اغماء حكايات اسما ×3

الفصل الخامس

 

فضلت أبص لسيف وأنا مش مستوعبة.

 

“بابا… مستنينا؟”

 

هز رأسه.

 

“أيوه.”

 

“هو فين؟”

 

بص لأمي.

 

“دلوقتي ينفع نقول.”

 

تنهدت أمي وقالت:

 

“المكان اللي مستخبي فيه بعيد عن المدينة.”

 

“في مزرعة قديمة.”

 

“كان صاحبها أعز أصحاب أبوكي.”

 

ركبنا ثلاث عربيات.

 

الطريق كان مظلم.

 

والمطر رجع ينزل من جديد.

 

ولا حد فينا كان بيتكلم.

 

كل واحد غرقان في أفكاره.

 

أنا…

 

كنت خايفة.

 

بعد عشرين سنة…

 

هشوف أبويا.

 

لكن يا ترى هيكون فاكرني؟

 

وهل هعرف أقبله؟

 

ولا هعاتبه؟

 

ولا هعيط بس؟

 

بعد حوالي ساعتين…

 

وقف الموكب قدام مزرعة مهجورة.

 

سيف نزل الأول.

 

وبعدين بص لرجال الحراسة.

 

“فتشوا المكان.”

 

انتشروا في كل اتجاه.

 

بعد دقائق…

 

رفع أحدهم إيده.

 

“المكان آمن.”

 

دخلنا.

 

كان البيت بسيط جدًا.

 

أثاثه قديم.

 

وريحة الخشب ماليه المكان.

 

لكن أكتر حاجة شدتني…

 

كرسي هزاز قديم جنب الشباك.

 

كان عليه بطانية.

 

وكوب شاي لسه دافي.

 

يعني…

 

كان فيه حد هنا من دقائق.

 

جريت في البيت وأنا بنادي:

 

“بابا…”

 

“بابا…”

 

محدش رد.

 

لفيت على كل الأوض.

 

فاضية.

 

رجعت للصالة.

 

لقيت سيف واقف قدام صورة قديمة معلقة على الحائط.

 

كانت الصورة لأبويا…

 

وهو شاب.

 

وجنبه سيف.

 

وأمي.

 

واضح إنهم كانوا أصحاب من زمان.

 

سألت أمي:

 

“الصورة دي إمتى؟”

 

ابتسمت وسط دموعها.

 

“قبل ما تتولدي بسنة.”

 

وقبل ما تكمل…

 

سمعنا صوت باب بيتقفل برا.

 

جرينا كلنا.

 

لكن ماكانش فيه حد.

 

غير جهاز تسجيل صغير محطوط على الكرسي.

 

سيف شغله.

 

وطلع صوت أبويا.

 

“لو بتسمعوا الرسالة دي…”

 

“يبقى أنا خرجت قبل ما توصلوا بدقائق.”

 

دموعي نزلت.

 

كمل صوته:

 

“آسف يا ليلى.”

 

“أعرف إني حرمتك من أب.”

 

“لكن كان عندي اختيارين.”

 

“إما أختفي…”

 

“أو أدفنك بإيدي.”

 

سكت لحظة.

 

ثم قال:

 

“الناس اللي ورا كل ده… لسه ما انتهوش.”

 

“ولحد ما أضمن إنك بقيتي في أمان…”

 

“مش هقدر أقابلك.”

 

صرخت:

 

“لا!”

 

“كفاية.”

 

“أنا تعبت.”

 

لكن التسجيل كان مكمل.

 

“يا بنتي…”

 

“أنا كنت بشوفك.”

 

“كل سنة.”

 

“كل عيد ميلاد.”

 

“وأول يوم جامعة.”

 

“وأول يوم شغل.”

 

“حتى اليوم اللي أغمي عليكي فيه تحت المطر…”

 

بصيت لسيف بسرعة.

 

أبويا قال:

 

“أنا اللي بلغت سيف يراقبك.”

 

لفيت ناحية سيف.

 

“يعني…”

 

قال بهدوء:

 

“أبوكي كان معانا طول الوقت.”

 

رجع صوت التسجيل.

 

“ولو إنتِ سامحتيني…”

 

“هتلاقيني في المكان اللي كنت باخدك فيه وإنتِ صغيرة.”

 

ثم انتهى التسجيل.

 

استغربت.

 

“مكان إيه؟”

 

أمي ابتسمت لأول مرة.

 

وقالت:

 

“البحيرة.”

 

“كل يوم جمعة كان أبوكي ياخدك هناك.”

 

ركبنا العربيات مرة تانية.

 

وصلنا قبل شروق الشمس.

 

كانت البحيرة هادية.

 

والضباب مغطي كل حاجة.

 

نزلت أجري.

 

وبعدين…

 

شفت راجل واقف بعيد.

 

ضهره لينا.

 

شعره كله أبيض.

 

واقف يبص للمية.

 

همست:

 

“…بابا؟”

 

وقف مكانه.

 

إيده بدأت ترتعش.

 

لف ببطء.

 

ولما عيوننا اتقابلت…

 

عرفته.

 

رغم السنين.

 

رغم التجاعيد.

 

كان هو.

 

جريت عليه من غير تفكير.

 

ولأول مرة من عشرين سنة…

 

حضنت أبويا.

 

فضل يبكي وهو ماسكني.

 

وقال:

 

“سامحيني يا بنتي…”

 

بكيت وأنا بضحك.

 

وقلت:

 

“أنا كنت محتاجة الحضن ده من زمان.”

 

وقف سيف بعيد.

 

مبتسم في هدوء.

 

أبويا بص له.

 

وقال:

 

“وفيت بوعدك.”

 

ابتسم سيف.

 

“وعدتك كانت أمانة.”

 

لكن قبل ما تكتمل اللحظة…

 

رن هاتف سيف.

 

رد.

 

واستمع لثوانٍ.

 

ثم اختفت ابتسامته.

 

نظر إلى أبي مباشرة وقال:

 

“لقينا الاسم.”

 

سأله أبي بقلق:

 

“أي اسم؟”

 

أجاب سيف بصوت منخفض:

 

“اسم الشخص الحقيقي اللي كان بيدير كل اللي حصل من عشرين سنة…”

 

ثم أضاف وهو ينظر نحوي:

 

“والمفاجأة… إنه شخص إنتِ تعرفيه كويس.”

الفصل السادس

 

ساد الصمت.

 

بصيت لسيف.

 

ثم لأبويا.

 

وقلت بصوت مرتعش:

 

“مين؟”

 

سيف ما ردش على طول.

 

كان باصص لأبويا.

 

وكأنه مستني منه الإذن.

 

لكن أبويا غمض عينه وقال:

 

“قول.”

 

تنهد سيف.

 

وقال بهدوء:

 

“الاسم… فؤاد الجندي.”

 

اتجمدت مكاني.

 

“مستحيل.”

 

فؤاد الجندي…

 

كان صاحب الشركة اللي كنت بشتغل فيها.

 

الراجل اللي كان الموظفين كلهم بيحلفوا بأخلاقه.

 

واللي لما مرضت من يومين بنفسه نزل من مكتبه وسأل المدير عني.

 

افتكرت كلام المدير.

 

“ما ترجعيش الشغل غير لما تبقي خفيتي.”

 

وقتها افتكرته اهتمام.

 

لكن دلوقتي…

 

كل كلمة بقت ليها معنى تاني.

 

قلت بسرعة:

 

“إنت أكيد غلطان.”

 

فتح سيف التابلت اللي معاه.

 

وعرض عليا صور قديمة.

 

أول صورة…

 

فؤاد.

 

وأبويا.

 

وسيف.

 

كانوا واقفين مع بعض.

 

واضح إنها من أكتر من عشرين سنة.

 

الصورة التانية…

 

اجتماع داخل شركة.

 

الصورة التالتة…

 

ورقة تأسيس.

 

وفي آخر الورقة…

 

توقيع أبويا.

 

وتوقيع فؤاد.

 

قال أبويا بصوت متعب:

 

“إحنا التلاتة بدأنا الشركة سوا.”

 

بصيت له بدهشة.

 

“يعني هو كان شريكك؟”

 

هز رأسه.

 

“وأخويا قبل ما يكون شريكي.”

 

شهقت.

 

“أخو حضرتك؟”

 

أمي نزلت دموعها.

 

وقالت:

 

“أيوه.”

 

“فؤاد عمك.”

 

حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجليا.

 

عمري كله…

 

كنت فاكرة إن مليش عم ولا عيلة.

 

وأطلع طول الوقت عندي عم…

 

وكان قريب مني.

 

بل…

 

كان مدير الشركة اللي بشتغل فيها.

 

افتكرت كل مرة كان يبصلي فيها باستغراب.

 

كل مرة كان يسأل عني.

 

كل مرة يزود مرتبي من غير سبب واضح.

 

كان عارف.

 

كان عارف إني بنت أخوه.

 

لكن…

 

ليه؟

 

سألت أبويا بسرعة:

 

“لو هو عمي…”

 

“إزاي يعمل فينا كده؟”

 

أبويا سكت لحظة.

 

ثم قال:

 

“لأن الفلوس غيرته.”

 

بدأ يحكي.

 

من أكتر من عشرين سنة…

 

أسسوا الشركة مع بعض.

 

وكان النجاح كبير.

 

لكن بعد فترة…

 

اكتشف أبويا إن فؤاد دخل في صفقات مشبوهة مع رجال أعمال خطرين.

 

ولما اعترض…

 

ابتدت الخلافات.

 

ثم اختفت ملايين الجنيهات من حسابات الشركة.

 

والكل اتهم أبويا.

 

قال أبويا وهو بيبص في الأرض:

 

“أنا كنت عارف مين اللي عملها.”

 

“لكن ماكانش معايا دليل.”

 

“ولما بدأت أدور…”

 

“عرفت إنهم قرروا يخلصوا مني.”

 

سألته:

 

“وعمي وافق؟”

 

رفع عينه ببطء.

 

وكان الألم باين فيها.

 

“هو اللي بلغهم بمكاني.”

 

سكتنا كلنا.

 

حتى سيف.

 

أول مرة أشوفه مش لاقي كلام يقوله.

 

وفي اللحظة دي…

 

رن هاتفي.

 

الغريب…

 

إن الرقم كان رقم الشركة.

 

رديت.

 

كان صوت السكرتيرة.

 

قالت بتوتر:

 

“آنسة ليلى…”

 

“الأستاذ فؤاد عايز يكلم حضرتك.”

 

بصيت لسيف.

 

أشارلي إني أفتح السماعة الخارجية.

 

ضغطت الزر.

 

وجاله صوته.

 

هادي جدًا.

 

كأنه مش عارف أي حاجة.

 

قال:

 

“ليلى…”

 

“أنا عرفت إنك مختفية.”

 

“إنتِ كويسة؟”

 

ما رديتش.

 

كمل:

 

“أنا قلقان عليكي.”

 

ضحك سيف ضحكة قصيرة.

 

فؤاد سكت.

 

ثم قال:

 

“واضح إن سيف الحديدي جنبك.”

 

اتجمدنا كلنا.

 

سيف قرب من الهاتف.

 

وقال:

 

“واضح إنك متابعنا كويس.”

 

رد فؤاد بنفس الهدوء:

 

“من زمان.”

 

ثم قال جملة خلت أبويا يقف فجأة رغم تعبه.

 

“قول لأخويا…”

 

“إن الهروب انتهى.”

 

وانقطع الخط.

 

فضل أبويا باصص قدامه.

 

ثم همس بصوت مكسور:

 

“هو عرف مكاننا.”

 

وفي نفس اللحظة…

 

سمعنا صوت مروحية يقترب من فوق البحيرة.

 

رفع سيف رأسه للسماء.

 

ثم قال للحراس بسرعة:

 

“غطوا الجميع…”

 

“واضح إن المواجهة اللي استنيناها عشرين سنة…”

 

“بدأت أخيرًا.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *