بعد 3 اشهر حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الثاني
في صباح اليوم التالي…
استيقظت على صوت هاتفي يرن للمرة الخامسة.
نظرت إلى الشاشة.
نادية الشاذلي.
رفضت المكالمة.
فعادت للاتصال.
ثم مرة أخرى.
ثم مرة رابعة.
وفي النهاية أرسلت رسالة طويلة.
«”لازم نتقابل.
الموضوع يخص ليان.
ومش مصلحتك ترفضي.”»
قرأت الرسالة مرتين.
ثم أغلقت الهاتف.
لأنني كنت أعرف نادية جيدًا.
طوال سنوات زواجي من كريم…
لم تتصل بي يومًا بدافع الحب.
كل اتصال كان وراءه هدف.
وكل كلمة كانت تحمل مصلحة.
—
لكن بعد ساعات قليلة…
وصلت الضربة الأولى.
كنت في مكتبي الجديد داخل مقر شركة المنصوري القابضة.
أراجع ملفات الشركة.
حين دخلت مساعدتي بسرعة.
وكان وجهها متوترًا.
قالت:
“لازم تشوفي ده.”
وأعطتني هاتفها.
نظرت إلى الشاشة.
ثم تجمدت.
لأن صورة لي كانت تتصدر أحد المواقع الإخبارية.
وكان العنوان:
“سيدة أعمال شهيرة تطرد زوجها من منزله بعد الاستيلاء على شركته.”
شعرت بالغثيان.
فتحت الخبر.
ووجدت أكاذيب كاملة.
قصص مختلقة.
اتهامات.
وادعاءات.
كلها تجعلني أبدو وكأنني زوجة انتقامية جشعة.
أغلقت الهاتف ببطء.
ثم سألت:
“مين نشر الكلام ده؟”
قالت المساعدة:
“مش معروف.”
لكنني كنت أعرف.
أو على الأقل كنت أعرف من المستفيد.
نادية الشاذلي.
—
في الوقت نفسه…
كانت نادية تجلس داخل أحد النوادي الخاصة.
وأمامها ثلاث سيدات من صديقاتها.
وكانت تلعب دور الضحية بإتقان.
قالت بصوت حزين:
“أنا قلبي واجعني على ابني.”
هزت إحدى السيدات رأسها بتعاطف.
فأكملت:
“ضحت بيه وخدعتنا.”
ثم أضافت:
“طردته من بيته.”
ابتلعت دموعي وأنا أسمع التسجيل لاحقًا.
لأن إحدى الحاضرات كانت صديقة قديمة لوالدي…
وسجلت كل شيء.
—
أما كريم…
فبدأ يكتشف شيئًا جديدًا كل يوم.
اكتشف أن معظم العملاء الكبار كانوا يتعاملون معه بسبب ثقة والد سلمى.
واكتشف أن البنوك كانت تمنحه تسهيلات لأن المنصوري القابضة كانت الضامن الفعلي.
واكتشف أن صورته كرجل أعمال ناجح…
لم تكن مستقلة كما كان يعتقد.
وفي كل يوم كان يشعر أكثر بأنه بنى حياته فوق أساس لم يفهمه يومًا.
—
بعد أسبوع…
وصلتني دعوة غير متوقعة.
افتتاح أكبر مشروع عقاري جديد في الساحل الشمالي.
حدث ضخم.
تغطيه القنوات والصحف.
ويحضره كبار المستثمرين.
والشركة المنظمة؟
شركة الشاذلي للتطوير.
الشركة التي أصبحت تحت إدارتي الآن.
ابتسم المحامي سامح.
وقال:
“هتحضري؟”
أجبته:
“طبعًا.”
ثم أضفت بهدوء:
“خصوصًا إن كريم هيكون موجود.”
—
في مساء الحفل…
وصلت عشرات السيارات الفاخرة.
وامتلأت القاعة بالصحفيين والمصورين.
وكان كريم يقف على المنصة الرئيسية.
يحاول التظاهر بأن كل شيء بخير.
لكن الإرهاق كان واضحًا على وجهه.
أما نادية…
فكانت تتحرك بين الضيوف وكأنها ما زالت ملكة المكان.
حتى لحظة دخولي.
—
فور أن دخلت القاعة…
ساد همس خافت.
ثم بدأ الجميع يلتفتون نحوي.
كنت أحمل ليان بين ذراعي.
وترتدي فستانًا ورديًا صغيرًا.
بينما كنت أرتدي فستانًا أزرق أنيقًا بسيطًا.
لا مبالغًا فيه.
ولا استعراضيًا.
لكن حضوري وحده كان كافيًا.
تجمدت نادية في مكانها.
أما كريم…
فانقطع حديثه للحظة وهو ينظر نحوي.
ثم إلى ابنته.
ثم عاد ينظر إليها مرة أخرى.
وكأنه لا يصدق كم كبرت خلال تلك الأشهر.
—
اقتربت مني الصحافة فورًا.
وبدأت الأسئلة تنهال.
لكن أحد الصحفيين طرح السؤال الأخطر:
“هل صحيح إنك استوليتي على شركة زوجك السابق؟”
ساد الصمت.
وتحولت كل الأنظار نحوي.
حتى كريم نفسه توقف عن الحركة.
أما نادية…
فابتسمت.
منتظرة الإجابة.
فرفعت رأسي.
ثم قلت بهدوء:
“لا.”
بدأت الهمسات.
لكنني أكملت:
“ما استولتش على أي حاجة.”
ثم أخرجت ملفًا من حقيبتي.
ورفعته أمام الكاميرات.
وقلت:
“لأن الشركة كانت ملكي من البداية.”
ساد الصمت التام داخل القاعة.
وتحولت ابتسامة نادية إلى صدمة.
أما كريم…
فأغمض عينيه للحظة.
لأنه كان يعرف أنني أقول الحقيقة.
لكن ما لم يعرفه أحد…
هو أن المفاجأة الحقيقية لم تكن في الشركة.
ولا في الفيلا.
ولا في الأموال.
بل في المستند الأخير الموجود داخل الملف.
المستند الذي كنت أنتظر اللحظة المناسبة لكشفه.
المستند الذي سيقلب حياة نادية الشاذلي رأسًا على عقب أمام الجميع.
يتبع…الفصل الثالث
ساد الصمت داخل القاعة.
عشرات الكاميرات كانت موجهة نحوي.
والصحفيون ينتظرون.
أما نادية الشاذلي…
فبدأ القلق يظهر على وجهها لأول مرة.
لأنها كانت تعرفني جيدًا.
وتعرف أنني لا أهدد أحدًا.
ولا أتكلم كثيرًا.
لكن عندما أقرر الكلام…
أكون مستعدة.
تمامًا.
—
أمسكت الملف.
وأخرجت منه مستندًا واحدًا.
ثم رفعته أمام الجميع.
وقلت:
“بما إننا بنتكلم عن الحقيقة…”
التفتت الأنظار كلها نحوي.
وأكملت:
“يبقى لازم نتكلم عن سبب طلاقي الحقيقي.”
تغير لون وجه نادية فورًا.
أما كريم فبدأ يشعر بأن شيئًا خطيرًا على وشك الحدوث.
قال أحد الصحفيين:
“حضرتك تقصدي إيه؟”
أجبته بهدوء:
“طوال سنوات جوازي… كنت بتوصف بالعاقر.”
ساد همس في القاعة.
وأكملت:
“وكان بيتقال إن سبب عدم الإنجاب هو أنا.”
ثم رفعت المستند.
وقلت:
“لكن الحقيقة مختلفة.”
—
بدأت الكاميرات تقترب.
والصحفيون يسجلون كل كلمة.
أما نادية…
فأصبحت شاحبة تمامًا.
قلت:
“قبل سنوات… أجرينا فحوصات طبية كاملة.”
ثم نظرت مباشرة نحو نادية.
وأضفت:
“والنتائج وصلت للبيت.”
انخفضت عيناها إلى الأرض.
فعرفت أن الجميع بدأ يفهم.
ثم أكملت:
“النتائج أثبتت إن المشكلة ما كانتش عندي.”
تحول الهمس إلى ضجة.
ونظرت نحو كريم.
الذي كان ينظر إلى أمه بصدمة قديمة تتجدد.
وقلت:
“لكن التقرير اختفى.”
ثم أخرجت نسخة منه.
ورفعتها أمام الجميع.
“وده نسخة رسمية منه.”
—
انفجرت القاعة بالكلام.
الصحفيون يتحركون.
الكاميرات تلتقط الصور.
الضيوف يتبادلون النظرات.
أما كريم…
فكان واقفًا بلا حركة.
لأنه عرف التقرير.
عرفه فورًا.
هو نفسه الذي اكتشفه قبل أشهر.
هو نفسه الذي أثبت أن الاتهامات التي تحملتها زوجته سنوات كانت كذبًا.
—
وفجأة…
وقف أحد الصحفيين.
وقال:
“حضرتك بتتهمي مين بإخفاء التقرير؟”
التفت الجميع إلى نادية.
حتى قبل أن أجيب.
أما هي…
فكانت ترتجف.
ثم قلت بهدوء:
“أنا مش محتاجة أتهم حد.”
وأشرت إلى الملف.
“المراسلات موجودة.”
“والتوقيعات موجودة.”
“والتواريخ موجودة.”
ثم أضفت:
“والحقيقة موجودة.”
—
في تلك اللحظة…
شعرت نادية أن الأرض تهتز تحت قدميها.
لأن كل شيء كانت تخفيه بدأ يخرج للنور.
لكن الصدمة لم تنتهِ بعد.
لأنني فتحت الملف مرة أخرى.
وأخرجت ظرفًا ثانيًا.
هذه المرة…
نظر إليه كريم باستغراب.
لأنه لم يره من قبل.
قال:
“إيه ده؟”
نظرت إليه.
ثم إلى ابنته الصغيرة بين ذراعي.
وقلت:
“ده السبب الحقيقي اللي خلاني ما أقولكش إني حامل يوم الطلاق.”
ساد الصمت.
حتى أصوات الكاميرات خفتت.
ثم فتحت الظرف.
وأخرجت ورقة مطوية.
ورفعتها أمام الجميع.
كانت نتيجة تحليل حمل.
بتاريخ يوم الطلاق نفسه.
—
اتسعت عينا كريم.
وبدأ وجهه يفقد لونه.
أما نادية…
فجلست على أقرب مقعد وكأن ساقيها لم تعودا تحملانها.
قلت بصوت ثابت:
“يوم ما طردتوني من البيت…”
ثم نظرت إلى كريم.
“…كنت راجعة من عند الدكتورة.”
صمت.
ثم أضفت:
“وكنت عارفة إني حامل.”
ساد صمت ثقيل.
صمت لا يشبه أي شيء.
حتى الموسيقى داخل القاعة توقفت.
—
شعر كريم بأن العالم ينهار حوله.
كل الذكريات عادت دفعة واحدة.
حقيبة الملابس أمام الباب.
وجه سلمى الشاحب.
صمتها.
الملف الأبيض الذي كان في يدها.
الدموع التي كانت تحاول إخفاءها.
كل شيء أصبح مفهومًا الآن.
قال بصوت مبحوح:
“كنتِ حامل؟”
أومأت.
“أيوه.”
“وليان…”
“بنتك.”
انكسرت آخر قطعة من كبريائه في تلك اللحظة.
أمام الجميع.
أمام الصحافة.
أمام المستثمرين.
وأمام أمه.
—
لكن ما حدث بعد ذلك…
لم يكن متوقعًا.
لأن كريم لم يحاول الدفاع عن نفسه.
ولم يصرخ.
ولم يتهم أحدًا.
بل سار ببطء نحو المنصة.
ثم أمسك الميكروفون.
ونظر إلى الحضور.
وقال جملة واحدة فقط:
“أنا خسرت أعظم إنسانة دخلت حياتي.”
ساد الصمت.
ثم أكمل:
“وما عنديش أي عذر.”
لأول مرة…
كان صادقًا تمامًا.
—
أما نادية الشاذلي…
فغادرت القاعة وسط نظرات الجميع.
لأن المرأة التي أمضت سنوات تتهمني بالعقم…
أصبحت هي محور الفضيحة.
والحقيقة التي حاولت دفنها خرجت أخيرًا للنور.
—
وفي نهاية الحفل…
وأمام عدسات الصحافة كلها…
حملت ليان بين ذراعي.
واستدرت نحو الباب.
دون أن أنظر خلفي.
لأن بعض الانتصارات لا تحتاج إلى احتفال.
يكفي أنك نجوت.
أما كريم…
فبقي واقفًا في مكانه.
يراقبني أبتعد بابنته.
ويعرف أن بعض الخسائر…
لا يمكن إصلاحها مهما ندم الإنسان.
يتبع…