بعد الرحيل حكـايـات أسمـا ×1

أعطتني رسالة حب يوم التخرج… ولم أفتحها إلا بعد أربعين عامًا، في يوم جنازتها.
كنت أظن طوال حياتي أن أكبر أخطائي هي الفرص التي ضيعتها، لكنني لم أكن أعلم أن رسالة صغيرة تركتها في جيب سترتي عام 1979 ستطاردني حتى شيخوختي.
كانت ياسمين الفتاة الهادئة التي تجلس بجواري في الفصل، تنظر إليّ دائمًا بعينين تخفيان شيئًا لم أفهمه وقتها. وفي آخر يوم دراسي، سلمتني ظرفًا مغلقًا وقالت بخجل: “الرسالة دي ليك.”
لم أفتحه.
لم أقرأ كلمة واحدة.
وبعد أيام قليلة، اختفت ياسمين من حياتي تمامًا.
مرت السنوات… تزوجت، أنجبت، خسرت، وربحت، بينما بقي الظرف منسيًا في صندوق قديم.
لكن عندما حضرت جنازتها بعد أكثر من أربعة عقود، عدت إلى المنزل وفتحت الرسالة أخيرًا.
في البداية كانت مجرد رسالة حب من فتاة مراهقة.
ثم وصلت إلى الفقرة الأخيرة…
وهناك اكتشفت السر الذي كانت تحاول إخباري به منذ أكثر من أربعين عامًا.
وفي تلك اللحظة فقط، فهمت لماذا رحلت ياسمين فجأة بعد التخرج… ولماذا لم أرها مرة أخرى أبدًا. ⬇️⬇️⬇️
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبينسأبدأ بالفصل الأول الطويل، بأسلوب تشويقي يناسب هذا النوع من القصص:
الفصل الأول: الرسالة التي انتظرت أربعين عامًا
لم أبكِ في جنازتها.
على الأقل ليس أمام الناس.
وقفت بين عشرات الوجوه التي غزاها الشيب، أراقب النعش وهو يُحمل ببطء خارج المسجد، بينما كان الجميع يتحدثون عن ياسمين كأنهم يعرفونها حقًا.
لكنهم لم يعرفوها.
لم يعرف أحد ما كانت تخفيه خلف ابتسامتها الهادئة.
ولم يعرف أحد أنها ظلت تسكن جزءًا صغيرًا من ذاكرتي لأكثر من أربعين عامًا دون أن أدرك.
كان عمري سبعة وستين عامًا عندما رأيت اسمها مرة أخرى.
اسمًا لم أسمعه منذ صيف 1979.
“ياسمين عبد الهادي.”
ظهر الاسم على صفحة الوفيات في الجريدة المحلية.
في البداية ظننته تشابه أسماء.
لكن صورة الوجه الصغير المرفقة بالإعلان كانت كافية.
رغم التجاعيد.
ورغم العمر.
عرفتها فورًا.
عرفت تلك العينين.
نفس العينين اللتين كانتا تراقبانني بصمت من المقعد المجاور في الصف الثالث الثانوي.
جلست طويلًا أحدق في الصورة.
زوجتي كانت قد توفيت قبل ثلاث سنوات.
أبنائي يعيشون في مدن مختلفة.
وأيامي أصبحت متشابهة بصورة مؤلمة.
لذلك وجدت نفسي أرتدي بدلتي السوداء صباح اليوم التالي وأتجه إلى الجنازة.
لا أعرف لماذا.
ربما بدافع الفضول.
ربما بدافع الذنب.
أو ربما لأن جزءًا مني لم يغادر عام 1979 أبدًا.
عندما وصلت إلى المسجد، لم يعرفني أحد.
وكان هذا مريحًا.
جلست في الصفوف الخلفية.
أراقب الناس وهم يتوافدون.
ثم رأيت امرأة تشبهها كثيرًا.
كانت في الخمسينات من عمرها.
تحمل نفس ملامح ياسمين.
ونفس طريقة الوقوف.
عرفت لاحقًا أنها أختها الصغرى.
سمعتها تقول لأحد المعزين:
“أختي استحملت كتير في حياتها… أكتر مما الناس متخيلة.”
كانت تتحدث بنبرة حزينة جعلتني أشعر بوخزة غريبة في صدري.
بعد انتهاء مراسم الدفن، تجمع الناس حول العائلة.
كنت على وشك المغادرة عندما اقتربت مني امرأة مسنة.
حدقت في وجهي طويلًا.
ثم قالت:
ـ حضرتك… اسمه محمود؟
تجمدت في مكاني.
لم أسمع أحدًا يناديني بهذا الاسم في جنازة منذ سنوات.
قلت متفاجئًا:
ـ أيوه.
فتحت عينيها بدهشة.
ـ معقول؟
ـ خير؟
ابتسمت بحزن.
ـ أنا منى… صاحبة ياسمين.
استغرق الأمر ثوانٍ حتى أتذكرها.
منى.
الفتاة كثيرة الكلام التي كانت تجلس خلفنا في الفصل.
ضحكت بخفة.
ـ يا نهار أبيض… بعد العمر ده كله.
لكنها لم تضحك.
بل نظرت إليّ نظرة غريبة وقالت:
ـ ياسمين كانت هتفرح لو شافتك.
لم أعرف بماذا أجيب.
فأكملت:
ـ فضلت مستنياك سنين.
شعرت أن شيئًا ثقيلاً سقط داخل صدري.
ـ مستنياني؟
هزت رأسها.
ـ أيوه.
ثم تنهدت.
ـ واضح إنها ما قالتلكش.
ـ قالتلي إيه؟
لكن منى صمتت.
كأنها ندمت على الكلام.
ثم قالت:
ـ خلاص… دلوقتي ما بقاش يفرق.
وغادرت.
وتركتني واقفًا وسط المقابر كأنني فقدت شيئًا لا أعرفه.
في تلك الليلة لم أستطع النوم.
كنت أتنقل بين الغرف.
أفتح التلفاز.
أغلقه.
أصنع القهوة.
أنساها تبرد.
ثم جلست أخيرًا أمام المخزن الصغير أسفل السلم.
المكان الذي لم أفتحه منذ سنوات.
بدأت أفتش بين الصناديق القديمة.
صور.
دفاتر.
أوراق.
ذكريات.
أشياء احتفظت بها الحياة بدلًا مني.
وبعد أكثر من ساعة…
وجدته.
الظرف.
نفس الظرف الأصفر الصغير.
كان مطويًا بين صفحات كتاب قديم.
عليه خط يدها.
“إلى محمود.”
فقط.
لا شيء آخر.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
أربعون عامًا.
أربعون عامًا كاملة.
والرسالة ما زالت مغلقة.
كما تركتها تمامًا.
تذكرت اليوم الذي أعطتني إياها فيه.
كان يوم التخرج.
الجميع يلتقط الصور.
ويوقع على القمصان البيضاء.
ويودع بعضه البعض.
أما ياسمين فاقتربت مني بخجل.
كانت ترتدي فستانًا أزرق بسيطًا.
وشعرها الطويل يتطاير مع الريح.
مدت يدها بالظرف.
وقالت:
ـ الرسالة دي ليك.
سألتها:
ـ إيه ده؟
احمر وجهها.
ـ اقرأها لما تروح البيت.
ثم غادرت بسرعة.
لم أفتحها.
كنت شابًا أحمق.
ظننت أنها مجرد رسالة إعجاب من فتاة خجولة.
ووقتها كنت مشغولًا بألف شيء آخر.
السفر.
الجامعة.
المستقبل.
وضعت الرسالة في جيبي.
ثم نسيتها.
ونسيت معها ياسمين نفسها.
أو هكذا كنت أعتقد.
جلست على الأريكة.
والظرف بين يدي.
كانت أصابعي ترتجف.
ببطء شديد…
فتحت الحافة القديمة.
وأخرجت الورقة.
كانت صفراء بفعل الزمن.
لكن الكتابة ما زالت واضحة.
بدأت أقرأ.
“عزيزي محمود…
أعرف أنك ستستغرب من رسالتي.
وربما تضحك.
لكنني قررت أخيرًا أن أقول الحقيقة.
أنا أحبك.
أحببتك منذ أول يوم جلست فيه بجواري في الفصل.
منذ أن شاركتني كتاب الفيزياء عندما نسيت كتابي.
منذ أن رأيتك تساعد عامل المدرسة العجوز في حمل الصناديق.
ومنذ أن ضحكت عندما انسكب الحبر على قميصك بدل أن تغضب.”
ابتسمت رغم دموعي.
كانت تراقب أشياء لم أكن أنتبه لها.
أكملت القراءة.
“أعرف أنك ربما لا تشعر نحوي بنفس الشيء.
ولا أطلب منك شيئًا.
لكنني لم أستطع أن أغادر دون أن أخبرك.”
توقفت قليلًا.
شعرت بغصة في حلقي.
ثم تابعت.
“لو كانت الظروف مختلفة…
ربما كنت سأطلب منك أن تمنحني فرصة.”
أخذت نفسًا عميقًا.
كانت مجرد رسالة حب بريئة.
رسالة من فتاة مراهقة.
لكن عندما وصلت إلى السطور الأخيرة…
شعرت أن العالم كله توقف.
لأن الكلمات التالية لم تكن رسالة حب.
كانت اعترافًا.
اعترافًا خطيرًا.
كتبت ياسمين:
“هناك شيء لم أخبر به أحدًا.
بعد التخرج بأيام قليلة سأغادر مصر كلها.
والدي قرر السفر فجأة.
لكن هذا ليس السبب الحقيقي.
السبب الحقيقي أن الأطباء أخبروني قبل شهر أنني مريضة جدًا.
قالوا إن أمامي سنوات قليلة فقط إذا سارت الأمور جيدًا.
ولا أريد أن تتذكرني كفتاة مريضة أو تشفق عليّ.
لذلك سأرحل دون وداع.”
تجمدت يداي.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في السطر الأخير.
السطر الذي جعل أنفاسي تتوقف.
“ولو حدث لي شيء قبل أن أراك مرة أخرى… فأرجوك سامحني لأنني أخفيت عنك الحقيقة الأكبر:
أنا لم أحبك فقط يا محمود…
أنا ابنة والدك.”
يتبع… في الفصل الثاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *