هي؟”

 

بعتهاله اللوكيشن.

 

ما سألش أي سؤال.

 

ما ناقشش.

 

ما استفسرش.

 

كل اللي قاله قبل ما يقفل الخط كان:

 

“أنا جاي.”

 

لكن اللي ما كنتش أعرفه…

 

إن فؤاد الشاذلي ما كانش جاي لوحده.

 

وإن الساعة الجاية كانت هتكون أسوأ ساعة في حياة عيلة الجندي كلها.

لأنهم ما كانوش يعرفوا إن البنت اللي ضربوها ليلة فرحها…

هي بنت الراجل الوحيد اللي كانوا بيتمنوا طول عمرهم ما يضطروش يقفوا قدامه…

لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد

@أبرز المعجبين

الفصل الثاني
وصل فؤاد الشاذلي بعد أقل من أربعين دقيقة.
أربعين دقيقة فقط.
لكن بالنسبة لياسمين كانوا عمرًا كاملًا.
كنت قاعدة جنبها وهي ملفوفة في بطانية وتحاول توقف رعشة جسمها.
كل دقيقة كانت تبص ناحية الباب.
كل دقيقة كانت تخاف إن حسام أو أمه يعرفوا مكانها.
وفجأة…
سمعنا صوت عربية كبيرة وقفت تحت العمارة.
بعدها بثوانٍ.
رن الجرس.
قمت بسرعة.
ولما فتحت الباب…
شفت فؤاد.
لكن الحقيقة إن الراجل اللي وقف قدامي ما كانش نفس الشخص اللي عرفته زمان.
الشعر الأبيض غزا جزء كبير من رأسه.
ملامحه بقت أقسى.
وعينيه كانوا ساكتين بطريقة مرعبة.
وراه كان واقف تلات رجالة.
كلهم كبار في السن.
لكن وقفتهم كانت تقول إنهم عسكريين حتى لو لبسوا بدل مدنية.
فؤاد دخل الشقة من غير ما يتكلم.
وأول ما شاف ياسمين…
وقف مكانه.
بنته.
اللي ما شافهاش من سنين.
كانت قاعدة قدامه بفستان فرحها الممزق.
ووشها كله كدمات.
لثواني طويلة…
ما نطقش حرف.
لكن أنا شفت إيده.
كانت بتترعش.
مش من الخوف.
من الغضب.
قرب منها ببطء.
وركع قدامها.
وقال بصوت مبحوح:
“مين عمل فيكي كده يا بنتي؟”
أول ما سمعت كلمة “بنتي”…
ياسمين انهارت.
رمت نفسها في حضنه.
وبدأت تعيط بطريقة كسرت قلبي.
وفؤاد فضل ساكت.
حاضنها.
وكل ثانية كانت ملامحه بتسود أكتر.
لحد ما رفعت ياسمين رأسها وقالت:
“حسام.”
ساعتها…
أنا شفت حاجة عمري ما شفتها في حياة فؤاد كلها.
شفت القسوة.
القسوة الحقيقية.
قام واقف.
وبص للرجالة اللي معاه.
وقال:
“صوروا كل حاجة.”
في أقل من دقيقة.
كانوا بيصوروا الكدمات.
والجروح.
والفستان الممزق.
وآثار الدم.
وكل دليل ممكن يثبت اللي حصل.
بعدها لف ناحيتي.
وقال:
“الإسعاف جاية.”
استغربت.
“مش كانت رافضة؟”
رد بهدوء:
“دلوقتي مفيش حد هيقدر يمنعها.”
وفعلًا.
بعد ربع ساعة كانت ياسمين في المستشفى.
والتقرير الطبي طلع أسوأ مما توقعنا.
ارتجاج بسيط بالمخ.
كسر شعري في أحد الضلوع.
تمزقات وكدمات في أماكن متعددة.
وآثار اعتداء واضحة.
الدكتور نفسه كان مصدوم.
وقال:
“دي مش خناقة.”
“دي عملية تعذيب.”
أما فؤاد…
فكان واقف ساكت.
وبيسمع.
وبس.
وده كان مخوفني أكتر من أي صريخ.
لأن فؤاد لما كان بيهدأ بالشكل ده…
يبقى خلاص أخذ القرار.
وفجأة رن تليفونه.
بص للشاشة.
وبعدين ابتسم.
أول ابتسامة من ساعة ما جه.
لكنها كانت ابتسامة مخيفة.
قال:
“أخيرًا.”
سألته:
“في إيه؟”
رد:
“لقيناهم.”
عرفت بعدها إن الرجالة اللي معاه كانوا بيتابعوا بيت عيلة الجندي.
ولقوا حاجة غريبة جدًا.
بعد هروب ياسمين بساعتين.
حماتها نادية.
وابنتها نانسي.
وحسام.
كانوا قاعدين في الفيلا.
وبيحتفلوا.
أيوة.
بيحتفلوا.
وبيتكلموا عن طريقة نقل ملكية الفيلا.
وكأن ياسمين ماتت أصلًا.
الأغرب من كده…
إنهم كانوا مجهزين عقد تنازل مزور.
وفيه توقيع شبيه بتوقيع ياسمين.
يعني الضرب ما كانش لحظة غضب.
كان مخطط كامل.
من البداية.
هنا فقط تكلم فؤاد.
وقال:
“يبقى الملف بقى كامل.”
وفي صباح اليوم التالي…
انقلبت الدنيا.
لأن أول حاجة عملها فؤاد كانت بلاغ رسمي.
ثم محضر إثبات إصابات.
ثم تقرير الطب الشرعي.
ثم قضية شروع في إجبار على التنازل عن ممتلكات.
وفجأة…
عيلة الجندي بدأت تحس بالخطر.
لكنهم كانوا لسه فاكرين إن الفلوس هتنقذهم.
وإن محاميهم الكبير هيطلعهم منها.
لكن اللي ما كانوش يعرفوه…
إن المفاجأة الحقيقية كانت لسه ما ظهرتش.
لأن فؤاد الشاذلي ما كانش مجرد ضابط متقاعد.
وكان فيه سر أخفاه عن الجميع عشر سنين كاملة.
سر يخلي أسماء كبيرة جدًا ترتبك أول ما تسمع اسمه.
وفي نفس اليوم…
وصلت رسالة واحدة فقط إلى هاتف حسام الجندي.
رسالة قصيرة جدًا.
لكنها حولت لون وشه للأبيض.
كانت مكتوب فيها:
“الساعة 6 مساءً… هنشوف مين فينا هيخسر كل حاجة.”
يتبع… الفصل الثالث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *