حسناء الشركه اسما السيد ×2

الفصل الأخير
خرجت من المكتب وأنا سامعة صوت أدهم ورايا وهو بينادي باسمي لأول مرة من سنين من غير غرور ولا أمر ولا برود، كان صوته مكسور، مخنوق، كأن الاسم اللي فضل يستخدمه طول عمره علشان يطمن نفسه إني تحت سيطرته بقى فجأة طوق نجاة، لكني ما التفتش، لأن في لحظات معينة الرجوع حتى بنظرة بيبقى ضعف، وأنا كنت دفعت تمن الضعف ده كتير، دفعت سنين من عمري وأنا ببرر له قسوته بالإرهاق، وخيانته بالصمت، وغيابه بالضغط، لحد ما صحيت على صورته في سريري مع بنت أصغر مني بتضحك كأنها كسبت تاج، وماكانتش تعرف إن التاج اللي خطفته كان مكسور من جوه من زمان، مشيت وسط القاعة بخطوات هادية، كل العيون عليا، كاميرات الصحافة كانت لسه مش فاهمة إيه اللي بيحصل، الضحك الخفيف اتبدل بهمس، والهمس اتبدل بسكون لما رجال مباحث الأموال العامة دخلوا من الباب الرئيسي ببدل رسمية ووجوه جامدة، واحد منهم قرب من أدهم اللي خرج من المكتب بعدها بثواني ووشه أبيض كأنه شاف موته بعينه، حاول يبتسم ابتسامة رجال الأعمال اللي اتدرب عليها قدام المرايات سنين، قال بهدوء مصطنع إن أكيد في سوء تفاهم، وإنه مستعد يتعاون، لكن عينه كانت بتدور عليا وسط الناس كأنه بيسألني من غير صوت: عملتيها؟ وأنا رديت عليه بنظرة واحدة: أيوه، وعملت أكتر كمان، الضابط فتح ملف في إيده وطلب منه يتفضل معاهم، وفي اللحظة دي لارا اتحركت ناحيته بسرعة، مسكت دراعه وقالت بصوت عالي ومتوتر: أدهم، قول لهم إن ده مش حقيقي، قول لهم إن دي بتنتقم منك، كل اللي موجودين سمعوها، وكل اللي موجودين فهموا، أدهم بص لها بنظرة مسمومة، النظرة اللي كان زمان بيبصهالي لما أغلط قدام حد، لكنه المرة دي ماقدرش يصرخ، لأن أي كلمة زيادة كانت هتزوده غرق، شد دراعه منها وقال ببرود قاسي: ابعدي يا لارا، وانتي مالكيش دعوة، الجملة نزلت عليها كصفعة، شفت في عينيها لحظة الإدراك، اللحظة اللي فهمت فيها إن الراجل اللي خان مراته معاها ممكن يرميها قدام أول موجة، وأنها ماكانتش حبيبته ولا ملكته ولا بدايته الجديدة، كانت مجرد أداة ضغط عليا، ولما الأداة اتكسرت، رماها، الضابط طلب من أدهم يسلّم تليفونه وساعته الإلكترونية، وهنا بدأ يتعرق، لأن الساعة دي كانت مفتاحه لكل الحسابات، حاول يقول إن فيها بيانات شخصية، لكن الضابط رد بجملة واحدة خلّت القاعة كلها تتجمد: البيانات الشخصية دي جزء من أمر التفتيش يا أستاذ أدهم، ساعتها بس عرفت إن أبويا، رغم موته، كان لسه حاميني، قبل وفاته بشهور كان قالي وأنا فاكرة الجملة دلوقتي كأنها اتقالت امبارح: يا ليلى، الراجل اللي يطلع بسرعة قوي لازم تفضلي شايفة السلم اللي طلع عليه، علشان لو قرر يرميكي منه تعرفي تنزلي على رجلك، وأنا سمعت كلامه، حفظت السلم درجة درجة، وكتبت أسماء اللي ساعدوه، واللي قبضوا منه، واللي فتحوا له أبواب غلط، واللي سكتوا، ماكانش انتقام أعمى، كان ملف كامل، ملف لو اتفتح نص البلد هتتصدم، بس أنا ما سلمتش كل حاجة مرة واحدة، سلمت الجزء اللي يكفي يوقفه، ويمنعه من سحب صلاحياتي، ويحمي الشركة من الانهيار الكامل، لأن الفرق بيني وبينه إن هو كان مستعد يحرق الكل علشان نفسه، وأنا رغم كل اللي حصل كنت لسه بفكر في الموظفين اللي بياخدوا مرتباتهم من الشركة، في البيوت المفتوحة، في الناس اللي مالهاش ذنب إنها اشتغلت تحت راجل فاسد، أدهم اتاخد من القاعة قدام الجميع، كاميرات الصحافة اشتغلت، الفلاشات ضربت في وشه من كل ناحية، الرجل اللي كان بيحب يظهر كملك الحديد والمال خرج من قصره محاط بضباط، أما لارا فوقفت في النص زي طفلة ضاعت في مول كبير، لا عارفة تلحقه، ولا عارفة تهرب، قربت مني فجأة ووشها محمر والدموع بتلمع في عينيها، قالت بصوت واطي لكنه مليان غل: إنتي دمّرتيه، بصيت لها بهدوء وقلت: لا يا لارا، أنا بس بطّلت أحميه من نفسه، فتحت بقها ترد، لكن الكلمات خانتها، يمكن لأنها عرفت إن الحقيقة أبسط وأقسى من أي شتيمة، اللي يبني بيت على كسر قلب غيره لازم يستحمل يوم السقف يقع فوقه، بعد ساعات، القصر فضي، الخدم كانوا بيلموا آثار الحفلة بصمت، كاسات الكريستال على الترابيزات، ورد مستورد بدأ يدبل، وشموع لسه بتطلع دخان خفيف، نفس المكان اللي أدهم كان ناوي يعلن فيه انتصاره عليا، بقى شاهد على سقوطه، دخلت أوضتي القديمة لأول مرة من شهور، الجناح الرئيسي، السرير اللي اتصورت عليه لارا، الملايات اتشالت، والهواء كان تقيل كأن الحيطان نفسها مكسوفة، وقفت عند الباب وماقدرتش أدخل أكتر، مش عشان موجوعة، لكن عشان المكان ده انتهى جوايا، ناديت على مدبرة البيت وقلت لها بهدوء: اقفلي الجناح ده، محدش يدخله غير لما يفضى بالكامل، كل حاجة تتشال، الأثاث، الستائر، الصور، حتى السجاد، هي بصتلي بتردد وسألت: كله يا مدام؟ قلت: كله، في بيوت لازم تتهد من جوه علشان تتنضف، طلعت بعدها لبيت الضيوف، الغريب إن المكان الصغير اللي أدهم نقلني له علشان يحسسني إني اتطردت، كان أحن عليا من القصر كله، هناك بكيت، آه بكيت، مش قدامهم، مش قدام لارا، مش قدام الضباط ولا الصحافة، بكيت لوحدي، بكيت على نسخة مني كانت بتحبه، على بنت صدقت إن الوفاء ممكن يغيّر رجل اتعود ياخد، بكيت على ليالي كنت بستنى فيها صوت عربيته، وعلى كل مرة قلت لنفسي معلش، وعلى كل مرة سامحته فيها من غير اعتذار، البكا ماكانش ضعف، كان جنازة، جنازة لزواج مات من زمان وأنا كنت رافضة أدفنه، الفجر طلع وأنا قاعدة على الأرض جنب السرير، موبايلي كان بيرن بلا توقف، صحفيين، محامين، أعضاء مجلس إدارة، أرقام مجهولة، وأخيرًا ظهر اسم واحد كنت مستنياه: المستشار محمود الراوي، محامي أبويا القديم، رديت، قال بصوت ثابت: عملتي الصح يا ليلى، بس لسه المعركة طويلة، مسحت دموعي وقلت: عارفة، قال: أدهم هيحاول يقلبها عليكي، هيقول إنك متورطة، وإنك كنتي عارفة، وإنك بتنتقمي بسبب خيانة شخصية، اتنفست ببطء وقلت: خلي يقول، معايا تواريخ، ومراسلات، وتوقيعات، ومحاضر رفضي لبعض التحويلات، ومعايا كمان نسخ من الإيميلات اللي كان بيطلب فيها يتمم الصفقات من غير علمي، صمت لحظة ثم قال: أبوكي كان هيبقى فخور بيكي، الجملة دي كسرتني أكتر من أي حاجة، لأن أبويا مات وهو خايف عليا من أدهم، وأنا كنت بزعل منه لما يلمح إن جوزي طماع، كنت أقول له: أنت ظالمه يا بابا، كان يبتسم بحزن ويقول: يا بنتي، الحب بيشوف الوش، والخبرة بتشوف الضل، وأنا شفت ضل أدهم بدري، بس قلبي اتأخر، بعد يومين، التحقيقات بدأت رسميًا، الصحف اتجننت، عناوين كبيرة عن إمبراطورية الحديدي، عن غسيل أموال، عن خيانة زوجية، عن زوجة الملياردير اللي فجّرت القنبلة، ناس قالت عليا بطلة، وناس قالت إني انتقمت، وناس قالت إني كنت مستنية اللحظة المناسبة علشان أخطف الشركة، وكنت بقرأ الكلام ده بهدوء غريب، لأن اللي يتكسر قدام نفسه مايبقاش فارق معاه يتقال عليه إيه قدام الناس، مجلس الإدارة طلب اجتماع طارئ، دخلت القاعة اللي كنت زمان بدخلها كزوجة المؤسس، المرة دي دخلتها بصفتي أكبر صاحبة صلاحيات قانونية وأقوى مالكة أسهم بعد تجميد أسهم أدهم، كل الرجالة اللي كانوا زمان يكلموه ويبصوا لي كديكور، بقوا واقفين لما دخلت، بعضهم احترام، وبعضهم خوف، الاتنين كانوا مناسبين، قعدت على الكرسي الرئيسي لأول مرة، كرسي أدهم، لمست حافته بإيدي، افتكرت كام مرة وقف وراه وقال قرارات باسمي من غير ما يرجع لي، وكام مرة ابتسمت وأنا من جوايا مكسورة، رفعت عيني وقلت: قبل ما نبدأ، أي حد في القاعة متورط في الحسابات اللي تحت التحقيق يقوم يخرج دلوقتي، في فرصة واحدة بس تنقذوا نفسكم من الفضيحة الكاملة، محدش اتحرك في الأول، وبعد دقيقة قام رجل من كبار المديرين، وبعده واحد تاني، وبعده مستشار مالي، تلاتة خرجوا ووشوشهم في الأرض، والباقي فهموا إن ليلى الحديدي مش جاية ترمم صورة زوجها، دي جاية تنظف الشركة، الاجتماع استمر خمس ساعات، قرارات فصل، تجميد حسابات، تعيين لجنة رقابة مستقلة، إبلاغ رسمي للبورصة، حماية للموظفين، وتغيير اسم المجموعة، لأن اسم الحديدي بقى ملطخ، واحد من الأعضاء سألني: وتقترحي نسميها إيه؟ بصيت من الشباك على القاهرة وهي غارقة في شمس العصر وقلت: مجموعة الراوي، باسم أبويا، اللي بدأ كل حاجة بشرف، محدش اعترض، يمكن خوف، ويمكن لأنهم عرفوا إن الحق أحيانًا بيرجع متأخر بس بيرجع واقف، بعد أسبوع، لارا ظهرت في فيديو قصير على السوشيال ميديا، مكياجها سايح ووشها شاحب، بتحاول تبرئ نفسها، قالت إن أدهم ضحك عليها، وإنه قال لها إنه منفصل عني، وإنه وعدها بالجواز، وإنها ماكانتش تعرف حاجة عن قضاياه، الناس هاجموها، والبراندات اللي كانت بتتعاقد معاها انسحبت، المجلات اللي كانت بتلمع صورتها مسحت مقالاتها، بقت وحيدة في نفس السرعة اللي لمعت بيها، وأنا ما فرحتش فيها، الغريب إني حسيت بشفقة، مش لأنها بريئة، لكن لأنها نسخة أصغر من نساء كتير صدقوا إن الرجل القوي لما يختارهم يبقى رفع قيمتهم، وماعرفوش إن الراجل اللي يخون معاك، هيخونك أول ما تبقي عبء، بعدها بيومين جتني رسالة منها، طويلة، مليانة اعتذار وانكسار، قالت إنها ندمانة، وإنها كانت فاكرة إني ست باردة وطماعة زي ما أدهم وصفني، وإنه قال لها إني ماسكاه بالفلوس والأسهم، وإنه بيحبها هي، قرأت الرسالة مرة واحدة، وما رديتش، لأن بعض الاعتذارات لا تستحق رد، يكفي إنها توصل متأخرة لتعلّم صاحبها، أما أدهم، فكان في الحبس الاحتياطي، ومحاميه حاولوا يعملوا المستحيل، طلبوا تسوية، ضغطوا على ناس، سربوا أخبار إني كنت شريكته، لكن كل ورقة طلعت ضدهم كانت أنضف من اللي قبلها، لأنني كنت حذرة من أول يوم حسيت فيه إنه بدأ يتغير، كنت بكتب ملاحظات، أحفظ نسخ، أرفض توقيعات، أسجل اجتماعات قانونية، مش لأني كنت عايزة أؤذيه، لكن لأن قلبي كان خايف وعقلي كان بيستعد، وفي يوم من الأيام طلب يقابلني، المحامي قال لي إن المقابلة ممكن تساعد في تسوية الطلاق وتقسيم الحقوق، وافقت، مش عشان أسمعه، لكن عشان أنهي آخر خيط، دخلت غرفة المقابلات، لقيته قاعد ورا الزجاج، بدلته اختفت، وساعته الفاخرة اختفت، وشعره مش مترتب، وعينه غائرة، أول ما شافني ابتسم ابتسامة صغيرة كأنه بيحاول يرجع الزمن، مسك السماعة وقال: ليلى، أنا آسف، الكلمة وقعت باردة، مش لأن الاعتذار قليل، لكن لأنه جاء بعد خراب كبير، قعدت قصاده ورفعت السماعة، قلت: على إيه بالظبط؟ سكت، قلت: آسف إنك خنتني؟ ولا إنك سرقت؟ ولا إنك حاولت تسحب صلاحياتي؟ ولا إنك نقلتني بيت الضيوف كأني غريبة؟ ولا إنك خليت بنت تبعتلي صورتها من سريري؟ عينه دمعت، يمكن لأول مرة بجد، قال: أنا ضيعت نفسي، قلت: لا، إنت ضيعتنا الأول، وبعدين ضيعت نفسك، قال بسرعة: كنت ضعيف، الفلوس غيرتني، الناس حواليّا، الضغط، أنا كنت محتاج حد يفهمني، ابتسمت بحزن وقلت: وأنا كنت إيه يا أدهم؟ حجر في الصالون؟ ثقل في الميزانية؟ ولا مجرد توقيع على الورق؟ نزل عينه وقال: كنتي أحسن حاجة في حياتي، بس أنا ماعرفتش أحافظ عليكي، هنا حسيت بوجع قديم يتحرك، بس مش علشان لسه بحبه، علشان الجملة دي كنت محتاجة أسمعها من سنين، من قبل ما تتحول لجملة ندم في مكان بارد، قلت له: أنت ماعرفتش تحافظ على نفسك حتى، مد إيده على الزجاج كأنه عايز يلمسني، قال: ممكن نبدأ من جديد؟ ضحكت، مش بسخرية، لكن من حجم الوهم، قلت: أدهم، في حاجات لما بتتكسر بتتصلح، وفي حاجات لما بتتكسر بتفضح إن أصلها كان فاضي، إحنا ماعدناش بيتكسر، إحنا اتكشفنا، سألني بصوت واطي: هتطلقي؟ قلت: أنا طلقتك من قلبي ليلة الرسالة، الورق مجرد إجراء، قفلت السماعة وقمت، فضل ينادي، لكن صوته المرة دي ماكانش طوق نجاة، كان صدى بعيد في حياة انتهت، بعد شهور، القضية اتحولت للمحكمة، وأدهم خسر كل حاجة تقريبًا، جزء من أمواله اتجمد، جزء راح لتسويات قانونية، شركاء كتير اتخلوا عنه، واللي كانوا بيصفقوا له بقوا بينكروا معرفته، أما أنا، فوقفت في مؤتمر صحفي لأول مرة من غيره، قدام خلفية جديدة مكتوب عليها مجموعة الراوي، قلت للناس إن الشركة هتستمر لكن بقواعد مختلفة، شفافية، رقابة، ومسؤولية، ماجبتش سيرته إلا قانونيًا، ولا جبت سيرة لارا، لأن الانتقام الحقيقي مش إنك تفضل تذكر اللي كسرّك، الانتقام الحقيقي إنك تبني حياة كاملة من غير اسمه، بعد المؤتمر، وأنا خارجة، صحفية شابة سألتني: مدام ليلى، هل ندمتي إنك ما واجهتيهوش من بدري؟ وقفت لحظة، بصيت للكاميرات، وقلت: أيوه، ندمت إني سامحت كتير وأنا بسميه صبر، وندمت إني سكت كتير وأنا بسميه رقي، بس ما ندمتش إني في النهاية اخترت نفسي، لأن الست لما تختار نفسها مش بتخرب بيت، هي بتنقذ روحها من بيت كان بيقع فوقها، بعدها رجعت القصر، أو بالأصح رجعت للمكان اللي كان قصر، لأني كنت قررت أبيعه، مش محتاجة جدران فخمة تشهد على إهانتي، اتباعت الفيلا بعد فترة، وجزء كبير من تمنها راح لمؤسسة باسم أمي لدعم النساء اللي محتاجين مساعدة قانونية ضد أزواج استغلوا مالهم وسلطتهم، لأنني عرفت إن مش كل ست عندها هارد مشفر ومحامي قديم وأسهم في شركة، في ستات كل اللي عندهم شنطة هدوم وطفل نايم وحساب فاضي، وكنت عايزة أكون لحد منهم الباب اللي ماكنش موجود ليا، نقلت لشقة واسعة على النيل، مش أفخم من القصر، لكنها كانت بتاعتي، كل زاوية فيها اخترتها بنفسي، مفيش سرير يحمل خيانة، مفيش جناح رئيسي اتطردت منه، مفيش بيت ضيوف اتعاقبت فيه، أول ليلة نمت فيها هناك، صحيت الفجر على ضوء هادي داخل من الشباك، وماكانش في خوف، ولا رسائل، ولا خطوات خدم بتجري، ولا صوت عربية أدهم، كان في هدوء حقيقي، هدوء بعد الحرب، وبعد سنة كاملة، في حفل خيري للمؤسسة، كنت واقفة أستقبل الحضور، لابسة فستان أزرق بسيط، وشعري سايب على كتفي، والضحكة اللي على وشي ماكانتش مصطنعة، في آخر القاعة شفت المستشار محمود ومعاه ابنه كريم، دكتور قانون اقتصادي راجع من لندن، كنت قابلته قبل كده في اجتماعات المؤسسة، رجل هادي، بيسمع أكتر ما يتكلم، عمره ما حاول يقرب زيادة ولا يستغل ضعفي، في الليلة دي قرب مني وقال: المؤسسة اللي عملتيها دي هتغير حياة ناس كتير، قلت له: أتمنى، قال: غيرت حياتك إنتِ الأول؟ بصيت حواليّا، على النساء اللي بيضحكوا، على المحاميات الشابات، على الصور اللي على الحيطان، وقلت: أيوه، لأول مرة حاسة إن الوجع كان له معنى، ابتسم وقال: تستاهلي حياة أهدى من اللي عشتيها، ما رديتش بسرعة، لأنني زمان كنت بخاف من الجمل الحلوة، بخاف تكون بداية فخ، لكنه ما ضغطش، ماطلبش وعد، ماقالش إنه هيعوضني، فقط وقف جنبي في صمت محترم، والصمت المحترم ده كان أجمل من ألف تصريح حب كاذب، بعد الحفل، وصلتني رسالة من رقم مجهول، فتحتها، كانت من أدهم، مكتوب فيها: “الحكم بكرة. مش طالب منك تسامحيني. بس عايزك تعرفي إن كل يوم هنا بفهم قد إيه كنت أعمى. خدي بالك من نفسك يا ليلى.” قريتها، وقفلت الموبايل، لا دموعي نزلت ولا قلبي اتكسر، بس حسيت بسلام غريب، لأن في يوم من الأيام كنت أتمنى رسالة واحدة منه تثبت إنه شايفني، ولما وصلت أخيرًا، كنت أنا خلاص شفت نفسي، وفي صباح اليوم التالي صدر الحكم، سنوات سجن، غرامات، ومصادرة أصول مشبوهة، الخبر انتشر في كل مكان، ناس بعتتلي تهنيني، ناس قالت العدل اتنفذ، وأنا قعدت في مكتبي أبص على صورة أبويا على الحائط، قلت له بصوت واطي: خلصت يا بابا، لكن الحقيقة إن النهاية ماكانتش في حكم المحكمة، النهاية الحقيقية كانت في اليوم اللي قدرت أدخل أوضتي الجديدة، أقفل النور، وأنام من غير ما أفتش موبايله، ومن غير ما أكره نفسي، ومن غير ما أستنى خيانة جديدة، بعد شهور، المؤسسة كبرت، الشركة استقرت، واسمي بقى يتقال لوحده من غير لقب زوجة أدهم الحديدي، بقيت ليلى الراوي، بنت أبوها، وصاحبة نفسها، وفي إحدى الندوات، وقفت سيدة بسيطة بعد ما حكيت جزءًا من تجربتي وسألتني: إزاي عرفتي إنك لازم تمشي؟ مسكت الميكروفون وقلت: لما لقيت نفسي باردة قدام أكتر حاجة المفروض تكسرني، عرفت إن قلبي كان مات جوه العلاقة من زمان، وإني مش محتاجة أنقذ الجواز، محتاجة أنقذ نفسي، القاعة صفقت، لكن أنا كنت سامعة تصفيق تاني من جوه، تصفيق النسخة القديمة مني، البنت اللي صدقت، والست اللي صبرت، والملكة اللي اتطردت من سريرها، ثم رجعت مش عشان تسترجعه، لكن عشان تقفل بابه للأبد، وفي آخر الليل، رجعت بيتي، فتحت الشباك، هوا النيل دخل بارد وناعم، حطيت كوب شاي بالنعناع على الترابيزة، وبصيت للمدينة، مكنتش وحيدة، حتى لو مفيش حد جنبي، لأن الوحدة الحقيقية مش إنك تنامي لوحدك، الوحدة إنك تنامي جنب رجل بيكسرك وتحاولي تقنعي نفسك إن ده حب، ابتسمت، ورفعت الموبايل، فتحت آخر رسالة من لارا اللي كنت ما رديتش عليها من شهور، كتبت لها أخيرًا: “اتعلمي تحبي نفسك قبل ما تصدقي إن راجل متجوز هيحبك بصدق.” ثم مسحت المحادثة كلها، وبعدها فتحت ألبوم الصور، لقيت صور قديمة ليا أنا وأدهم في أول أيام الشركة، كنا بنضحك، هدومي بسيطة، ووشه مليان حلم، فضلت أبص للصورة شوية، ثم ضغطت حذف، مش كرهًا في الماضي، لكن احترامًا للحاضر، وفي اللحظة دي فهمت إن بعض القصص لا تنتهي بزواج جديد، ولا بانتقام صاخب، ولا بدموع فوق الأطلال، بعض القصص تنتهي بامرأة واقفة قدام مرايتها، تشوف التجاعيد الصغيرة تحت عينيها، وتشوف الندبات اللي محدش شايفها، وتقول لنفسها: أنا نجوت، وأنا كفاية، وأنا لسه أستحق الحب، بعد سنة ونصف، افتتحت المؤسسة فرعًا جديدًا في الإسكندرية، وعلى لوحة الافتتاح اتكتب: “للنساء اللواتي ظنن أن الصمت نجاة… صوتك هو البداية.” وقفت قدام اللوحة وأنا ماسكة المقص الذهبي، كريم كان واقف بعيد يصفق بهدوء، ومحمود الراوي العجوز كان عينه مليانة فخر، قصيت الشريط، والناس صفقت، وأنا حسيت إن حياتي أخيرًا خرجت من ظل أدهم، في المساء، مشيت على الكورنيش لوحدي، البحر كان عالي، والهواء مليان ملح، افتكرت الرسالة الأولى، صورة لارا، ضهر أدهم، جملة “بلاش تصعّبي الموضوع”، وضحكت، لأنها فعلًا كانت بداية النهاية، بس مش نهايتي أنا، نهايته هو، وبدايتي أنا، طلعت موبايلي وكتبت في مفكرتي جملة واحدة: “لم أصرخ عندما خانني، لأنني كنت أحتاج صوتي كاملًا لأبني نفسي من جديد.” ثم قفلت الموبايل، ومشيت، لا لورايا ولا لبيته ولا لسريره ولا لاسمه، مشيت لقدامي، بخطوات هادية، ثابتة، خطوات امرأة اتكسرت مرة، لكنها لما قامت… لم تعد قابلة للكسر.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *