صدفه احدثت فرقا اسما السيد 2
الخبر نزل على سامح كأنه رصاصة في نص صدره. خلال يومين بس، تليفونه ما بطلش يرن. شركاء بيهددوا ينسحبوا. مستثمرين بيطلبوا يبيعوا أسهمهم. صحفيين واقفين تحت شركته. والسبب؟ أدهم المغربي. الراجل اللي السوق كله بيخاف يزعل منه. أما سلمى، فكانت قاعدة في شقتها الصغيرة في المعادي، ماسكة الموبايل بإيد مرتعشة، حاسة إن اللي بيحصل أكبر منها بكتير. لأول مرة في حياتها تحس إن في حد قوي مستعد يقف في وش الدنيا علشانها. لكن نفس الإحساس خوّفها. لأن القوة دي مرعبة. وتاني يوم الصبح، صحيت على صوت خبط متواصل على باب شقتها. فتحت بخضة… واتجمدت. سامح. كان واقف قدامها بعينين حمرا ووش متبهدل بشكل عمرها ما شافته عليه. لا بدلة أنيقة. لا ابتسامة متعجرفة. حتى شعره كان منكوش كأنه ما نامش من يومين. أول ما شافها قال بسرعة: ـ إنتِ قولتي له يعمل كده؟ سلمى عقدت حاجبيها. ـ مين؟ صرخ بعصبية: ـ بلاش لعب! أدهم المغربي دمرني! الشركة بتقع! الناس بتنسحب! قرب خطوة وهو بيبص لها بحدة: ـ قولي له يوقف اللي بيعمله. قلبها دق بعنف. لأول مرة تشوف سامح خائف بالشكل ده. نفس الراجل اللي كان واقف زمان يقول لها إنها “محرجة” قدام الناس… واقف دلوقتي على بابها شبه الغريق. قالت بهدوء: ـ وأنا مالي؟ قبض على إيده بغضب. ـ إنتِ السبب! إنتِ عارفة الراجل ده ممكن يعمل إيه! ردت بهدوء بارد لأول مرة: ـ وأنت كنت عارف كلامك كان بيعمل فيا إيه؟ سكت. نظراته اهتزت للحظة. لكنها كملت: ـ كل مرة كنت تبصلي فيها بقرف… كل مرة كنت تخليني أكره جسمي… كنت بتدمرني بالبطيء. حاول يقاطعها لكنها رفعت إيدها. ـ لا. المرة دي أنا اللي هتكلم. دموعها لمعت لكنها كملت بثبات: ـ إنت عمرك ما حبيتني يا سامح. إنت كنت محتاج واحدة تحسسك إنك أعلى. واحدة تكسرها علشان تحس إنك قوي. وشه اتشنج. ـ أنا… ماكنتش أقصد… ضحكت بمرارة. ـ أسوأ حاجة إنك فعلًا فاكر إن اللي عملته طبيعي. وفجأة طلع صوت هادي من آخر الطرقة: ـ وهي دي مشكلتك الأساسية. سامح لف بسرعة… وتجمد. أدهم المغربي كان واقف عند باب العمارة. لابس بدلة سودا ونظرته جامدة بشكل يخلي أي حد يتوتر. نزل السكون على المكان كله. أدهم قرب ببطء لحد ما وقف جنب سلمى. ثم بص لسامح وقال بهدوء مرعب: ـ أنت جيت بيتها ليه؟ سامح حاول يتمالك نفسه. ـ دي مشكلة بيني وبينها. رد أدهم فورًا: ـ من اللحظة اللي حاولت تكسرها فيها قدام الناس… بقت مشكلتي أنا كمان. سامح بلع ريقه بصعوبة. ـ حضرتك بتدمر مستقبلي علشان خلاف شخصي؟ أدهم ابتسم ابتسامة خفيفة تخوف أكتر من الغضب. ـ لا. أنا بس بسحب إيدي من ناس ماعندهاش أخلاق. ثم قرب خطوة وهمس بصوت منخفض لكنه واضح: ـ السوق هو اللي قرر يدوس عليك بعد ما شاف حقيقتك. سامح بص لسلمى فجأة وكأنها آخر أمل. ـ سلمى… بالله عليكي. قلبها وجعها للحظة. لأن جزء منها افتكر البدايات. أول حب. أول ضحكة. الأحلام اللي اتبنت واتكسرت. لكن فجأة افتكرت نفسها وهي بتقف قدام المراية تبكي لأنه قال لها “محدش هيحبك بالشكل ده”. افتكرت الليالي اللي نامت فيها جوعانة علشان تعمل دايت يرضيه. افتكرت نظراته القاسية كل ما تاكل حاجة حلوة. وفجأة… مات كل التعاطف. قالت بهدوء: ـ امشي يا سامح. اتصدم. ـ يعني هتسيبيني أتدمر؟ ردت وعينيها ثابتة: ـ وأنا كنت بتدمر قدامك كل يوم… وسيبتني. الصمت قت*ل المكان. سامح بص لها ثواني طويلة… ثم بص لأدهم بنظرة مليانة كراهية وعجز. وبعدها مشي. أول ما اختفى… سلمى حست رجليها بتضعف. أدهم لحقها قبل ما تقع. إيده كانت دافية وثابتة حول خصرها. همس بهدوء: ـ خدي نفسك. بصت له بتوتر. قربه كان يخوفها بطريقة غريبة. لأنه أول راجل يحسسها بالأمان بالشكل ده. قالت بصوت مهزوز: ـ أنا مش متعودة حد يقف عشاني. نظر لها طويلًا ثم قال: ـ اتعودي. قلبها ارتبك. حاولت تبعد لكنه سأل فجأة: ـ فطرتِ؟ اتفاجئت من السؤال. ـ لا. قال ببساطة: ـ يبقى هتنزلي تفطري معايا. بعد ساعة كانت قاعدة قدامه في مطعم هادي على النيل. الشمس داخلة من الشبابيك والمكان ريحته قهوة وخبز طازة. سلمى كانت متوترة بشكل مضحك. كل الناس في المكان كانوا يبصوا لأدهم باحترام واضح. وهو ولا كأنه ملاحظ. كان مركز معاها هي. قال وهو بيحط فنجان القهوة قدامها: ـ عندك عادة غريبة. رفعت حاجبها باستغراب. ـ إيه؟ ـ بتعتذري قبل أي جملة. اتكسفت. لأنه كان عنده حق. حتى وهي بتطلب الأكل قالت للنادل “آسفة”. وكأن وجودها نفسه عبء. قال بهدوء: ـ مين علمك إنك لازم تصغري نفسك علشان الناس ترتاح؟ ما عرفتش ترد. لأنه السؤال ضرب مكان موجوع جواها. بعد لحظات صمت قال أدهم فجأة: ـ عايز أوريكي حاجة. وبعد ساعة كانوا واقفين قدام مبنى ضخم تحت الإنشاء. عمال ومهندسين بيتحركوا في كل مكان. سلمى بصت له باستغراب. قال: ـ ده مركز جديد لعلاج السيدات اللي تعرضوا للعنف النفسي والجسدي. اتصدمت. ـ بجد؟ هز رأسه. ـ أمي ماتت لأنها صدقت إنها قليلة… وأنا مش هسمح لست تانية يحصل لها كده لو أقدر أمنعه. لأول مرة دموع سلمى نزلت قدامه بدون ما تخجل. لأنه ماكانش بيبصلها كأنها ضعيفة. كان بيبصلها كأن وجعها مهم. وفجأة رن موبايل أدهم. أول ما رد… ملامحه اتغيرت. بقت جامدة بشكل مقلق. سكت يسمع ثواني… ثم قال: ـ اقفلوا الموضوع فورًا. قفل الخط وبص لسلمى. ـ لازم أمشي. توترت. ـ في حاجة؟ سكت لحظة… ثم قال: ـ سامح عمل مؤتمر صحفي. قلبها وقع. وبعد أقل من ساعة كانت قاعدة قدام التلفزيون بإيدين متجمدين. سامح ظهر قدام الكاميرات بوش متعب لكنه بيحاول يمثل الثبات. وقال بصوت درامي: ـ أنا ضحية استغلال نفوذ واضح. وأنا كنت في علاقة سامة دمرتني نفسيًا. سلمى حست بالغثيان. لكنه كمل: ـ في ناس بتستخدم رجال أقوياء علشان تنتقم من ماضيها. المذيعين بدأوا يلمحوا لسلمى بشكل واضح. والسوشيال ميديا انفجرت من جديد. ناس تهاجمها. ناس تتهمها إنها “طلعت مع ملياردير علشان تنتقم”. لأول مرة الخوف رجعلها. الماضي بيكرر نفسه. نفس الإحساس إنها متحاصرة. لكن بالليل… سمعت جرس بابها. فتحت بتوتر. وكان أدهم. بدون حراسة. بدون بدلة رسمية. لابس قميص أسود بسيط، وعينيه مرهقة كأنه ما نامش. أول ما شافته همست: ـ الدنيا اتقلبت. دخل بهدوء وقفل الباب وراه. ثم قال: ـ وأنا هنا. الكلمتين كفاية يخلوا قلبها يرتجف. قالت بخوف: ـ الناس بتقول إني باستغلك. قرب منها خطوة. ـ والناس عمرها شافتك تبكي لوحدك؟ سكتت. رفع إيده ببطء… ثم لمس خدها برقة كأنه خايف يوجعها. وقال بصوت منخفض: ـ بصيلي يا سلمى. رفعت عينيها له. لأول مرة ما تهربش. قال بثبات: ـ أنا عمري ما عملت حاجة علشان حد يقولي أعملها. وجودي هنا اختياري. إنتِ اختياري. قلبها اتخبط بعنف. أنفاسها اتلخبطت. وكل الجدران اللي بنتها سنين بدأت تقع قدام نظرة واحدة صادقة. همست بخوف: ـ وإيه اللي يضمن إنك مش هتتغير؟ السؤال وجعه. واضح جدًا. لكنه ما اتضايقش. بالعكس… قرب أكتر وهمس: ـ مفيش ضمانات في الحب. بس في راجل يخليكِ تخافي من نفسك… وراجل يخليكِ تحبيها. ثم ابتسم بحزن خفيف: ـ وأنا مستعد أقضي عمري كله أصلح اللي غيري كسره جواكي. دموعها نزلت بصمت. وفجأة لأول مرة من سنين… حسّت إن حد شايفها فعلًا. مش وزنها. مش شكلها. هي. بكل خوفها وندوبها وقلبها المرهق. وفي اللحظة دي… أدهم انحنى ببطء وهمس قدام شفايفها المرتعشة: ـ قوليلي بس إنك عايزة أجرب… وأنا هحارب الدنيا كلها علشانك.
يتيع
