بعد الحب اسما السيد 2

بعد اليوم اللي مسكت فيه إيد أدهم على البحر… كل حاجة بدأت تتغير ببطء.
مش التغيير اللي بيحصل في الأفلام فجأة.
لا.
التغيير الحقيقي كان أبطأ… وأصعب.
لأن الثقة لما تتكسر مرة… بترجع وهي بتعرج.
أدهم بقى جزء من يومنا بالتدريج.
يوصل آدم المدرسة الصبح.
يقعد معاه يحل الواجب.
ويفضل يسمع نفس قصة الديناصور خمسين مرة وكأنه أول مرة يسمعها.
وفي كل مرة كنت أبص عليهم… قلبي كان يوجعني بطريقة غريبة.
وجع جميل ومخيف في نفس الوقت.
لأن آدم تعلق بيه بسرعة مرعبة.
الطفل اللي عاش ست سنين يسأل عن أبوه بخجل… لقى فجأة راجل بيبصله كأنه أغلى حاجة في الدنيا.
وفي ليلة شتوية، صحيت على صوت ضحك جاي من الصالة.
خرجت بهدوء… ولقيت آدم نايم على الكنبة فوق صدر أدهم.
والتلفزيون شغال بصوت واطي.
أدهم كان صاحي… يبص لابنه وكأنه خايف يرمش.
أول ما شافني… ابتسم بهدوء.
ثم همس:
— نام وهو بيقولي “متسبنيش.”
الكلمة ضربت قلبي مباشرة.
قربت ببطء.
آدم كان ماسك قميص أدهم بإيده الصغيرة حتى وهو نايم.
وأدهم… ماكانش بيتحرك علشان ما يزعجوش.
همست بدون ما أحس:
— بيحبك أوي.
رفع عينيه ليا.
وفيهم وجع عمر كامل.
— وأنا بموت فيه.
الصمت بينا كان مليان كلام أكتر من أي حوار.
ثم قال بخفوت:
— كل مرة يناديني “بابا”… بحس إني اتولدت من جديد.
دموعي لمعت فورًا.
لكنني بصيت بعيد.
لأنني لو بصيت له أكتر… كنت هضعف تمامًا.
مرت شهور.
وبدأت حياتنا تبقى أهدى.
لأول مرة من سنين، بقيت أرجع البيت ألاقي حد مستنيني.
حد يشيل عني أكياس الطلبات.
حد يقولي “ارتاحي وأنا هعمل العشا.”
حد يسمعني لما أتكلم بدل ما يحسسني إني عبء.
لكن رغم كل ده… الخوف ما اختفاش.
في كل مرة أدهم يتأخر في الرد على رسالة… قلبي يتوتر.
في كل مرة يسرح وأنا بتكلم… أسمع صوت قديم جوايا يقول:
“أكيد زهق منك.”
وفي مرة، كنا خارجين من المدرسة بعد حفلة صغيرة لآدم.
واحدة من الأمهات قربت مني بابتسامة مصطنعة وقالت:
— ابنك يشبه باباه جدًا… سبحان الله.
ثم بصت لجسمي وأضافت بخبث:
— بس واضح إنه واخد الرشاقة من أهله.
ضحكت الستات اللي معاها بخفة.
وفي ثانية… رجعت ياسمين القديمة.
البنت اللي بتحاول تخبي نفسها.
اللي بتحس إنها كبيرة زيادة… ظاهرة زيادة… غلط زيادة.
ضحكتي اختفت فورًا.
لكن قبل ما أهرب كعادتي… أدهم وقف جنبي.
لف ذراعه حول خصري قدامهم كلهم.
وقال بهدوء ثابت:
— أيوه… واخد كل حاجة حلوة من أمه.
الصمت وقع عليهم.
ثم بص للست مباشرة وقال بابتسامة باردة:
— والجمال مش مقاس بالمناسبة… الجمال حضور.
وده واضح جدًا يعني.
وش الست احمر فجأة.
أما أنا… فحسيت قلبي بيرتعش.
لأنه ماكانش بيحميني من الناس وبس.
كان بيحارب الصوت اللي جوايا أنا.
وفي الليل… بعدما آدم نام… وقفت في المطبخ أعمل شاي وأنا ساكتة.
أدهم دخل بهدوء وحس فورًا إني متغيرة.
قرب وسأل:
— زعلانة؟
هززت رأسي بسرعة.
— لا.
رفع حاجبه.
— ياسمين… أنا بقيت أعرف وشك أكتر منك.
ضحكت غصب عني.
لكن دموعي نزلت بعدها مباشرة.
تنهد وقرب مني.
— قالت إيه وجعك بالشكل ده؟
همست بصعوبة:
— ساعات بحس إني مهما حاولت… هفضل الست اللي الناس شايفاها “أقل.”
سكت ثواني طويلة.
ثم مسك إيدي وحطها على قلبه.
— حاسة بده؟
كان قلبه بيدق بقوة.
قال وهو يبصلي بثبات:
— ده راجل شايفك أجمل ست في الدنيا… ولسه مش عارف يقنعك.
شهقت وسط دموعي.
قرب جبينه من جبيني وهمس:
— أنا مش بحبك رغم شكلك… أنا بحبك كلها.
ضحكتك.
عصبيتك.
خوفك على آدم.
حتى الطريقة اللي بتستخبي بيها ورا شعرك لما تتوتري.
دموعي نزلت أكتر.
لأن محدش قبل كده حب التفاصيل الصغيرة دي.
وفجأة… رن موبايله.
بص للشاشة واتغيرت ملامحه.
برود مفاجئ.
حذر.
سألته بقلق:
— في إيه؟
سكت لحظة ثم قال:
— نور تعبانة.
اتجمدت مكاني.
زوجته السابقة.
جزء جوايا اتوجع فورًا.
الغيرة القديمة القبيحة اللي كنت بكرهها.
لاحظ ده فورًا.
قرب بسرعة وقال:
— ياسمين… بصيلي.
لكنني بعدت بعيني.
فقال بثبات:
— نور عندها انهيار عصبي. وأنا الوحيد اللي أهلها قدروا يوصلولي.
بلعت الغصة اللي في زوري.
ثم همست:
— روح.
كان واضح إنه فهم خوفي الحقيقي.
الخوف إنه يرجع لحياته القديمة… وأنا أرجع لوحدي تاني.
قرب أكثر وهمس:
— أنا راجعلك.
الكلمتين دخلوا قلبي… لكن الخوف فضل موجود.
بعد ساعات طويلة… رجع البيت فعلًا.
الساعة كانت قرب الفجر.
كنت قاعدة في الصالة مستنياه رغم إني كنت عاملة نفسي نايمة.
أول ما دخل وشافني… قرب فورًا.
— كنتِ مستنياني؟
رديت ببرود مصطنع:
— كنت صاحيه لآدم.
ابتسم بحزن خفيف.
ثم جلس قدامي وقال بهدوء:
— نور طلبت الطلاق رسمي.
اتصدمت.
— إيه؟
مرر إيده في شعره بتعب.
— قالت إنها من زمان حاسة إني جسديًا معاها… لكن قلبي في مكان تاني.
قلبي اتقبض.
ثم قال بصوت منخفض:
— كانت عندها حق.
الصمت طال بينا.
ثم همست بخوف:
— وأنا؟
رفع عينيه فورًا.
— إنتِ إيه؟
— لو في يوم اكتشفت إني مش كفاية برضه؟
الوجع مر في عينيه بشكل واضح.
ثم قرب لحد ما بقى قدامي مباشرة.
— ياسمين… إنتِ الحاجة الوحيدة اللي ندمت إني ضيعتها.
دموعي نزلت بدون مقاومة.
وفجأة لأول مرة… حضنته بإرادتي الكاملة.
حضن حقيقي.
مش متردد.
مش خايف.
أدهم شدني له بقوة كأنه كان مستني اللحظة دي من سنين.
ودفن وشه في شعري وهو يتنفس بعمق.
همس بصوت متكسر:
— متبعديش تاني.
وفي اللحظة دي… عرفت إننا وقعنا فعلًا.
الاتنين.
مرت سنة كاملة بعدها.
آدم بقى في السابعة.
وأدهم بقى يحضر كل شيء.
حفلات المدرسة.
الكورة.
حتى اجتماع أولياء الأمور اللي كان بيهرب منه كل الآباء.
وكان في كل مرة يبص لابنه بنفس النظرة… نظرة رجل ربنا رجعله عمر كامل كان فاكره ضاع.
أما أنا… فبدأت أرجع لنفسي بالتدريج.
بدأت ألبس اللي أحبه بدون خوف.
أضحك بصوت عالي بدون ما أعتذر.
آكل بدون إحساس بالذنب.
وأدهم كان يلاحظ كل تفصيلة صغيرة وكأنها انتصار.
وفي ليلة عيد ميلادي… رجعت البيت لقيت الدنيا ضلمة.
استغربت.
— آدم؟
وفجأة النور اشتغل.
— مفاجأة!
آدم جري عليا يضحك.
والصالة كلها ورد وصور لينا.
لكن اللي خطف أنفاسي فعلًا… كانت الصور المعلقة على الحيط.
صوري أنا.
صور كنت بكرهها زمان.
صور وأنا حامل.
وأنا مرهقة بعد الولادة.
وأنا نايمة جنب آدم.
وأنا بضحك بفوضى.
لفيت بصدمة ناحية أدهم.
كان واقف بهدوء يراقبني.
همست:
— الصور دي… أنا كنت بكرهها.
قرب وقال:
— وأنا بحبها.
علشان دي أول مرة شفت فيها الست الحقيقية… مش الست اللي بتحاول ترضي الناس.
دموعي نزلت فورًا.
ثم مد إيده ليا.
وفيها علبة صغيرة.
قلبي بدأ يدق بعنف.
فتحها ببطء… وخاتم بسيط جدًا لكنه رقيق بشكل خلى نفسي يتقطع.
نزل على ركبة واحدة قدام آدم اللي كان بيصرخ بحماس:
— قوليلُه أيوه يا ماما!
ضحكت وسط دموعي.
أما أدهم… فكان باصصلي بنفس الرهبة اللي يبصها راجل لشيء يخاف يخسره.
قال بصوت مبحوح:
— أنا ضيعتك مرة… ومش هسامح نفسي لو ضيعتك تاني.
اتجوزيني يا ياسمين.
وخليني أقضي عمري كله أعوضك عن كل يوم بكيتِ فيه لوحدك.
شهقت باكية.
كل شيء مر قدام عيني.
المستشفى.
الرفض.
الولادة وحدي.
الخوف.
السنين اللي حسيت فيها إني غير كافية.
ثم بصيت له.
للرجل اللي رجع بعد ما خسر كل شيء… وفضل يحارب علشان يستحق فرصة تانية.
همست وأنا ببكي:
— موافقة.
آدم صرخ بفرحة وجري حضن رجلينا.
وأدهم قام بسرعة شدني لحضنه وكأنه أخيرًا رجع البيت.
بعد شهور… اتجوزنا في حفل صغير على البحر.
بدون بهرجة.
بدون ناس كتير.
أنا… وهو… وآدم اللي أصر يمشي بينا ماسك إيدينا الاتنين.
وفي لحظة الغروب… بينما البحر لونه برتقالي والهواء مليان ريحة ملح وورد… بصلي أدهم وهمس:
— فاكرة أول مرة قولتيلي إنك حامل؟
ابتسمت بحزن خفيف.
— مستحيل أنساها.
نزل عينيه بألم.
ثم قال:
— وأنا مستحيل أنسى إني كنت غبي كفاية أخسرك.
سكت لحظة.
ثم حط إيده على خدّي برفق شديد.
— بس ربنا رحمنا… ورجعنا لبعض قبل ما العمر يخلص.
في الخلفية كان آدم بيضحك ويجري على الرمل.
بصينا له سوا.
ثم همست وأنا أتنفس أخيرًا براحة حقيقية:
— أحيانًا… الحب بيرجع متأخر.
بس لما بيرجع صح… بينسيك كل الطرق اللي اتكسرت فيها قبله.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *