رجل يخشاه الجميع حكـايـات أسمـا ×3
الفصل الرابع: اسمٌ لا يريد أن يُذكر
ظلت ريم تحدق في شاشة الهاتف.
الصور أمامها.
والرسالة أسفلها.
“اسأليه عن يارا… واسأليه ليه ماتت.”
شعرت بانقباض في صدرها.
منذ أسابيع فقط كان آدم مجرد رجل غريب.
أما الآن…
فكرة أن يكون متورطًا في شيء مرعب كانت تؤلمها أكثر مما توقعت.
وضعت الهاتف جانبًا.
ثم التقطته مرة أخرى.
ثم أعادته.
كانت تحارب رغبة قوية في الاتصال به فورًا.
لكنها قررت شيئًا واحدًا.
لن تحكم عليه من رسالة مجهولة.
في الجهة الأخرى من المدينة…
كان آدم يقف أمام النافذة الزجاجية في مكتبه.
خلفه القاهرة كلها.
وأمامه ملف قديم مفتوح على الطاولة.
ملف لم يلمسه منذ سنوات.
في الصفحة الأولى صورة فتاة تبتسم.
شعر أسود طويل.
عينان واسعتان.
ونظرة مليئة بالحياة.
يارا.
دخل نادر بهدوء.
ولم يتكلم.
فقط وضع ظرفًا جديدًا فوق المكتب.
قال آدم دون أن يلتفت:
— مين اللي بعت الرسائل؟
— لسه بنتتبع المصدر.
لكن واضح إن حد قريب جدًا من العيلة.
أغلق آدم الملف ببطء.
ثم قال:
— أبويا.
تنهد نادر.
لأنه كان يعرف ذلك أيضًا.
في المساء.
وصلت ريم إلى المطعم الذي طلب آدم مقابلتها فيه.
كان مكانًا هادئًا على النيل.
بعيدًا عن الصحافة.
وبعيدًا عن الضوضاء.
رأته جالسًا في الركن المعتاد.
ينظر إلى الماء.
اقتربت.
وجلسَت.
لاحظ فورًا أنها ليست بخير.
قال:
— حصل حاجة؟
نظرت إليه مباشرة.
لأول مرة دون تردد.
ثم أخرجت هاتفها.
ووضعت الصور أمامه.
لم يتغير وجهه.
لكن عينيه فقط…
أصبحتا أكثر ظلمة.
سأل بهدوء:
— مين بعتهم؟
— مش مهم.
الصمت.
ثم همست:
— مين يارا؟
ظل ينظر إلى الصور.
ثانية.
ثانيتين.
ثم خمس ثوانٍ كاملة.
وأخيرًا رفع رأسه.
وقال:
— أول امرأة حبيتها.
شعرت ريم بأن قلبها انقبض.
رغم أنها لا تملك حق الغيرة.
ولا حق الحزن.
لكنها شعرت بهما معًا.
أكمل آدم:
— وكمان آخر امرأة حبيتها.
لم تتكلم ريم.
فأكمل بصوت هادئ:
— اتقابلنا من عشر سنين.
وقتها ماكنتش آدم السيوفي اللي الناس تعرفه دلوقتي.
كنت لسه ببني نفسي.
وكان عندي أوهام كتير.
إن الفلوس تحل كل حاجة.
إن القوة تحمي الناس اللي بنحبهم.
إن الشر بيخاف من النفوذ.
ثم ابتسم ابتسامة حزينة.
— كنت غبي.
سألته ريم:
— وهي ماتت؟
أغمض عينيه للحظة.
ثم هز رأسه.
— آه.
— إزاي؟
هنا طال الصمت.
طويلًا جدًا.
قبل أن يقول:
— بسببي.
شعرت ريم أن أنفاسها توقفت.
لكن آدم أكمل:
— كانت صحفية.
وكانت بتحقق في قضية فساد كبيرة.
طلبت مني أسيب الموضوع.
لكنها رفضت.
كانت شجاعة زيادة عن اللزوم.
وفي يوم…
وهي راجعة بيتها…
شاحنة فقدت السيطرة.
هكذا قالوا.
ابتسم بمرارة.
— لكن كلنا عرفنا إنها ما فقدتش السيطرة.
سألته ريم بصوت منخفض:
— واللي عمل كده؟
نظر إليها مباشرة.
— ما اتعاقبش.
— ليه؟
لأن الإجابة كانت واضحة في عينيه قبل أن ينطقها.
قال:
— لأنه كان أقوى من القانون.
شعرت ريم بقشعريرة.
ثم سألت السؤال الأصعب:
— والدك؟
ساد الصمت.
وهذه المرة…
لم ينكر.
شعرت ريم أن العالم حولها توقف.
كل شيء بدأ يصبح مفهومًا.
خوف الناس منه.
خوف كريم.
الرسائل المجهولة.
عودة الأب فجأة.
كل شيء.
قال آدم بهدوء:
— أبويا كان شايف إن يارا تهديد.
وهي كانت شايفة الحقيقة أهم من حياتها.
وفي النهاية…
دفعت الثمن.
ثم نظر إلى النيل.
— وأنا فشلت أحميها.
لأول مرة منذ عرفته…
رأت الألم الحقيقي في عينيه.
ليس الغضب.
ولا البرود.
ولا القوة.
الألم.
ألم رجل عاش سنوات يعاقب نفسه.
قالت ريم بصوت خافت:
— إنت مش السبب.
ضحك بسخرية.
— دي أول مرة أسمع الجملة دي.
— لأنها الحقيقة.
نظر إليها طويلًا.
ثم سأل:
— وإنتي؟
— أنا إيه؟
— مصدقاني؟
فكرت للحظات.
ثم قالت:
— لو كنت قاتل أو وحش… ماكنتش هتفضل تعاقب نفسك بعد سبع سنين.
ظل ينظر إليها.
ثم ابتسم.
ابتسامة صغيرة جدًا.
لكنها كانت حقيقية.
في نفس اللحظة…
داخل قصر السيوفي القديم.
كان والد آدم يجلس أمام شاشة كبيرة.
يشاهد تسجيل الكاميرات للمطعم.
ويراقب كل كلمة تقريبًا.
إلى جواره وقف رجل ضخم.
قال:
— البنت لسه معاه.
رد الأب ببرود:
— عارف.
— نخلص منها؟
رفع الأب نظره إليه.
وكانت نظرته مخيفة.
— لا.
مش دلوقتي.
ثم ابتسم.
ابتسامة جعلت الرجل نفسه يشعر بالتوتر.
وأضاف:
— خليها تحبه الأول.
لأن كسر القلب بعد كده بيكون أسهل.
وفي الليلة نفسها…
كانت ريم عائدة إلى منزلها.
لكن عندما فتحت باب شقتها…
تجمد الدم في عروقها.
فوق طاولة الصالة…
كانت توجد وردة سوداء واحدة.
وبجوارها ظرف أبيض.
هي متأكدة مئة بالمئة أنها لم تكن موجودة عندما غادرت.
ارتجفت أصابعها وهي تفتح الظرف.
لتجد جملة واحدة فقط مكتوبة بخط أنيق:
“ابتعدي عن آدم السيوفي… إذا كنتِ تريدين أن تعيشي.”
يتبع…
الفصل الخامس: الرسالة التي لم تكن تهديدًا فقط
تجمدت ريم في مكانها.
الظرف ما زال بين أصابعها.
والوردة السوداء فوق الطاولة.
كل شيء داخل الشقة كان مرتبًا كما تركته.
لا يوجد كسر.
لا يوجد أثر اقتحام.
لا شيء.
وهذا ما أخافها أكثر.
لأن معناه أن من دخل…
كان يعرف كيف يدخل ويخرج دون أن يترك أثرًا.
أو أن لديه مفتاحًا.
ارتجف جسدها.
وأمسكت هاتفها بسرعة.
أول اسم ظهر أمامها كان آدم.
ترددت.
ثانية.
ثانيتين.
ثم ضغطت الاتصال.
رد بعد الرنة الأولى.
وكأنه كان ينتظر مكالمتها.
— ريم؟
فور سماع صوته شعرت أن أعصابها بدأت تنهار.
قالت بصوت مرتجف:
— في حد دخل شقتي.
ساد الصمت ثانية واحدة.
ثم اختفى الهدوء من صوته تمامًا.
— اقفلي باب الشقة.
— مقفول.
— اطلعي برة حالًا.
— إيه؟
— انزلي للشارع.
دلوقتي.
من غير ما تلمسي أي حاجة تانية.
نهضت فورًا.
كانت نبرة صوته كافية لتجعلها تتحرك دون نقاش.
أغلقت الهاتف.
وأخذت حقيبتها فقط.
ثم خرجت.
بعد عشرين دقيقة.
وصلت ثلاث سيارات سوداء إلى العمارة.
واحدة تلو الأخرى.
نزل منها رجال بملابس رسمية.
ثم وصل آدم.
لأول مرة تراه بهذه الحالة.
وجهه جامد.
وعيناه باردتان بشكل مخيف.
اقترب منها.
— إنتِ كويسة؟
هزت رأسها.
لكنها لم تكن كذلك.
فلاحظ ذلك فورًا.
خلع سترته.
ووضعها فوق كتفيها.
ثم قال:
— تعالي.
صعدا إلى الشقة.
وكان الرجال قد بدأوا بالفعل تفتيش المكان.
سأل أحدهم:
— مفيش بصمات.
ولا أي أثر كسر.
رد آدم ببرود:
— كاميرا العمارة؟
— اتمسحت.
قبل أربع ساعات.
شعر الجميع بالتوتر.
إلا آدم.
لأن هدوءه كان أخطر من الغضب.
بعد نصف ساعة.
خرج الجميع.
وبقي آدم وريم وحدهما.
كانت تجلس على الأريكة.
ما زالت تحمل الورقة.
سألته:
— مين اللي عمل كده؟
نظر إليها.
ثم قال الحقيقة لأول مرة.
— غالبًا أبويا.
اتسعت عيناها.
— بتقولها كده عادي؟
— لأن دي الحقيقة.
سكت للحظة.
ثم أضاف:
— ولأنك لازم تعرفي.
جلس أمامها.
وشرح كل شيء.
كيف كانت إمبراطورية السيوفي تُدار قديمًا.
كيف بنى والده ثروته.
وكم من الأشخاص اختفوا عندما وقفوا في طريقه.
وكيف تمرد آدم عليه منذ سنوات.
وكيف انقسمت العائلة.
وكيف تحول الأب والابن إلى خصمين.
قال أخيرًا:
— المشكلة إنه لما بيعجز يوصل ليّ…
بيحاول يوصل للي حواليا.
شعرت ريم بقشعريرة.
ثم قالت:
— يبقى أنا السبب.
رفع رأسه بسرعة.
— لا.
— لو ما عرفتكش…
قاطعها فورًا.
— متكمليش.
ساد الصمت.
ثم قال بهدوء:
— عمرك ما تكوني السبب في شر شخص تاني.
لأول مرة منذ سنوات…
شعرت ريم أن أحدًا يدافع عنها فعلًا.
ليس لأنها ضعيفة.
بل لأنه يرفض أن تتحمل ذنبًا ليس ذنبها.
في صباح اليوم التالي.
استيقظت على صوت طرق عنيف على الباب.
قفز قلبها.
لكنها تذكرت أن آدم وضع حارسين أسفل العمارة.
اقتربت بحذر.
فتحت الباب.
ثم شهقت.
كان كريم.
وجهه متورم.
وشفته تنزف.
وعينه اليسرى زرقاء بالكامل.
بدا وكأنه تعرض لحادث.
قال بصوت مبحوح:
— لازم أتكلم معاكي.
تجمدت مكانها.
— إيه اللي حصلك؟
نظر خلفه بتوتر.
ثم قال:
— مش هنا.
بعد عشر دقائق.
جلسا في مقهى قريب.
وكان كريم ينظر حوله باستمرار.
كأن أحدًا يطارده.
قالت ريم:
— اتكلم.
ابتلع ريقه.
ثم قال:
— أبو آدم خطر.
— أعرف.
— لا.
إنتِ ما تعرفيش.
نظر إليها بعينين مليئتين بالخوف.
وأضاف:
— أنا اشتغلت مع واحد من شركاته زمان.
وشفت حاجات عمري ما حكيتها لحد.
شعرت ريم بالتوتر.
— زي إيه؟
خفض صوته.
— ناس اختفت.
عقود اتزورت.
وحوادث ما كانتش حوادث.
تسارعت نبضات قلبها.
لكن ما قاله بعد ذلك كان أسوأ.
— ولما عرفوا إني اتكلمت…
بعتوا ناس امبارح بالليل.
علشان كده شكلي كده.
شعرت ريم بالصدمة.
— وإنت جاي تقولي ليه؟
ضحك بمرارة.
— لأني كنت إنسان زبالة معاكي.
بس مش للدرجة دي.
ثم نظر إليها مباشرة.
— اهربي يا ريم.
قبل ما تبقي الضحية الجاية.
وفي نفس اللحظة…
على بعد كيلومترات قليلة.
كان آدم يدخل إلى مكتبه.
ليجد نادر ينتظره بوجه شاحب.
سأل فورًا:
— إيه؟
أجاب نادر:
— عندنا مشكلة.
— قول.
مد نادر ملفًا سميكًا.
وقال:
— لقينا اللي كان بيسرب أخبار ريم.
فتح آدم الملف.
ثم توقف.
لأن الصورة الأولى كانت لشخص يعرفه جيدًا.
شخص لم يره منذ سنوات.
شقيقه الأصغر…
عمر السيوفي.
الذي كان الجميع يعتقد أنه يعيش في أوروبا منذ خمس سنوات.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
عمر لم يغادر أبدًا.
وكان يعمل مع والده طوال الوقت.
والأخطر…
أن الملف احتوى على عشرات الصور لريم.
بعضها التُقط قبل أن تقابل آدم أصلًا.
قبل الحفل.
قبل كل شيء.
نظر آدم إلى نادر ببطء.
ثم قال جملة جعلت الدم يتجمد في عروق الرجل:
— هما ما اختاروش ريم بسبب علاقعتها بيا…
هما كانوا بيراقبوها من البداية.
ولأول مرة…
شعر آدم بالخوف الحقيقي.
لأن هذا يعني أن القصة كلها بدأت قبل لقائه بها بكثير.
وأن ريم قد تكون مفتاح سر أكبر بكثير من أي شخص يتخيل.
يتبع…
