طفلي حكايات روماني مكرم كامله
ابني ومراته طلبوا مني أقعد مع طفلهم اللي عنده شهرين بس، لحد ما ينزلوا يشتروا شوية حاجات.
لكن مهما شلته أو حاولت أهدّيه… كان بيعيّط بشكل مش طبيعي.
حسّيت فورًا إن في حاجة غلط.
لما رفعت هدومه علشان أبص على الحفاضة… اتجمّدت مكاني.
كان في حاجة هناك… حاجة ما تتوصفش.
إيدي كانت بتترعش. شلته وجريت بيه فورًا على المستشفى.”
ابني أحمد ومراته سارة كانوا لسه بقالهم شهرين بس بقى عندهم طفل. زي أغلب الأهالي اللي بيبقوا أول مرة يخلفوا، كانوا باين عليهم الإرهاق طول الوقت.
سارة كان تحت عينيها هالات سودة، وأحمد ابتسامته بقت قليلة عن زمان.
بس برضه كانوا باين عليهم الفخر بطفلهم الصغير يوسف.
في صباح يوم سبت، طلبوا مني خدمة بسيطة.
قال أحمد وهو بيلبس الجاكيت:
“يا أمي، ممكن تقعدي مع يوسف ساعة ولا ساعتين؟ إحنا هننزل المول شوية… سارة محتاجة تجيب شوية حاجات.”
حكايات رومانى مكرم
قلت له فورًا:
“طبعًا يا حبيبي. انزلوا غيروا جو شوية… وأنا هبقى مع حفيدي.”
سارة باست جبين يوسف، وحطّته بهدوء في حضني.
كان دافئ وناعم… وريحتُه ريحة البيبيهات اللي تريح القلب.
لحظة كده حسّيت إن الدنيا هادية وجميلة.
لكن أول ما الباب اتقفل وراهم…
يوسف بدأ يعيّط.
في الأول كان عياط عادي بتاع طفل صغير.
حضنته ودندنت له الأغنية اللي كنت بغنيها لأحمد وهو صغير.
لقيت الببرونة اللي سارة سايباها وسخنتها له بالراحة.
لكن يوسف رفض يشرب.
العياط بدأ يعلى… ويعلى…
بقى حاد وغريب.
مش عياط طفل جعان…
كان عياط فيه خوف… وألم.
مشيت بيه في الصالة وهزّيته بالراحة وربّت على ضهره.
وشه بقى أحمر قوي، وإيده الصغيرة اتقبضت.
كان بيعيّط لدرجة إنه مش عارف ياخد نفسه.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
أنا ربيت عيال… وقعدت مع أطفال كتير.
وعارفة كويس إن العياط ده مش طبيعي.
قلت له وأنا صوتي بيتهز:
“ششش… يا حبيبي… مالك بس؟”
العياط زاد أكتر…
وجسمه الصغير بدأ يرتعش في حضني.
فجأة قوس ضهره وطلع صرخة خلت الدم يجمد في عروقي.
ساعتها قررت أبص على الحفاضة.
قلت له وأنا بحاول أهدّي نفسي:
“يمكن الحفاضة مضايقاك بس.”
حكايات رومانى مكرم
حطيته على السرير وفكيت السوستة بتاعة هدومه.
في الأول إيدي كانت ثابتة…
لكن أول ما رفعت القماش…
اتجمدت.
كان في علامة غامقة ومتورمة فوق الحفاضة… تحت بطنه.
مش طفح جلدي.
ومش وحمة.
كانت كدمة.
كدمة بنفسجي غامق…
وشكلها كأنها بصمات صوابع.
حسّيت دمي بيغلي.
إيدي كانت بتترعش لدرجة إني كنت هوقع الحفاضة من إيدي.
وفي دماغي كلمة واحدة بتتكرر:
حد أذاه.
يوسف عيط تاني بعنف…
وصوته رجّعني للواقع.
من غير ما أتردد لحظة…
لفّيته في بطانية، وشلته وجريت على عربيتي.
ما اتصلتش بأحمد.
ولا حتى بسارة…الكاتب_رومانى_مكرم
جريت بيه على طول على أقرب مستشفى…
وبدعّي من قلبي أكون غلطانة…
لكن جوايا خوف رهيب إني مش غلطانة.
باقى القصه كامله للنهايه فى التعليقات
وصلت المستشفى وأنا تقريبًا مش حاسة برجليا. يوسف كان لسه بيعيّط بنفس الطريقة اللي كانت بتقطع قلبي، وكل ما العربية تهتز كان يصرخ أكتر كأن الألم بيزيد عليه. دخلت الطوارئ وأنا شايله ووشي كله دموع وخوف، والممرضة أول ما شافت حالتي أخدته مني بسرعة وهي بتنادي على الدكتور.
“الطفل عنده إيه؟”
ماعرفتش أرد.
كنت ببص على البطانية الصغيرة الملفوف فيها… وحاسة إن نفسي بيتسحب مني.
بعد دقايق طويلة جدًا بالنسبة لي، خرج الدكتور من أوضة الكشف وطلب مني أدخل. يوسف كان نايم أخيرًا بعد ما ادوله مسكن خفيف، لكن وشه كان أحمر من كتر العياط.
الدكتور بصلي وسأل: “حضرتك الجدة؟”
هزيت راسي.
قال بهدوء: “مين كان مع الطفل قبل ما يجي هنا؟”
بلعت ريقي بصعوبة وقلت: “أبوه وأمه.”
سكت شوية وبعدين قال: “فيه التهاب شديد جدًا حوالين المنطقة دي… والكدمة اللي حضرتك شوفتيها شكلها نتيجة ضغط قوي أثناء تغيير الحفاضة أو التنضيف.”
قلبي دق بعنف.
قلت بسرعة: “يعني حد ضربه؟”
الدكتور هز راسه بالنفي: “مش شرط. أوقات الأهالي الجداد بيبقوا متوترين جدًا مع الطفل، خصوصًا لو بيعيط باستمرار. الضغط الغلط أو المسك بعنف من غير قصد ممكن يعمل كده.”
لكن رغم كلامه… كان في حاجة جوايا مش مرتاحة.
سألته: “والالتهاب؟”
فتح الملف وقال: “واضح إن الطفل عنده حساسية حادة من نوع كريم أو مناديل مستخدمة له. الجلد متسلخ تقريبًا.”
حطيت إيدي على بقي وأنا حاسة بغثيان.
في اللحظة دي باب الطوارئ اتفتح بعنف.
أحمد دخل أول واحد.
وشه كان مرعوب بشكل عمري ما شفته عليه.
أول ما شافني قال: “يوسف فين؟!”
وراها سارة دخلت وهي شبه منهارة: “ماما… هو كويس؟!”
ماعرفتش أتكلم.
الدكتور طلب منهم يدخلوا معاه.
وقعدت أنا برا.
لكن الأصوات كانت عالية.
سارة كانت بتعيط بطريقة هستيرية: “والله كنت بحاول! هو بقى يعيط طول الوقت! ماعادش بينام! ماعادش بيرضع!”
وأحمد صوته كان مليان غضب وخوف: “ليه ماقولتيليش إن جسمه بقى كده؟!”
“قولتلك! بس إنت كنت بتقول إنه مغص!”
بعدها سكتوا فجأة.
وبعدين سمعت الدكتور يقول جملة خلت قلبي يقف: “الطفل عنده كسر بسيط جدًا في أعلى الفخذ.”
جسمي كله تلج.
أحمد قال بصدمة: “إيه؟!”
الدكتور رد: “واضح إنه حصل أثناء مسكه أو تغييره بعنف.”
سارة بدأت تصرخ: “لا! لا! أنا معملتش كده! والله ما عملت!”
خرج أحمد بعدها بدقايق.
كان باين عليه الضياع.
قعد جنبي وقال بصوت مبحوح: “الدكتور عايز يبلغ حماية الطفل.”
بصيتله بصدمة.
قال بسرعة: “إجراء روتيني… علشان الكدمة والكسر.”
حسيت الدنيا بتلف بيا.
سارة خرجت بعدها وهي بتترعش بالكامل. أول ما شافتني انهارت في حضني: “أنا مش وحشة… والله ما قصدت أذيه.”
حضنتها لكن جوايا خوف.
خوف من إن تكون بتقول الحقيقة… وخوف أكبر من إنها ماتكونش.
الأيام اللي بعد كده كانت جحيم.
حماية الطفل حققت معاهم.
الدكاترة كشفوا على يوسف بالكامل.
وأحمد بقى بينهار يوم عن يوم.
كان بيحب ابنه بشكل واضح، لكن الإرهاق وعدم النوم كانوا محولين البيت لساحة حرب.
سارة تقريبًا ماكنتش بتنام أكتر من ساعة متواصلة.
ويوسف كان طفل صعب جدًا.
عياط مستمر… مغص… حساسية… رفض رضاعة.
وفي نص كل ده، بدأت ألاحظ حاجة مرعبة في سارة.
كانت بتخاف تشيله.
كل ما يوسف يعيط، جسمها يتجمد.
إيديها ترتعش.
مرة دخلت عليهم لقيتها قاعدة على الأرض وبتعيط وهو بيصرخ في السرير.
أول ما شافتني قالت: “خديه… بالله عليكي خديه… أنا مش قادرة.”
شلت يوسف بسرعة وهدّيته.
وأنا ببص عليها فهمت لأول مرة إن الموضوع أكبر من مجرد تعب.
البنت كانت بتغرق.
بعد يومين، الدكتورة النفسية اللي تابعة للمستشفى طلبت تقابل سارة.
وبعد الجلسة، طلبت تقابلنا كلنا.
قالت بهدوء: “سارة عندها اكتئاب ما بعد الولادة بشكل شديد.”
أحمد بص لها بعدم استيعاب: “يعني إيه؟”
قالت: “يعني هي منهارة نفسيًا… وعندها نوبات غضب وخوف وفقدان سيطرة. أوقات الأم بتحس إنها محبوسة ومش قادرة تتنفس من ضغط الطفل المستمر.”
سارة كانت قاعدة تبكي في صمت.
وقالت بصوت مكسور: “مرة وهو بيعيط… حسيت إني عايزة أصرخ فيه بس يسكت… مسكته جامد شوية… وبعدها فضل يعيط أكتر.”
قلبي وجعني عليها رغم الرعب اللي حسّيته.
لأن اللي قدامي ماكانتش أم شريرة.
كانت إنسانة بتنهار ببطء… ومحدش لاحظ.
أحمد بدأ يعيط هو كمان لأول مرة.
قال: “أنا كنت فاكر إننا لازم نستحمل لوحدنا… فاكر إن ده الطبيعي.”
الدكتورة قالت بحزم: “وده أكبر غلط. الأهل الجداد محتاجين دعم حقيقي.”
من اليوم ده، حياتهم اتغيرت.
أحمد أخد إجازة طويلة من الشغل.
وأنا بقيت أروح لهم كل يوم.
وسارة بدأت علاج نفسي وجلسات دعم.
في البداية كانت بتخاف حتى تبص ليوسف.
كل ما تسمع عياطه تتوتر.
لكن واحدة واحدة بدأت ترجع.
أول مرة ضحك لها فيها بعد شهور… قعدت تعيط نص ساعة.
كانت تبوس إيده الصغيرة وتقول: “أنا آسفة يا حبيبي… آسفة.”
ومع الوقت يوسف بقى أحسن.
الكسر خف.
والالتهاب اختفى.
والبيت اللي كان مليان صريخ وخوف بدأ يرجع فيه صوت ضحك.
لكن عمري ما نسيت اليوم ده.
ولا الصرخة اللي طلعت من يوسف في حضني.
ولا الرعب اللي حسّيته وأنا فاكرة إن حفيدي بيتأذى.
وفي ليلة بعد شهور، كنت قاعدة مع سارة في البلكونة ويوسف نايم جوه.
بصتلي وقالت: “إنتِ كنتي خايفة مني صح؟”
سكت شوية.
ثم قلت الحقيقة: “أيوه.”
نزلت عينيها بحزن.
فكملت وأنا ماسكة إيديها: “بس كنت خايفة عليكي إنتِ كمان.”
دموعها نزلت فورًا.
وقالت: “أنا كنت حاسة إني وحش… وحاسة إني فاشلة.”
قلت لها: “الأم الفاشلة عمرها ما تنهار خوفًا إنها تكون أذت ابنها. الأم الفاشلة ما تطلبش مساعدة.”
فضلت ساكتة شوية، وبعدها قالت: “أنا لو كنت لوحدي… كان ممكن يحصل أسوأ من كده.”
بصيت لجوه البيت.
يوسف كان نايم بهدوء لأول مرة من شهور.
وقلت: “علشان كده محدش لازم يربي طفل لوحده.”
ومن يومها، بقيت كل ما أشوف أم جديدة بعنيها الهالات السودة دي… أقولها نفس الجملة:
“التعب مش عيب… والخوف مش عيب… بس السكوت هو اللي ممكن يقتل.”بعد الليلة دي، بقيت أروح بيت أحمد وسارة تقريبًا كل يوم. في البداية كنت بقول لنفسي إني رايحة علشان يوسف… علشان أساعدهم مع الرضاعة والحفاضات والنوم المتقطع، لكن الحقيقة إني كنت رايحة علشان أراقب.
كنت بخاف أسيب الطفل معاهم لوحدهم.
الخوف دخل قلبي بطريقة ماعرفتش أطلعها بسهولة.
كل مرة يوسف يعيط فيها، عيني كانت تروح لسارة تلقائي.
أراقب إيديها.
نظراتها.
طريقة شيلها له.
وهي كانت حاسة بده.
كنت أشوف الوجع في عينيها كل مرة تلاحظ إني متوترة منها.
لكن ولا مرة اشتكت.
ولا مرة قالتلي ابعدي.
يمكن لأنها جواها كانت خايفة من نفسها هي كمان.
في يوم دخلت المطبخ لقيتها واقفة قدام الحوض، وشها شاحب بشكل خوّفني.
قلت: “مالك يا سارة؟”
ردت بصوت ضعيف: “ما نمتش غير ساعة.”
بصيت عليها كويس.
شعرها مربوط بعشوائية، هدومها عليها آثار لبن الأطفال، وإيديها بترتعش وهي بتحاول تعمل قهوة.
فجأة حطت الكوباية على الرخامة بعنف وغطت وشها بإيديها.
“أنا تعبت.”
الجملة خرجت منها كأنها اعتراف.
قربت منها بهدوء.
قالت وهي بتبكي: “بحبه والله… بس ساعات لما يفضل يعيط بحس إني مخنوقة… بحس إني عايزة أجري وأسيبه.”
حضنتها.
فاكرة إني زمان بعد ولادة أحمد، حسّيت بنفس الاختناق ده مرة.
لكن الفرق إن زمان ماحدش كان بيسأل الست عاملة إيه.
كانوا بس يسألوا: “البيبي كويس؟”
أما الأم… محدش كان يهتم إذا كانت بتنهار أو لا.
قلت لها بهدوء: “كل الأمهات بيتعبوا.”
هزت راسها بسرعة: “لا… مش بالشكل ده. أنا ساعات ببص لنفسي في المراية ومابعرفش أنا مين.”
في اللحظة دي دخل أحمد.
كان راجع من الصيدلية وشايل أكياس حفاضات وأدوية.
أول ما شافها بتعيط، ملامحه اتشدت فورًا.
ساب الحاجة وقرب منها: “فيه إيه؟”
لكن سارة بعدت عنه فجأة.
“سيبني شوية.”
أحمد بصلي بحيرة.
ولأول مرة لاحظت إنه هو كمان بيتغير.
الهالات تحت عينيه بقت أغمق.
وعصبيته بقت أسرع.
والبيت كله بقى متوتر.
يوسف ماكانش بينام أكتر من ساعة متواصلة.
وكل ما ينام… كانوا هما الاتنين يفضلوا صاحيين خايفين يصحى.
في ليلة حوالي الساعة تلاتة الفجر، تليفوني رن.
كان أحمد.
صوته كان غريب.
“يا أمي… تعالي بسرعة.”
قلبي وقع.
وصلت في عشر دقايق تقريبًا.
أول ما دخلت، سمعت يوسف بيصرخ.
وسارة قاعدة على الأرض في الركنة، ضامة رجليها لصدرها وبتترعش.
أما أحمد فكان شايل يوسف بعصبية واضحة.
أول ما شافني قال: “خديه مني.”
أخدت الطفل بسرعة.
كان بيعيط بعنف.
بصيت لأحمد.
وشه كان أحمر وعينيه مليانة دموع وغضب.
قال بصوت مبحوح: “أنا مش قادر.”
كانت أول مرة أشوف ابني بالشكل ده.
أحمد اللي طول عمره هادي ومسؤول… واقف قدامي شبه طفل ضايع.
قعد على الكنبة وحط راسه بين إيديه.
“بقالي يومين مانمتش… كل ما يعيط بحس إن عقلي هيقف.”
سارة رفعت عينيها فجأة وقالت بانهيار: “شايف؟! مش أنا بس! أنا قولتلك!”
وفجأة بدأوا يزعقوا هما الاتنين.
مش خناقة عادية.
دي كانت خناقة ناس منهارة.
“إنتِ طول الوقت بتعيطي!”
“وأنت طول الوقت بتسيبني لوحدي!”
“أنا بشتغل علشانكم!”
“وأنا بموت هنا لوحدي!”
يوسف فضل يعيط أكتر وسط صوتهم العالي.
صرخت فيهم فجأة: “بس!”
الاتنين سكتوا فورًا.
بصيت لهم وأنا شايلة الطفل.
وقلت: “إنتوا الاتنين تعبانين… ولو فضلتوا تكابروا هتدمروا نفسكم والولد.”
الصمت ملي المكان.
بعدها أخدت يوسف عندي يوم كامل لأول مرة.
قلت لهم يناموا.
بس يناموا وبس.
ولما رجعت تاني يوم، لقيت حاجة غريبة.
البيت هادي.
وسارة نايمة جنب يوسف وهي حاضناه.
وأحمد صاحي بيبصلهم.
أول ما شافني ابتسم ابتسامة صغيرة لأول مرة من شهور.
وقال: “نمنا ١٢ ساعة.”
ضحكت رغم التعب.
ومن اليوم ده بدأنا نعمل نظام.
أنا كنت أبات معاهم يومين في الأسبوع.
وأخت سارة بقت تيجي تساعد أوقات.
وأحمد بدأ يشتغل من البيت.
لكن رغم كده… في حاجة كانت لسه غلط.
سارة كانت بتخاف من نفسها.
مرة لقيتها بتبص ليوسف وهو بيعيط بنظرة خوفتني.
مش كره…
لكن رعب.
كأنها خايفة تعمل فيه حاجة.
أخدتني على جنب بعدها وقالت: “في أفكار وحشة بتيجيلي.”
اتجمدت مكاني.
قالت بسرعة وهي بتعيط: “مش عايزة أعملها! والله مش عايزة! بس فجأة وأنا شايلة يوسف… ييجي في دماغي إني ممكن أرميه أو أخبطه.”
حضنتها فورًا.
لأن الدكتورة كانت حكتلي قبل كده عن الأفكار الاقتحامية.
الأفكار اللي تيجي للأم غصب عنها وتخوفها من نفسها.
لكن سارة كانت مقتنعة إنها وحش.
قلت لها: “طالما خايفة من الأفكار دي… يبقى عمرك ما هتنفذيها.”
بصتلي بعدم تصديق.
فكملت: “الإنسان المؤذي الحقيقي ما بيخافش من نفسه.”
بكت أكتر.
وفي الجلسات النفسية بعد كده، عرفنا إن اللي عندها مش بس اكتئاب ما بعد الولادة… لكن كمان قلق حاد وأفكار قهرية.
كانت مرعوبة طول الوقت إن يوسف يموت.
لو نام زيادة تخاف يكون نفسه وقف.
لو سكت فجأة تقوم تصحيه.
لو عيط تفتكر إنه بيتألم.
وعقلها بقى محبوس في دائرة رعب ما بتخلصش.
أحمد هو كمان بدأ جلسات دعم للآباء.
وفي مرة رجع من الجلسة وقعد جنبي في المطبخ.
قال: “عارفة أكتر حاجة كسرتني؟”
بصيتله.
قال: “لما الدكتور قال إن الرجالة كمان ممكن يجيلهم اكتئاب بعد الولادة.”
ضحكت بخفة: “وإنت افتكرت نفسك سوبرمان؟”
ابتسم لأول مرة بصدق.
ثم قال: “أنا كنت فاكر إني لازم أصلح كل حاجة لوحدي.”
بصيتله بحنان.
ابني اللي كنت بشيله طفل… بقى أب مرهق وخايف ومكسور.
والحياة فجأة بقت أكبر من قدرته.
بعد شهور، يوسف بدأ يكبر شوية.
ابتسامته بقت أوضح.
وعياطه خف.
وفي يوم كنت قاعدة بلعبه، ضحك بصوت عالي لأول مرة.
الصوت ملّى البيت كله.
سارة وقفت تبصله كأنها سامعة معجزة.
ثم فجأة قعدت على الأرض وانهارت من البكاء.
حضنته وهي بتضحك وتعيط: “ضحك… يا ماما سمعتي؟ ضحك!”
وفي اللحظة دي عرفت قد إيه كانت عايشة في ظلام.
لأن مجرد ضحكة صغيرة من طفلها رجعتها للحياة.
مرت سنة.
يوسف بقى يمشي خطواته الأولى.
والبيت رجع فيه روح.
لكن أثر اللي حصل ما اختفاش بالكامل.
مرة كنت قاعدة مع سارة وهي بترتب ألعاب يوسف.
قالت فجأة: “إنتِ عمرك كرهتيني؟”
استغربت السؤال.
قالت وهي بتبص للأرض: “بعد اللي حصل.”
سكت شوية.
ثم قلت بصراحة: “خفت منك… أيوه.”
دموعها لمعت فورًا.
لكن كملت: “بس عمري ما كرهتك.”
رفعت عينيها لي.
فقلت: “لأني شوفت بعيني إنك كنتي بتغرقي… ومحدش مدلك إيده غير متأخر.”
فضلت ساكتة.
ثم همست: “أنا كنت قريبة أضيع.”
مسكت إيديها وقلت: “بس ما ضيعتيش نفسك… ولا ابنك.”
بعدها بفترة، سارة بدأت تساعد أمهات تانيين أونلاين.
كانت تدخل جروبات الأمهات الجداد وتتكلم بصراحة عن اكتئاب ما بعد الولادة.
ناس كتير هاجموها.
قالولها: “إزاي أم تقول إنها خافت من ابنها؟”
لكن أمهات أكتر كانوا بيبعتولها في السر: “إحنا حاسين بنفس الشيء.”
وفي يوم لقيتها منزلة صورة ليها مع يوسف وكتبة: “الأمومة مش دايمًا وردي. أوقات بتكون خوف وتعب وانهيار… والمساعدة مش عيب.”
وقتها حسّيت بفخر بيها بشكل ما توقعتهوش.
البنت اللي كانت مرعوبة تشيل ابنها… بقت بتنقذ أمهات تانيين من إنهم يغرقوا لوحدهم.
أما أنا…
فبقيت كل ما أسمع طفل بيعيط بطريقة غريبة، قلبي يتقبض.
لكن بقيت أفهم حاجة مهمة.
مش كل جرح وراه وحش.
أوقات بيكون وراه إنسان تعبان لدرجة إنه ماعادش عارف يطلب النجدة.
وفي عيد ميلاد يوسف التاني، البيت كان مليان ناس وضحك وتورتة.
يوسف كان بيجري ورا أبوه وهو بيضحك بصوت عالي.
وسارة واقفة تبصله بعين مليانة حب وخوف خفيف لسه ما اختفاش.
قربت مني وقالت: “فاكرة يوم المستشفى؟”
هزيت راسي.
ابتسمت بحزن: “كل يوم بصحى وأفتكره.”
قلت لها: “المهم إنك صحيتي منه.”
في اللحظة دي يوسف جري علينا ورمى نفسه في حضن أمه.
حضنته بقوة وباست راسه.
أما أنا فبصيت عليهم وحمدت ربنا إن النهاية ماكنتش أسوأ.
لأن ساعات… النجاة بتبدأ من لحظة رعب واحدة تخلي الكل أخيرًا يعترف إنه محتاج مساعدة.
تمت