عقوق ابنتي اسما السيد

لما دفعت أكتر من اتنين مليون جنيه علشان فرح بنتي، قالتلي: “متجيش عشا الليله… العشا ليلة جوزب بس.” وبعدها بأسبوع كلمتني وقالت: “إحنا محتاجين فلوس شهر العسل… حولتهم؟” رديت عليها بهدوء: “هو أنا ماقولتلكيش؟”
الليلة اللي اكتشفت فيها إني مش معزوم على عشا بروفة فرح بنتي… كنت واقف في مطبخ بيتي في التجمع، بطوي الشيك اللي لسه دافعه علشان فرحها.
الفلوس دي كانت آخر دفعة في فرح “ليان”.
أنا كنت دافع تمن القاعة، والأكل، والكوشة، والمصور، والورد، والفرقة… وكل حاجة نفسها فيها من وهي صغيرة.
كانت عايزة فرح فخم في قاعة كبيرة على النيل، بإضاءة تخليها طالعة زي الأميرات…وكل حاجة طبعًا كانت أسعارها نار.بس دفعت.
“منى”، مراتي الله يرحمها، كانت هتتمنى تشوف بنتها في اليوم ده.
الجملة دي كانت الحاجة الوحيدة اللي بصبر نفسي بيها كل ما أدفع فاتورة جديدة…منى كانت بتحب الأفراح والتجمعات…كانت تقدر تخلي أي يوم عادي مميز بشوية شموع وأغاني وضحك..بس منى ماتت من 3 سنين.
فبقيت بعمل كل حاجة… مكاني ومكانها.
قفلت الظرف واتصلت بليان أطمن إن الفلوس وصلت.
قلت: “يا حبيبتي… دفعة القاعة وصلت خلاص. كده كله تمام للسبت.”سكتت شوية.
كنت سامع ضحك ومزيكا في الخلفية… كأنهم بيحتفلوا في مكان أنا مش موجود فيه.
قالت بسرعة: “تمام يا بابا… شكرًا.”
فسألتها: “طيب عشا العيله الجمعة… أجيلكم الساعة كام؟”سكتت تاني…وفجأة دخل صوت “شريف” خطيبها.
قال: “أهلًا يا أستاذ سامح… بصراحة العشا هيكون لعيلتي بس.” قلت باستغراب: “أنا أبوها يا شريف.”
رد بهدوء مستفز: أكيد طبعًا…
حسيت الكلام تقيل على صدري…قلت: “أنا اللي هيلمك بنتي.”رد بسرعة: في الحقيقة… إحنا قررنا إن بابايا وخالتها هناء هم اللي يمشوا معاها. بما إن طنط منى مش موجودة… حسينا ده أنسب….واشيك..وقتها…
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيدوقتها… حسيت كأن حد خبطني في صدري بباب حديد واتساب فجأة. ماعرفتش أتكلم لثواني. كنت سامع صوت نفسي بس… وصوت المزيكا اللي طالعة من عندهم. المزيكا اللي واضح إنهم بيرقصوا عليها ويضحكوا وأنا واقف لوحدي في مطبخي زي الغريب. قلت بصوت طالع بالعافية: “يعني إيه أنسب؟” سكت شريف ثانية، وبعدها قال بنفس النبرة الباردة: “يا أستاذ سامح… إحنا بس عايزين الليلة تبقى راقية ومنظمة. يعني أهل العريس وأهل العروسة من نفس المستوى… وحضرتك عارف إن طنط هناء اجتماعية وعندها معارف كتير.” فهمت وقتها. فهمت كل حاجة. مش عايزيني علشان أنا مش “شيك” كفاية بالنسبة لهم. علشان أنا الراجل اللي قضى عمره شغال في المخازن والشحن والنقل لحد ما عمل فلوسه. الراجل اللي لهجته شعبية شوية، واللي لسه ساعات بيقول نكت قديمة بصوت عالي، واللي مايعرفش يمسك كوباية النبيذ بإتيكيت الناس اللي هما بقوا يحبوا يقلدوهم. لكني كنت أبوها. أنا اللي صحيت معاها وهي سخنة بالليل بعد ما أمها ماتت. أنا اللي كنت بسرّح لها شعرها قبل المدرسة وأنا ماعرفش أفرق بين التوك والإستيك. أنا اللي كنت بقف برا درس الإنجليزي ساعتين مستنيها علشان ماترجعش لوحدها. أنا اللي باعت عربيتي القديمة علشان أجيب لها أول لابتوب لما دخلت الجامعة. لكن واضح إن كل ده مابقاش كفاية. قالت ليان بسرعة كأنها خايفة أكتر من إنها زعلانة: “بابا… متكبرش الموضوع بالله عليك.” ضحكت وقتها. ضحكة صغيرة موجوعة. وقلت: “لا يا حبيبتي… ماتقلقيش. اتبسطوا.” وقفلت المكالمة بهدوء. بعدها فضلت واقف في المطبخ حوالي عشر دقايق من غير ما أتحرك. بصيت على الكرسي اللي كانت أمها بتقعد عليه، وحسيت بوجع غريب. مش وجع إهانة بس… وجع فقدان. كأن بنتي نفسها بتتبخر من إيدي واحدة واحدة. يوم العشا جه. حاولت أشغل نفسي بأي حاجة. نزلت النادي، قعدت شوية مع اتنين صحابي، لكن طول الوقت كنت بتخيلهم قاعدين على السفرة بيضحكوا ويتصوروا وأنا مش موجود. الساعة 11 بالليل، موبايلي رن. كانت ليان. رديت فورًا. صوتها كان متوتر. قالت: “إنت زعلان مني؟” سكت شوية وبعدين قلت: “لا.” قالت بسرعة: “شريف بس كان شايف إن وجود طنط هناء هيبقى أريح قدام أهله.” سألتها بهدوء: “وأنتِ؟ كنتِ شايفة إيه؟” سكتت. والسكات ساعات بيكون أوضح من أي إجابة. بعدها بأسبوع كنت قاعد في المكتب لما بعتتلي رسالة: “بابا، محتاجين نحول باقي فلوس شهر العسل النهاردة علشان الحجز.” قريت الرسالة كذا مرة. وبعدها افتكرت كل حاجة. افتكرت إني من أول ما شريف دخل حياتها وأنا بدفع وبس. الشبكة؟ أنا. العربية؟ أنا. نص تشطيب الشقة؟ أنا. الفرح؟ أنا. حتى بدلته كان فيها جزء عليا. وفي الآخر… “العشا لعيلتي بس.” لأول مرة من سنين… ما رديتش فورًا. سيبت الرسالة ساعتين. بعدها هي اتصلت. أول ما رديت قالت بعصبية: “بابا! الشركة قالت لازم التحويل النهاردة.” قلت بهدوء: “هو أنا ماقولتلكيش؟” سكتت. “أقول إيه؟” قلت وأنا باصص قدامي: “إني خلاص دفعت كل اللي عليا.” اتغير نفسها فورًا. “يعني إيه؟!” قلت: “يعني شهر العسل عليكم.” دخل صوت شريف فورًا في المكالمة: “إحنا متفقناش على كده.” ضحكت بمرارة. “إحنا؟ إحنا مين؟ أصل واضح إنكم لما كنتوا بتقسموا العيلة… ماحسبتونيش منكم.” قالت ليان بسرعة: “بابا إنت بتعايرني؟” قلبي وجعني من الجملة. أوي. قلت بهدوء: “أنا عمري ما عايرتك بحاجة. أنا بس فهمت مكاني.” صرخت: “إنت بتعاقبني علشان عشا؟!” قلت: “لا يا ليان. أنا باتعلم.” وقفلت المكالمة. بعدها بدقيقة، لقيتها بتبعت رسايل ورا بعض. “إنت محرجني قدام شريف.” “الناس كلها حاجزة.” “إنت عايز تبوظ فرحي؟” لكن أكتر رسالة وجعتني كانت: “ماما لو كانت عايشة ماكنتش هتعمل كده.” الرسالة دي كسرتني. قعدت أبص لها طويل. وبعدين قفلت الموبايل كله. يوم الفرح جه. لبست بدلتي وقعدت في أوضة النوم أبص لصورة منى. كانت صورتها وهي بتضحك في الساحل، شعرها طاير والهوا محرك الفستان. قلت بصوت واطي: “بنتنا كبرت يا منى.” وبعدها قعدت لوحدي. محدش كلمني. محدش سأل أنا جاي ولا لأ. الساعة 8 بالليل كنت لسه قاعد. وفجأة الباب خبط. فتحت. لقيت ليان واقفة بالفستان. كانت بتعيط. وراها العربية والزفة مستنياها تحت. اتصدمت لما شافتني لابس البدلة. همست: “إنت… كنت ناوي تيجي؟” ضحكت بحزن. “أنا أبو العروسة يا ليان.” دموعها نزلت أكتر. قالت: “شريف رفض ييجي ياخدك.” قلت بهدوء: “عارف.” سكتت شوية وبعدين قالت: “بس أنا مقدرتش أمشي من غير ما أشوفك.” بصيت لها. كانت شبه أمها بطريقة تخض. نفس العيون. نفس رعشة الشفايف وقت العياط. سألتها بهدوء: “إنتِ سعيدة؟” ما ردتش. وهنا قلبي اتقبض. لأن البنت اللي كانت بتحكيلي عن فرحها وهي منورة… واقفة قدامي دلوقتي مرعوبة. قالت بصوت مكسور: “شريف متضايق من موضوع الفلوس.” قلت: “ولو حولتها هيرضى؟” سكتت. فهمت الإجابة. نزلت دمعة من عينيها وهي بتقول: “هو شايف إنك بخيل.” ضحكت وقتها فعلًا. ضحكة طلعت من قهري. “بعد أكتر من اتنين مليون؟” قالت بسرعة: “أنا مش شايفة كده.” قربت منها ومسحت دموعها. “بس سكتِ.” وطت عينيها. لأول مرة تحس بالخجل مني. وفجأة سمعت صوت كلاكسات برا. شريف بيتصل عليها بعصبية. ردت. أول ما ردت سمعت صوته العالي لدرجة إني سمعته: “إنتِ واقفة عنده كل ده ليه؟ الناس مستنية!” قالت بتوتر: “دقيقتين وجاية.” لكنه صرخ: “لو أبوكي مش هيدفع شهر العسل قوليله من دلوقتي علشان مايتفضحناش!” شفت وش بنتي يتغير. كأن حد فجأة صحاها من حلم طويل. ببطء… نزلت الموبايل من على ودنها. وبصتلي. وأنا لأول مرة ماحاولتش أبرر له. ولا دافعت عنه. قلت بس: “إنتِ لسه قدامك وقت يا ليان.” شهقت: “يعني إيه؟” قلت: “يعني الجوازة اللي تبدأ بالإهانة والطمع… عمرها ما تريح.” دموعها نزلت أكتر. وفي اللحظة دي… صوت منى جه في دماغي كأنه حقيقي: “أوعى تسيبها لوحدها.” أخدت نفس طويل. وقلت: “لو عايزة تكملي… هسلمك بنفسي. ولو عايزة تمشي… هنمشي حالًا.” فضلت تبصلي ثواني طويلة. وبعدها… عملت حاجة ماكنتش متوقعها. قلعت الشبكة. حطتها في إيدي. وهمست: “أنا تعبت.” تحت، الزفة كلها كانت مستنية. لكن فوق… بنتي كانت بتنهار في حضني وهي بتعيط زي الأطفال. بعد ساعة، الفرح كله اتلغى. والناس اتصدمت. وشريف فضل يرن ويهدد ويشتم. لكن ليان ما ردتش. وبعد أيام اكتشفنا إنه كان غرقان ديون أصلًا، ومستني فلوسي يغطي بيها نفسه. وفي ليلة هادية، كنت أنا وليان قاعدين في البلكونة نشرب شاي. قالتلي وهي باصة للسما: “أنا آسفة يا بابا.” قلت بهدوء: “أنا زعلي ماكانش علشان العشا.” بصتلي. قلت: “كان علشانك… علشان حسيت إن بنتي بقت تستعر مني.” دموعها لمعت. “أنا عمري ما استعرِت منك.” ابتسمت بحزن. “بس حاولتي تبقي نسخة من ناس مش شبهنا.” سكتت شوية وبعدين ضحكت وسط دموعها. “ماما كانت هتزعقلي أوي.” ضحكت أنا كمان. “دي كانت هتضرب شريف بالشبشب غالبًا.” ولأول مرة من شهور… ضحكت ليان من قلبها فعلًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *